فهرس الكتاب

الصفحة 6170 من 11127

4251 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) أي ابن باذام الكوفي (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي الكوفي جدُّ إسرائيل المذكور (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازب رضي الله عنهما، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق (( سمعتُ البراء ) )أخرجها في الصُّلح [خ¦2698] (قَالَ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) أي من سنة ستٍّ (فَأَبَى) من الإباء، وهو الامتناع (أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ) بفتح الدال؛ أي يتركوه (يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ) أي صالحهم وفاصلهم (عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) أي بمكَّة ثلاثةَ أيَّام من العام المقبل، وصرَّح به في حديث ابن عمر رضي الله عنه الَّذي بعده [خ¦4252] ، وتقدَّم سبب هذه المقاضاة في الكلام على حديث المسور في الشُّروط مستوفى [خ¦2711] .

(فَلَمَّا كُتِبَ الْكِتَابَ) كذا هو بضم الكاف من كُتب على البناء للمجهول من الفعل الماضي المفرد. وفي رواية الأكثر بصيغة الجمع. وتقدَّم في الجزية [خ¦3184] من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق بلفظ (( فأخذَ يكتب بينهم الشَّرط عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ) ). وفي رواية شعبة [خ¦2698] (( كتبَ عليٌّ رضي الله عنه بينهم كتابًا ) )، وفي حديث المسور [خ¦2731] قال فدعا النَّبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال (( اكتبْ بسم الله الرَّحمن الرحيم ) )فقال سهيلٌ أما الرَّحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللَّهمَّ، كما كنت تكتب، فقال المسلمون لا نكتبها إلَّا بسم الله الرَّحمن الرحيم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اكتبْ باسمك اللَّهم ) ).

ونحوه في حديث أنس رضي الله عنه باختصار ولفظه أن قريشًا صالحوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عَمرو فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعلي (( اكتب بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ) )فقال سهيل ما ندري ما بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللَّهم.

وللحاكم من رواية عبد الله

ج 18 ص 209

بن مُغَفَّل (( فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم اكتبْ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ) )فأمسك سهيل بيده فقال اكتبْ في قضيتنا ما نعرف، فقال (( اكتب باسمك اللَّهم ) )فكتبَ.

(كَتَبُوا) فإن قيل الكاتب كان واحدًا فما وجه صيغة الجمع؟ أُجيب بأنَّه لما كانت الكتابة برأيهم أُسندت إليهم مجازًا (هَذَا) إشارة إلى ما تصور في الذِّهن (مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) خبر مفسِّر له، وفي رواية الكُشميهني وهو غلطٌ، وكأنَّه لما رأى قوله «كتبوا» ظنَّ أن المراد قريش كتبوا، وليس كذلك بل المسلمون هم الَّذين كتبوا، وفي حديث عبد الله بن مُغَفّل فكتب هذا ما صالح محمدٌ رسول الله أهل مكة.

(قَالُوا) ويروى بالفاء؛ أي سهيل ومن معه (لاَ نُقِرُّ بِهَذَا) أي لا نقرُّ لك بهذا الأمر الَّذي تدعيه وهو النُّبوة، وقد تقدَّم في الصُّلح [خ¦2699] بهذا الإسناد بعينه بلفظ فقالوا لا نقرُّ بها؛ أي بالنُّبوة (لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا) وزاد في رواية يوسف [خ¦3184] (( ولبايعناك ) ). وفي رواية النَّسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى شيخ البخاري فيه (( ما منعناكَ بيته ) ). وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق [خ¦2698] (( لو كنت رسول الله لم نقاتلك ) ). وفي حديث أنس رضي الله عنه (( لاتَّبعناك ) ). وفي حديث المسور [خ¦2731] فقال سهيل بن عَمرو والله لو كنَّا نعلمُ أنك رسول الله ما صددناكَ عن البيتِ ولا قاتلنَاك. وفي رواية أبي الأسود عن عروة في «المغازي» (( فقال سهيل ظلمناك إن أقررنا لك بهذا ومنعناك ) ). وفي حديث عبد الله بن مُغَفل (( لقد ظلمناكَ إن كنتَ رسولًا ) ).

(وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وفي رواية يوسف، وكذا في حديث المِسْور (( ولكن اكتبْ ) )وكذا في رواية زكريا عن أبي إسحاق عند مسلم، وفي حديث أنس رضي الله عنه وكذا في مرسل عروة (( ولكن اكتبْ اسمك واسم أبيك ) )وزاد في حديث عبد الله بن مُغَفّل فقال اكتبْ هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

(فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

ج 18 ص 210

امْحُ رَسُولَ اللَّهِ) أي امح هذه الكلمة المكتوبة من الكتاب، وهو بضم الهمزة وسكون الميم، أمرٌ من محا يمحو.

(قَالَ) أي علي رضي الله عنه (لاَ وَاللَّهِ لاَ أَمْحُوكَ أَبَدًا) أي لا أمحو اسمك أبدًا. وفي رواية النَّسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي رضي الله عنه قال كنتُ كاتب النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فكتبتُ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل لو علمنا أنَّه رسول الله ما قاتلناه، امحُها، فقلت هو والله رسول الله، وإنْ رغمَ أنفُك، لا والله لا أمحوها.

وكأنَّ عليًا رضي الله عنه فهم أنَّ أمره صلى الله عليه وسلم له بذلك لم يكن متحتمًا ولذلك امتنع من امتثالهِ. ووقع في رواية يوسف بعد [خ¦3184] (( فقال لعليٍّ رضي الله عنه امحُ رسولَ الله، فقال لا والله لا أمحاه أبدًا، قال فأرنيهِ، فأراه إيَّاه، فمحاهُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده ) )، ونحوه في رواية زكريا عند مسلم. وفي حديث علي رضي الله عنه عند النَّسائي، وزاد وقال (( أمَا إنَّ لك مثلَها، وستأتيها وأنت مضطرٌّ ) )يشير صلى الله عليه وسلم إلى ما وقع لعلي رضي الله عنه يوم الحكمين فكان كذلك.

(فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِتَابَ، وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ) أي والحال أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ليس يُحسن الكتابة (فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فإن قيل قال الله تعالى {الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف 157] والأمِّي لا يكتب، فكيف كتب؟ أُجيب عنه بأجوبة

الأول أنَّ الأمِّي من لا يُحسن الكتابةَ لا من لا يكتب. الثاني أنَّ الإسناد فيه مجازي إذ هو الآمر بها. قال السُّهيلي والحقُّ أنَّ قوله (( فكتب ) )؛ أي أمر عليًا رضي الله عنه أن يكتبَ. الثالث أنَّه كتب بنفسه خارقًا للعادة على سبيلِ المعجزة. وأنكرَ بعضُ المتأخِّرين على أبي مسعود نسبة هذه اللَّفظة، أعني قوله «وليس يحسن يكتب» ، إلى تخريج البخاريِّ، وقال ليست هذه اللَّفظة في البخاري ولا في مسلم، وهو كما قال ليس في مسلم هذا فإنَّه أخرجه من طريق زكريا بن زائدة

ج 18 ص 211

عن أبي إسحاق بلفظ فأراهُ مكانها فمحاهَا، وكتبَ ابن عبد الله، انتهى.

وقد عرفتَ ثبوتها في البخاريِّ في مظنَّة الحديث، وكذلك أخرجها النَّسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى مثلها سواء [1] ، وكذا أخرجها أحمدُ عن حُجين بن المثنى عن إسرائيل، ولفظه «فأخذَ الكتاب» ، وليس يُحسن أن يكتبَ فكتبَ مكان رسول الله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.

وقد تمسَّك بظاهر هذه الرِّواية أبو الوليد الباجي، فادَّعى أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يُحسن يكتب فشنَّع عليه علماء الأندلس في زمانهِ ورموه بالزَّندقة، وأنَّ الَّذي قاله يخالفُ القرآن، حتَّى قال قائلهم

~بَرِئتُ مِمَّنْ شَرَى دُنْيا بِآخِرَةٍ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَتَبَا

فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديهِ من المعرفة، وقال هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذُ من مفهوم القرآن؛ لأنَّه قيَّد النفي بما قبل ورود القرآن، فقال {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت 48] ، وبعد أن تحقَّقت أمَّيته وتقرَّرت بذلك معجزته، وأمنَ الارتياب في ذلك لا مانع أن يعرفَ الكتابة بعد ذلك من غير تعليمٍ، فتكون معجزة أخرى.

وذكر ابنُ دِحية أنَّ جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك منهم شيخه أبو ذرٍّ الهروي، وأبو الفتح النَّيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، واحتجَّ بعضهم لذلك بما أخرجه ابنُ أبي شيبة وعمر بن شبَّة من طريق مُجالد عن عون بن عبد الله قال ما ماتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى كتبَ وقرأ، قال مُجالد فذكرته للشعبي فقال صدقَ قد سمعتُ من يذكر ذلك.

ومن طريق يونس بن مَيْسرة عن أبي كَبْشة السَّلولي عن سهل بن الحنظليَّة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية رضي الله عنه أن يكتبَ للأقرعِ وعُيينة فقال عُيينة أتراني أذهبُ بصحيفةِ المتلمِّس، فأخذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّحيفة، فنظرَ فيها فقال (( قد كتبَ لك بما أُمِرَ لك ) )

ج 18 ص 212

قال يونس فنرى أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كتب بعد ما أُنزل عليه.

وقال القاضي عياض وردتْ آثار تدلُّ على معرفة حروف الخطِّ وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه (( ضعِ القلمَ على أُذُنك فإنَّه أذكر لك ) )، وقوله لمعاوية (( ألقِ الدَّوَاة، وحَرِّف القلم، وأَقِم الباءَ، وفَرِّق السين، ولا تَعْور الميم ) )، وقوله (( لا تمدَّ بسم الله ) )قال وهذا وإن لم يثبتْ أنَّه كتب فلا يبعدُ أن يُرزقَ علم وضع الكتابة، فإنَّه أُوتي علمَ كلِّ شيءٍ.

وأجاب الجمهور بضعفِ هذه الأحاديث، وعن قصَّة الحُديبية بأن القصَّة واحدة، والكاتب فيها هو عليٌّ رضي الله عنه، وقد صرَّح في حديث المسور رضي الله عنه [خ¦2731] بأنَّ عليًا رضي الله عنه هو الَّذي كتب، فيُحمل على أن النُّكتة في قوله «فأخذ الكتاب وليس يُحسن يكتب» ، لبيان أنَّ قوله (( أرني إيَّاها ) )أنَّه ما احتاجَ إلى أن يُريه موضع الكلمة الَّتي امتنعَ عليٌّ رضي الله عنه من محوها إلَّا لكونه كان لا يُحسنُ الكتابة.

وعلى أنَّ قوله بعد ذلك «فكتب» ، فيه حذف تقديره فمحاها فأعادَها لعلي فكتبَ، وبهذا جزم ابن التِّين، وأطلق «فكتب» بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير كقوله كتب إلى قيصر، وكتب إلى كسرى، وعلى تقدير حمله على ظاهرهِ فلا يلزم من كتابته اسمه الشَّريف في ذلك اليوم وهو لا يُحسنُ الكتابة أن يصيرَ عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أمِّيًا، فإنَّ كثيرًا ممَّن لا يُحسنُ الكتابة يعرف صور بعض الكلمات ويُحسن وضعها بيدِهِ وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثيرٍ من الملوك.

ويُحتمل أن يكون جرت يده بالكتابةِ حينئذٍ وهو لا يُحسنُها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزةً أخرى في ذلك الوقت خاصَّة، ولا يخرج بذلك عن كونه أمِّيًا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعَه ابنُ الجوزي.

وتعقَّب ذلك السُّهيلي وغيره بأنَّ هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى لكنَّه يُناقضُ كونه أميًا لا يكتب، وهي الآية الَّتي قامت بها الحجَّة، وأُفحم الجاحد، وانحسمتِ الشُّبهة، فلو جاز أن يصيرَ يكتب بعد ذلك لعادت الشُّبهة، وقال المعاند كان [يحسن] يكتبُ

ج 18 ص 213

[لكنه كان يكتم ذلك] .

قال السُّهيلي والمعجزات يستحيلُ أن يدفعَ بعضُها بعضًا، والحقُّ أن معنى قوله «فكتب» ؛ أي أمر عليًا رضي الله عنه أن يكتب، انتهى.

وفي دعوى أنَّ كتابة اسمه الشَّريف فقط على هذه الصُّورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتُثبت كونه غير أمِّي نظر، فافهم، والله تعالى أعلم.

(لاَ يُدْخِلُ) بضم الياء، من الإدخال (مَكَّةَ السِّلاَحَ) بالنصب على أنَّه مفعول لا يُدخل (إِلاَّ السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ) وقراب السَّيف جفنه، وهو وعاءٌ يكون فيه السَّيف بغمدِهِ، وفي رواية شعبة [خ¦2698] (( فكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثًا، ولا يدخلها بسلاح ) )ونحوه لزكريا عن أبي إسحاق عند مسلم (وَأَنْ لاَ يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لاَ يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا) وفي حديث أنس رضي الله عنه قال عليٌّ رضي الله عنه (( قلت يا رسول الله أكتب هذا؟ قال نعم ) ).

(فَلَمَّا دَخَلَهَا) أي في العام المقبل (وَمَضَى الأَجَلُ) أي ثلاثة أيام؛ يعني وقربَ مضيُّه، قاله الكرماني، ويتعيَّن الحملُ عليه لئلا يلزم الخلف، فليتأمل (أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ) وفي رواية يوسف [خ¦3184] (( فقالوا مُرْ صاحبَك فليرتحلْ ) )، أرادوا بصاحب عليٍّ رضي الله عنه محمدًا صلى الله عليه وسلم (فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية يوسف [خ¦3184] (( فذكر ذلك علي رضي الله عنه فقال نعم، فارتحل ) ).

وفي «مغازي» أبي الأسود عن عروة فلمَّا كان اليوم الرابع جاءه سهيل بن عَمرو وحويطب بن عبد العزى فقالا ننشدُك الله والعهدَ إلَّا ما خرجتَ من أرضنَا، فردَّ عليه سعدُ بن عبادة، فأسكتَهُ النَّبي صلى الله عليه وسلم وآذن بالرَّحيل، وكأنَّه دخلَ في أوائل النَّهار فلم يُكمل الثَّلاثة إلَّا في مثل ذلك الوقت من النَّهار الرابع الَّذي دخل فيه بالتَّلفيق، وكان مجيئهم في أوَّل النهار قُربَ مجيء ذلك الوقت.

(فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي يَا عَمِّ يَا عَمِّ) هكذا رواه البخاريُّ عن عبيد الله بن موسى معطوفًا على إسناد القصَّة الأولى الَّتي قبله، وكذا أخرجه النَّسائي عن أحمد بن سليمان عن عبيد الله بن موسى، وكذا أخرجه الحاكم في «الإكليل» ، والبيهقي

ج 18 ص 214

من طريق سعيد بن مسعود رضي الله عنه عن عبيد الله بن موسى بتمامه، وادَّعى [البيهقي] أنَّ فيه إدراجًا؛ لأنَّ زكريا بن أبي زائدة رواه عن أبي إسحاق متصلًا، فأخرج مسلم والإسماعيلي القصَّة الأولى من طريقه عن أبي إسحاق من حديث البراء فقط.

وأخرج البيهقي قصَّة ابنت حمزة من طريقه عن أبي إسحاق من حديث علي رضي الله عنه، وهكذا رواه أسود بن عامر عن إسرائيل أخرجه أحمدُ من طريقه لكن باختصار في الموضعين، قال البيهقيُّ وكذلك روى عبيد الله بن موسى أيضًا، وفيه قصَّة ابنت حمزة من حديث علي رضي الله عنه، قال الحافظُ العسقلاني هو كذلك عند ابن حبَّان عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى لكن باختصار.

وكذا رواه الهيثم بن كُليب «مسنده» عن الحسن بن علي بن عفَّان عن عبيد الله بن موسى بأتم من سياق ابن حبَّان، وأخرج أبو داود من طريق إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل قصَّة ابنت حمزة خاصَّة من حديث علي رضي الله عنه بلفظ لما خرجنَا من مكَّة تبعتنا ابنةُ حمزة. الحديث، وكذا أخرجها أحمدُ عن حجَّاج بن محمد ويحيى بن آدم جميعًا عن إسرائيل.

قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهر لي أنَّ لا إدراج فيه؛ لأنَّ الحديث كان عند إسرائيل، وكذا عند عبيد الله بن موسى عنه بالإسنادين جميعًا، لكنَّه في القصَّة الأولى من حديث البراء أتم، وبالقصَّة الثانية من حديث عليٍّ رضي الله عنه أتم، وبيان ذلك أنَّ عند البيهقي في رواية زكريا عن أبي إسحاق عن البراء قال (( أقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة ثلاثة أيَّام في عمرة القضاء، فلمَّا كان اليوم الثالث قالوا لعليٍّ رضي الله عنه إنَّ هذا آخر يوم من شرط صاحبك فمُره، فليخرجْ، فحدَّثه [بذلك] فقال نعم فخرج ) ).

قال أبو إسحاق فحدَّثني هانئ بن هانئ وهُبيرة، فذكر حديث عليٍّ في قصَّة ابنت حمزة أتم ممَّا وقع في حديث الباب عن البراء، فوضحَ أنَّه عند عبيد الله بن موسى، ثمَّ عند أبي بكر بن أبي شيبة عنه بالإسنادين جميعًا، وكذا أخرج ابنُ سعد عن عبيد الله بن موسى بالإسنادين معًا عنه قوله لجعفر

ج 18 ص 215

(( أشبهت خَلْقي وخُلُقي ) )، ثمَّ إنَّ اسم ابنة حمزة عُمارة، وقيل فاطمة، وقيل أمامة، وقيل أمة الله، وقيل سلمى، والأول أشهر.

وذكر الحاكم في «الإكليل» وأبو سعيد في «شرف المصطفى» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بسند ضعيفٍ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بين حمزة وزيد بن حارثة، وأنَّ عُمارة بنت حمزة كانت مع أمِّها بمكة، وقوله «تُنادي يا عم يا عم» كأنَّها خاطبتِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك إجلالًا له، وإلَّا فهو ابنُ عمِّها أو بالنسبة إلى كون حمزة رضي الله عنه، وإن كان عمه من النَّسب أخاه من الرَّضاعة، وقد أقرَّها على ذلك بقوله لفاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم «دونك ابنة عمِّك» .

(فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا دُونَكِ) هي كلمة من أسماء الأفعال تدلُّ على الأمر بأخذ الشَّيء المشار إليه؛ أي خذيه، وهي تستعملُ في الإغراء بالشَّيء (ابْنَةَ عَمِّكِ حَمَلَتْهَا) كذا في رواية الأكثر بصيغة الفعل الماضي بتخفيف الميم، قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّ الفاء سقطت؛ يعني كأنَّ أصله فحملتها.

وقد ثبتتْ في رواية النَّسائي من الوجه الَّذي أخرجه منه البخاري، وكذا في رواية أبي داود من طريق إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل، وكذا في رواية أحمد من حديث علي رضي الله عنه، ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسي والكُشميهني بتشديد الميم المكسورة والتحتية، بصيغة الأمر من التَّحميل، وقد مرَّ في الصُّلح [خ¦2699] في هذا الموضع للكُشميهني بالألف. وروى الحاكمُ من مرسل الحسن (( فقال عليٌّ لفاطمة رضي الله عنها وهو في هَودجها أمسكيْهَا عندك ) )، وعند ابنِ سعد من مرسل محمد بن علي بن الحسين الباقر بإسنادٍ صحيحٍ إليه (( فبينما ابنت حمزة تطوفُ في الرِّجال إذ أخذ عليٌّ بيدها فألقاها إلى فاطمة رضي الله عنها في هَودجها ) ).

(فَاخْتَصَمَ فِيهَا) أي ابنت حمزة رضي الله عنه (عَلِيٌّ) أي ابن أبي طالب (وَجَعْفَرٌ) أي ابن أبي طالب أخو علي رضي الله عنهما (وَزَيْدٌ) أي ابن حارثة رضي الله عنه، اختصموا

ج 18 ص 216

في أيِّهم تكون عنده، وكانت خصومتهم في ذلك بعد أن قدموا المدينة ثبتَ ذلك في حديث علي رضي الله عنه عند أحمد والحاكم، وفي «المغازي» لأبي الأسود عن عروة في هذه القصَّة (( فلمَّا دنوا من المدينة كلَّمه فيها زيد بن حارثة، وكان وصَّي حمزة وأخاه ) ) [2] .

وهذا لا ينفي أنَّ المخاصمة إنما وقعتْ بالمدينة، فلعلَّ زيدًا سألَ النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ووقعتِ المنازعة بعد، ووقعَ في مغازي سليمان التَّيمي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لما رجعَ إلى رحله وجدَا بنت حمزة فقال لها (( ما أخرجك؟ ) )قالت رجلٌ من أهلك، ولم يكنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها.

وفي حديث علي رضي الله عنه عند أبي داود أنَّ زيدَ بن حارثة أخرجَها من مكَّة، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال له عليٌّ فكيف تترك ابنةَ عمِّك مقيمةً بين ظَهراني المشركين؟ وهذا يُشعرُ بأنَّ أمَّها إما لم تكن أسلمت إلَّا بعد هذه القضية، فإن في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها سلمى بنت عُميس، وهي معدودةٌ في الصَّحابة، وإمَّا أن تكون ماتت [إن لم يثبت حديث ابن عباس] .

فإن قيل كيف أقرَّهم النَّبي صلى الله عليه وسلم على أخذهَا مع اشتراط المشركين أن لا يخرجَ من أهلها بأحدٍ أراد الخروج؟ فالجواب أنَّهم لم يطلبوها، وأيضًا قد تقدَّم في الشُّروط [خ¦2711] ويأتي في التَّفسير [خ¦4891] أنَّ النِّساء المؤمنات لم يدخلنَ في ذلك، أو أنَّ ذلك مخصوصٌ بالمكلفين، قاله الكرماني على أنَّه لم يكن صلى الله عليه وسلم أخرجها، ولم يأمر أيضًا بذلك.

هذا وفي رواية ابن سعد فاختصم فيها علي ... إلى آخره، وزاد (( حتَّى ارتفعتْ أصواتهم فأيقظوا النَّبي صلى الله عليه وسلم من نومه ) ).

(فَقَالَ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (أَنَا أَخَذْتُهَا، وَهْيَ بِنْتُ عَمِّي) وزاد في حديث علي رضي الله عنه (( وعندِي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أحقُّ بها ) ) (وَقَالَ جَعْفَرٌ ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي) أي زوجتي، وفي رواية الحاكم (( عندي ) )، واسم خالتها أسماء بنت عُمَيس الَّتي تقدَّم ذكرها في غزوة خيبر [خ¦4230] ، وصرَّح باسمها في حديث علي رضي الله عنه عند أحمد.

(وَقَالَ زَيْدٌ بِنْتُ أَخِي) أي من جهةِ المؤاخاة لا من جهةِ النَّسب ولا من جهةِ الرَّضاع، وفي حديث علي رضي الله عنه «وأنا خرجت بها»

ج 18 ص 217

وكان لكلِّ واحدٍ من هؤلاء الثَّلاثة شبهة، أمَّا زيد فللأخوة الَّتي ذكرها، ولكونه بدأَ بإخراجها من مكَّة، وأمَّا علي فلأنَّه ابن عمِّها وحملها مع زوجته، وأمَّا جعفر فلكونه ابن عمِّها وخالتها عنده، فترجَّح جانب جعفر باجتماع قرابة الرَّجل والمرأة منها دون الآخرين.

(فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالَتِهَا) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال «جعفر أولى بها» ، وفي حديث علي رضي الله عنه عند أبي داود وأحمد «أمَّا الجارية فأقضي بها لجعفر» (وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنَّها تقرب منها في الحنو والشَّفقة والاهتداء إلى ما يُصلح الولد، وإقامة حقِّ الصَّغير لما دلَّ عليه السِّياق.

قال الحافظُ العسقلاني فلا حجَّة فيه لمن زعم أنَّ الخالة ترث؛ لأنَّ الأمَّ ترث، وفي حديث علي رضي الله عنه وفي مرسل الباقر الخالةُ والدةٌ، وإنما الخالةُ أم، وهي بمعنى قوله «بمنزلة الأم» لا أنَّها أم حقيقية.

وقال العينيُّ إنَّها من ذوي الأرحام، قال الله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75] . وعلى هذا كانت الصَّحابة رضي الله عنهم، حتَّى روي عن عمر رضي الله عنه [أنه قضى] في عم لأم وخالة، أعطى العم الثُّلثين والخالة الثُّلث، والحديث لا يُنافي توريث الخالة، بل ظاهرهُ يدلُّ عليه من حيث العموم، انتهى.

وأنت خيبر بأنَّ مراد الحافظ العسقلاني الرَّد على من زعم أنَّ الخالة تورث توريثَ الأم لا أنَّها تورث أصلًا، ثمَّ إنَّه يُؤخذ من الحديث أنَّ الخالة في الحضانة مقدَّمة على العمَّة؛ لأنَّ صفيَّة بنت عبد المطَّلب كانت موجودة حينئذٍ، وإذا قُدمت على العمَّة مع كونها أقرب العصبات من النِّساء فهي مقدَّمة على غيرها، ويُؤخذُ منه تقديمُ أقارب الأمِّ على أقاربِ الأب، وعن أحمد رواية أنَّ العمَّة مقدَّمة في الحضانة على الخالة.

وأُجيب من طَرفه عن هذه القصة بأنَّ العمَّة لم تطلب، فإن قيل والخالة أيضًا لم تطلبْ، أُجيب بأنَّه قد طلب لها زوجها، فكما أنَّ للقريب المحضون أن يمنعَ الحاضنة إذا تزوَّجت، فللزوج أيضًا أن يمنعها من أخذهِ، فإذا وقع الرِّضا سقطَ الحرج، وفيه من الفوائد أيضًا تعظيم صلة الرَّحم بحيث تقع المخاصمة بين الكبار في التَّوصل إليها،

ج 18 ص 218

وأنَّ الحاكم يُبين دليل الحكم للخصم، وأنَّ الخصمَ يُدلي بحجَّته، وأنَّ الحاضنة إذا تزوَّجت بقريب المحضونةِ لا تسقط حضانتها إذا كانت المحضونة أنثى أخذًا بظاهرِ هذا الحديث، قاله أحمد. وعنه لا فرقَ بين الأنثى والذَّكر، ولا يُشترط كونه مَحْرمًا لكن يُشترطُ فيه أن يكون مأمونًا، وأنَّ الصَّغيرة لا تُشتهى، ولا تسقط إلَّا إذا تزوَّجت بأجنبي، والمعروف عن الشَّافعية والمالكيَّة اشتراط كون الزَّوج جَدًّا للمحضون، وأجابوا عن هذه القصة بأنَّ العمَّة لم تطلب، وأنَّ الزوج رضي بإقامتها عندَه، وكلُّ من طلبَ حضانتها لها كانت متزوِّجة، فرجَّح جانب جعفر رضي الله عنه بكونه زوج الخالة، والله تعالى أعلم.

(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِعَلِيٍّ) رضي الله عنه (أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ) أي في النَّسب والصِّهر والمسابقة والمحبَّة وغير ذلك من المزايا، ولم يُرد محضَ القرابة وإلَّا فجعفر شريكها فيها (وَقَالَ لِجَعْفَرٍ) رضي الله عنه (أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي) بفتح الخاء في الأول، وضمها في الثاني، وفي مرسل ابن سيرين عند ابن سعد (( أشبه خَلْقك خَلْقي، وخُلُقُك خُلُقي ) )، أمَّا الخَلْق فالمراد به الصُّورة فقد شاركه فيها جماعة ممن رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ذُكرتْ أسماؤهم في مناقب الحسن وأنَّهم عشرة أنفس غير فاطمة رضي الله عنهم، قال الحافظُ العسقلاني وقد كنتُ نظمت إذ ذاك_أي في مناقب الحسن رضي الله عنه_ بيتين في ذلك، ثمَّ وقفتُ بعد ذلك على أنَّ إبراهيم ولد النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يُشبهه، وكذا في قصَّة جعفر بن أبي طالب أنَّ ولديه عبد الله وعونًا كانا يُشبهانه، فغيَّرتُ البيتين [الأولين] بالزِّيادة فأصلحتهما هناك، ورأيتُ إعادتهما هنا ليكتبها من لم يكن كتبها إذ ذاك وهما

~شَبَهُ النَّبِيِّ لِيجَ سَائِبٌ وَأَبِي سُفْيَانَ وَالْحَسَنَيْنِ الْخَالُ أُمُّهُمَا

~وَجَعْفَرٌ وَلَدَاهُ وَابْنُ عَامِرِهِمْ وَمُسْلِمٌ كَابِسٌ يَتْلُوهُ مَعَ قُثَمَا

وقد وقع في تراجم الرجال وأهل البيت ممَّن كان يشبهه صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء عدَّة، منهم إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، ويحيى بن القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد

ج 18 ص 219

بن علي بن الحسين بن علي، وكان يُقال له الشَّبيه، والقاسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وعلي بن علي بن عبّاد بن رِفاعة الرِّفاعي، شيخٌ بصري من أتباع التَّابعين، ذكر ابنُ سعد عن عفان قال كان يُشبه النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظُ العسقلاني وإنما لم أُدخل هؤلاء في النَّظم لبُعد عهدهِم عن عصرهِ صلى الله عليه وسلم فاقتصرتُ على من أدركه، وأمَّا شبهه بالخُلُق _ بالضم _ فخصوصيَّة لجعفر رضي الله عنه إلَّا أن يُقال ذلك حصلَ لفاطمة رضي الله عنها، فإن في حديث عائشة رضي الله عنها ما يقتضِي ذلك، ولكن ليس بصريحٍ كما في قصَّة جعفر هذه، وهي منقبةٌ عظيمةٌ لجعفر رضي الله عنه، قال الله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم 4] .

(وَقَالَ لِزَيْدٍ أَنْتَ أَخُونَا) أي في الدِّين (وَمَوْلاَنَا) أي من جهة أنَّه أعتقَه، وقد تقدَّم أنَّ مولى القوم منهم، فالمرادُ المولى الأسفل، وقد طيَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم خواطرَ الجميع كل واحدٍ منهم بما يُناسبه، وإن كان قضى لجعفر فقد بيَّن وجه ذلك، وحاصله أنَّ المقضي له في الحقيقة الخالة، وجعفر تبع لها؛ لأنَّه كان القائم في الطَّلب لها.

وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه عند أحمد، وكذا في مرسل الباقر فقام جعفر فحَجِلَ حول النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى دار عليه فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما هذا؟ ) )قال شيءٌ رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم.

وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّجاشي كان إذا رَضّى أحدًا من أصحابهِ قام فحجلَ حولَه، وحَجِل _ بفتح المهملة وكسر الجيم _؛ أي وقفَ على رجلٍ واحدةٍ وهو الرَّقص بهيئة مخصوصة. وفي حديث علي رضي الله عنه أنَّ الثَّلاثة فعلوا ذلك.

(قَالَ عَلِيٌّ) رضي الله عنه؛ أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا موصولٌ بالإسناد السَّابق (أَلاَ تَتَزَوَّجُ بِنْتَ حَمْزَةَ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّهَا بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) وذلك أنَّ ثُوَيْبَة _ بضم المثلثة وفتح الواو وسكون التحتية وبالموحدة _، مولاة أبي لهب أرضعتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة رضي الله عنه. وقال الذَّهبي في «تجريد الصحابة» يقال أنَّ ثُويبة أسلمتْ، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد مضى في الصُّلح، في باب كيف يُكتب هذا ما صالح فلان بن فلان [خ¦2699] بعين هذا الإسناد

ج 18 ص 220

والمتن.

[1] في هامش الأصل في نسخة مثل ما هنا سواء.

[2] في هامش الأصل وليس زيد أخا حمزة رضي الله عنهما لا نسبًا ولا رضاعًا بل آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت