فهرس الكتاب
4240 - 4241 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين هو ابنُ خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي ممَّا أعطاه الله من أموالِ الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصله من الفيءِ وهو الرُّجوع، يُقال فَاء يَفِيء فَيْئة وفُيُوء كأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، وأفاء ثلاثي مزيد فيه (بِالْمَدِينَةِ) وذلك من نحو أرض بني النَّضير حين أجلاهم (وَفَدَكَ) أي وممَّا صالح أهل فدكٍ على نصفِ أرضها وكان النِّصف له. وفَدَك بفتح الفاء والمهملة منصرفًا وغير منصرف، قرية على نحو مرحلتين من المدينة (وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ) أي وما كان أيضًا من أرضِ خيبر لكنَّه ما استأثر بها، بل كان ينفقها على أهلهِ والمسلمين، فصارتْ بعده صدقة، وحرم التَّمليك فيها.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا نُورَثُ) أي لا نورث منَّا(مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ. وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 18 ص 188
عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلأَعْمَلَنَّ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى)أي امتنع (أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ) أي غضبت، من الموجدة، وهو الغضب (فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ) وكان ذلك الغضب أمرًا حصلَ على مقتضى البشرية، ثمَّ سكن بعد ذلك، أو الحديث كان مأولًا عندها بما فضل عن ضروراتِ معاش الورثةِ، وأمَّا هجرانها فمعناه انقباضُها عن لقائهِ وعدم الانبساط، لا الهجران المحرَّم من تركِ السلام ونحوه.
(وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) هذا هو الصَّحيح في بقائها بعده صلى الله عليه وسلم. وروى ابنُ سعد من وجهين أنَّها عاشتْ بعده صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر، ونُقِل عن الواقدي، وأن ستَّة أشهر هو الثبت، وقيل عاشت بعده سبعين يومًا، وقيل ثمانية أشهر، وقيل شهرين، جاء ذلك عن عائشة رضي الله عنها أيضًا. وقال البيهقي قوله (( وعاشت .. إلى آخره ) )مدرجٌ، وذلك أنَّه وقع عند مسلم من طريق أُخرى عن الزُّهري، فذكر الحديث وقال في آخره قلتُ للزُّهري كم عاشت فاطمة رضي الله عنها بعده صلى الله عليه وسلم؟ قال ستَّة أشهر.
وقال الحافظُ العسقلاني وعزا هذه الرِّواية لمسلم، ولم يقع عند مسلم هكذا بل فيه كما عند البخاري [موصولًا] ، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَيْلًا) وكان ذلك بوصيَّةً منها لإرادة الزيادة في التَّستر، وأمَّا الحديث الَّذي أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي من حديث جابر رضي الله عنه في النَّهي عن الدَّفن ليلًا فهو محمولٌ على حال الاختيار؛ لأنَّ في بعضه إلَّا أنَّ يضطر إنسان إلى ذلك.
(وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا
ج 18 ص 189
أَبَا بَكْرٍ) أي ولم يُعْلِم بوفاتها أبا بكر رضي الله عنه، ولعلَّ ذلك لأنَّه ظنَّ أنَّه لا يخفى عنه، وليس في الخبر ما يدلُّ على أنَّ أبا بكر رضي الله عنه لم يعلم بموتها بل ولا صلَّى عليها (وَصَلَّى عَلَيْهَا) أي صلى عليٌّ رضي الله عنه على فاطمة رضي الله عنها. وروى ابنُ سعد من طريق عَمرة بنت عبد الرَّحمن أنَّ العبَّاس رضي الله عنه صلَّى عليها، ومن عدَّة طرق أنَّها دُفنت ليلًا.
(وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ) أي كان الناس يحترمونه إكرامًا لفاطمة رضي الله عنها، وكأنَّهم كانوا يعذرونه في التَّخلف عن أبي بكر رضي الله عنه في مدَّة حياة فاطمةَ رضي الله عنها؛ لاشتغالهِ بها، وتمريضِها، وتسليةِ خاطرها عمَّا هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم مع قُربِ عهد مُفَارقته. وقيل ولأنَّها لما غضبت من ردِّ أبي بكر رضي الله عنه عليها فيما سألتْه من الميراث رأى عليٌّ رضي الله عنه أن يوافقَها في الانقطاعِ عنه، فلذلك عذروه.
(فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ) أي فلمَّا ماتت فاطمةُ رضي الله عنها واستمر عليٌّ رضي الله عنه على عدم الحضور عند أبي بكر رضي الله عنه قَصَرَ الناسُ على ذلك الاحترام لإرادةِ دخولهِ فيما دخلَ فيه الناس، ولذلك قالتْ عائشة رضي الله عنها في آخر الحديث لمَّا جاء وبايعَ «كان الناس قريبًا إليه حين راجعَ الأمر المعروف» .
(فَالْتَمَسَ مُصَاحَبَةَ أَبِي بَكْرٍ [1] وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ [2] تِلْكَ الأَشْهُرَ) أي في أشهرِ حياة فاطمة رضي الله عنها. وقال المازريُّ العذرُ لعلي رضي الله عنه في تخلُّفه مع ما اعتذر هو به أنَّه يكفي في بيعةِ الإمام أن يقعَ من آحاد أهل الحلِّ والعقد، ولا يجبُ الاستيعابُ، ولا يلزم كل أحدٍ أن يحضرَ عنده ويضع يده في يدِهِ، بل يكفي التزام طاعتهِ والانقياد له بأن لا يُخالفَه ولا يشقَّ العصا عليه، وهذا كان حالُ عليٍّ رضي الله عنه لم يقعْ منه إلَّا التَّأخر عن الحضورِ عند أبي بكر رضي الله عنه، وقد ذُكر سبب ذلك.
(فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ
ج 18 ص 190
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) المحضرُ مصدر ميمي بمعنى الحضور، ويُروى ؛ أي لأن يحضر؛ أي لأجل كراهيةِ حضورِ عمر رضي الله عنه، وذلك لما ألفوه من قوَّة عمر رضي الله عنه وصلابتهِ في القول والفعل، وكان أبو بكر رضي الله عنه رفيقًا ليِّن الجانب، فكأنَّهم خشوا من حضورِ عمر رضي الله عنه كثرة المعاتبةِ والمقاولةِ، فقصدوا التَّخفيف لئلا تُفضى إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة.
(فَقَالَ عُمَرُ لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ) إنما قال ذلك؛ لأنَّه ظنَّ أنَّهم لا يعظِّمونه حقَّ التَّعظيم، ويتركون ما يجبُ له، وأمَّا توهمه بما لا يليقُ بهم فحاشاهُ وحاشاهُم من ذلك (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِي [3] ) بكسر السين وفتحها؛ أي ما رجوتهم أن يفعلوا، وكلمة (ما) استفهاميَّة، و (عسى) استعمل استعمالَ الرَّجاء، فلهذا اتَّصل به ضمير المفعول، والغرض أنَّهم لا يفعلون شيئًا لا يليق بهم.
وقال ابنُ مالك في هذا شاهد على صحَّة تضمين بعض الأفعال معنى فعل آخر، وإجرائهِ مجراه في التَّعدية، فإن عسيتَ في هذا الكلام بمعنى حسبتَ وأُجريتَ مجراهُ، فنصبتَ ضمير الغائب على أنَّه مفعول أول، وأن يفعلوهُ مفعولٌ ثان، وكان حقه أن يكون عاريًا من أن، لكن جيءَ بها لئلا تخرجَ (عسى) عن مقتضاها بالكلِّية.
وأيضًا كلمة (أن) قد انسدَّت بصلتها مسدَّ ثاني مفعولي (حسب) ، فلا يُستبعدُ مجيئها بعد المفعول الأول بدلًا منه، قال ويجوزُ جعل (( ما عسيتم ) )بحرف خطاب هكذا، وما عسيتُم أن تفعلوا بي. وقال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّوايات .
(وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ) بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح الفاء (عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ) أي لم نحسدك
ج 18 ص 191
على الخلافةِ ولم نضنَّ عليك في ذلك الأمر، يُقال نَفِست _ بكسر الفاء _ أنفَس _ بفتحها _ نَفَاسة إذا ضنَّ وحسد (وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، من الاستبداد وهو الاستقلال بالشيءِ. وفي رواية غيره بدال واحدة وهو بمعناه، وأسقطت الدال الثانية تخفيفًا كما في قوله تعالى {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة 65] أصله ظللتم.
(عَلَيْنَا بِالأَمْرِ) أي بالخلافة، والمراد أنَّك لم تشاورنا فيه، وما عينت لنا نصيبًا منه (وَكُنَّا نُرَى) بضم النون؛ أي نظنُّ، ويُروى بفتحها (لِقَرَابَتِنَا) أي لأجل قرابتنا (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا) أي لنا في الأمر (حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي لم يزل علي رضي الله عنه يذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتَّى فاضتْ عينا أبي بكر رضي الله عنه من الرِّقَّة.
قال المازريُّ ولعلَّ عليًا رضي الله عنه أشار إلى أنَّ أبا بكر رضي الله عنه استبدَّ عليه بأمور عظامٍ كان حق مثله عليه أن يحضرهُ فيها ويُشاورهُ، أو أشار إلى أنَّه لم يستشره في عقدِ الخلافة له أولًا، والعذرُ لأبي بكر رضي الله عنه أنَّه خشيَ من التَّأخر عن البيعة من الاختلافِ والتَّنازع لما كان وقع من الأنصار، كما تقدَّم في حديث السقيفة فلم ينتظروه [خ¦3667] .
(فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ [4] قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ) بفتح اللام (رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي وقع من الاختلاف والتَّنازع (مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ) أي الَّتي تركها النَّبي صلى الله عليه وسلم من أرض خيبر وغيرها (فَإِنِّي لَمْ آلُ) بمد الهمزة وضم اللام؛ أي لم أُقصر (فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنهما (مَوْعِدُكَ) الْعَشِيَّةَ بالفتح ويجوز الضم، أمَّا الفتح فعلى الظَّرفية، وأمَّا الضم فعلى أنَّه خبر المبتدأ، وهو قوله موعدك، والعشيَّة بعد الزوال (لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ) بكسر القاف بعدها تحتانية، وحكى ابن التِّين أنَّه رآه في نسخة بفتح القاف بعدها ألف، وهو تحريفٌ؛ أي علا(الْمِنْبَرَ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ،
ج 18 ص 192
وَعَذَرَهُ)بفتح العين والذال على أنَّه فعل ماض، كذا في رواية أبي ذرٍّ، أي قبل عذره، وفي رواية غيره بضم العين وإسكان الذال وبالنصب عطفًا على قوله (( وتخلفَه ) )؛ أي وذكر عذره أيضًا (بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ) زاد مسلم في روايته من طريق مَعْمر عن الزُّهري، وذكر فضله وسابقته، ثمَّ مضى إلى أبي بكر فبايعَهُ (وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا) أي كان ودُّهم له قريبًا (حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ) أي موافقة سائر الصَّحابة والدُّخول فيما دخلوا فيه من المبايعة والمتابعة.
قال القرطبيُّ من تأمّل ما دارَ بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما في هذا المجلس من المعاتبة والاعتذار، وما تضمَّن ذلك من الإنصافِ عرف أن بعضَهم كان يعترفُ بفضل الآخر، وأنَّ قلوبهم كانت متَّفقة على الاحترام والمحبَّة، وإن كان الطَّبع البشري قد يغلبُ أحيانًا لكن الدِّيانة تردُّ ذلك، والله الموفق.
وقد تمسَّك الرَّافضة بتأخُّر علي رضي الله عنه عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه إلى أن ماتت فاطمة رضي الله عنها وهذيانهم في ذلك مشهورٌ، وفي هذا الحديث الصَّحيح ما يدفعُ حجَّتهم، وقد صحَّح ابن حبَّان وغيره من حديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ عليًا رضي الله عنه بايعَ أبا بكر رضي الله عنه في أوَّل الأمر، وأمَّا ما وقع في مسلم عن الزُّهري (( أنَّ رجلًا قال له لم يُبايع عليٌّ أبا بكر حتَّى ماتت فاطمة قال لا، ولا أحد من بني هاشم ) )، فقد ضعَّفه البيهقيُّ بأنَّ الزُّهري لم يُسنده، وأن الرِّواية الموصولة عن أبي سعيد رضي الله عنه أصحُّ، وجمع غيره بأنَّه بايعه بيعةً ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقعَ بسبب الميراث، كما تقدَّم [خ¦3092] ، وعلى هذا يُحملُ قول الزُّهري لم يبايعْه عليٌّ في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضورِ عنده وما أشبه ذلك، فإن في انقطاعِ مثله عن مثله ما يُوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرِّضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي رضي الله عنه المبايعة الَّتي بعد موت فاطمة رضي الله عنها لإزالةِ هذه الشُّبهة،
ج 18 ص 193
والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذُ من قوله (( من خمس خيبر ) ).
وقد مضى الحديث في باب فرض الخمس [خ¦3092] ، ولكن بينهما تفاوتٌ في المتن بزيادةٍ ونقصان.
[1] في هامش الأصل في نسخة مصالحة أبي بكر.
[2] في هامش الأصل في نسخة يبايع.
[3] في هامش الأصل في نسخة أن يفعلوا بي.
[4] في هامش الأصل في نسخة فلما تكلم تكلم أبو بكر.