33 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) هو ابن أبي داود الزهراني العتكي [1] ، سكن بغداد فانتقل إلى البصرة، سمع من مالك حديثًا، وسمع فليح بن سليمان وإسماعيل بن زكريا وغيرهما. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وروى النسائي عن رجل عنه، وقال ثقة. وقال يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زُرعة ثقة أيضًا. توفي بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاري، أبو إبراهيم الزُّرقي [2] مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، أخو محمد ويحيى وكثير ويعقوب بني جعفر، سمع أبا سهيل نافعًا وعبد الله بن دينار وغيرهما.
قال يحيى ثقة مأمون، قليل الخطأ، صدوق. وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد ثقة. وقال ابن سعد كان من أهل المدينة، قدم بغداد وكان مؤذنًا فيها لعلي ابن المهدي، وتوفي بها سنة ثمانين ومئة.
روى له الجماعة.
ج 1 ص 280
(قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ) أبو سهيل الأصبحي، التيميُّ المزني، وهو أخو أنس والربيع وأُويس، وهم عمومة مالك الإمام، سمع أنس بن مالك وأباه وعمر بن عبد العزيز وابن المسيب وغيرهم، وروى عنه مالك وغيره. قال أحمد وأبو حاتم ثقة.
روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر، جد مالك الإمام، ووالد أنس التَّيمي القرشي، سمع طلحة بن عبيد الله وعائشة وعثمان.
قال الواقدي تُوفي سنة ثنتي عشرة ومئة، ونقل النووي في (( تهذيبه ) )عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك يعني سنة أربع وسبعين، وجزم به في (( الكاشف ) )والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ رجاله كلهم مدنيُّون إلَّا أبا الربيع. ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
وقد أخرج متنه المؤلف في (( الوصايا ) ) [خ¦2749] و (( الشهادات ) ) [خ¦2682] و (( الأدب ) )أيضًا [خ¦6095] ، وأخرجه مسلم في (( الإيمان ) )، وأخرجه الترمذي والنسائي أيضًا.
(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ) أي علامته، وسمِّيت آية القرآن آية؛ لأنها علامة انقطاع كلام عن كلام (ثَلاَثٌ) وإفراد الآية مع أن الثلاث اسم جمع وإن كان لفظه مفردًا بناء على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وإفراد الآية على إرادة الجنس أو أنَّ العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع، انتهى.
وردَّه محمود العيني بأنَّ التاء فيها تمنع إرادة الجنس؛ لأنَّها كالتاء في تمرة، فالآية والآي، كالتمرة والتمر، وقول أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث يُشعِر بأنه إذا وُجد فيه واحدة من هذه الثلاث لا يطلق عليه اسم المنافق وليس كذلك، بل يطلق عليه اسم المنافق غير أنَّه إذا وُجد فيه الثلاث كلها يكون منافقًا كاملًا.
(إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) بفتح الذال المعجمة؛ أي أخبر على خلاف الواقع قاصدًا له (وَإِذَا وَعَدَ) أي بالخير في المستقبل المشهور أنَّه يقال في الخير وعدته أو به، وفي الشَّر أوعدتُه أو به، ويقال في الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد.
(أَخْلَفَ) أي جعل الوعد خلافًا أو لم يف به، وهو من عطف الخاص على العام؛ لأن الوعد نوع من التحديث، وكان داخلًا تحت قوله (( وإذا حدَّث ) )، ولكنه أفرده بالذكر؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، كما أفرد جبرائيل عليه السلام في قوله تعالى {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر 4] ؛ لزيادة شرفه، فليتأمل [3] .
وعطف الخاص على العام وإن كان لا يخرج الخاص من تحت العام فتكون الآية
ج 1 ص 281
ثنتين لا ثلاثًا، لكن لازم الوعد الذي هو الإخلاف قد يكون فعلًا، ولازم التحديث الذي هو الكذب لا يكون فعلًا فهما متغايران، وبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين أيضًا.
(وَإِذَا اؤْتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان وهو جعل الشخص أمينًا (خَانَ) من الخيانة وهو التصرف في الأمانة على خلاف الشرع.
وقال ابن سِيده هو أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، ثم وجه الاقتصار على الثلاث أن هذه الثلاث منبهة على ما عداها إذ أصل الديانة منحصرة في ثلاث القول، والفعل، والنية فبقوله إذا حدث كذب نبَّه على فساد القول، وبقوله (( إذا ائتمن خان ) )نبَّه على فساد الفعل، وبقوله (( إذا وعد أخلف ) )على فساد النية؛ لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا عزم عليه مقارنًا بوعده، أما إذا كان عازمًا على إنجاز الوعد، ثم عرض له مانع أو بدا له رأيٌ فلم يوجد فيه علامة النفاق، قاله الغزالي في (( الإحياء ) ).
ويشهد لذلك ما رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ لا بأس به في حديث طويل من حديث سلمان رضي الله عنه (( إذا وعدَ وهو يحدِّث نفسه أنَّه يخلف ) )وكذا قال في باقي الخصال. وعند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم بلفظ (( إذا وعدَ الرَّجل أخاه ومن نيَّته أن يفي له فلم يف فلا إثمَ عليه ) )، ثمَّ إنه يستحبُّ الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكرهُ إخلافه كراهةَ تنزيه لا تحريم.
ويستحبُّ أن يعقب الوعد بالمشيئة؛ ليخرج عن صورة الكذب، ويستحبُّ إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا، ولا يترتب على تركه مفسدة على ما قال العلماء، ومن وجه الاقتصار المذكور يعلم عدم التعارض من بين هذا الحديث والحديث الآتي بلفظ (( أربع من كنَّ فيه ... إلى آخره ) )فإن قوله (( وإذا عاهد غدر ) )في معنى قوله (( وإذا ائتمن خان ) )وقوله (( وإذا خاصم فجر ) )في معنى قوله (( إذا حدَّث كذب ) ).
وقال الطِّيبيُّ لا منافاة بين الروايتين؛ لأن الشيء الواحد قد يكون له علامات، فتارة يذكر بعضها وأخرى جميعها أو أكثرها.
وقال القرطبيُّ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم استجد له من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدِّ الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كَمُلَ بها خلوص النفاق، على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدلُّ على عدم إرادة
ج 1 ص 282
الحصر، فإن لفظه (( من علامة المنافق ثلاث ) ).
وقال محمود العينيُّ لا فرق بين الخصلة والعلامة؛ لأنَّ كلًا منهما يستدل به على الشَّيء وكيف ينفي هذا القائل الملازمة الظاهرة.
وقوله على أن في رواية مسلم ... إلى آخره، ليس بجواب طائل، بل المعارضة بين الروايتين ظاهرة ودفعها يحتاج إلى تأويل هذا. أقول والأَوْلى في التأويل أن يقال أن التَّنصيص على اسم العدد ربما لا يكون لنفي الزِّيادة، بل لغرضٍ آخر كزيادة الفضيلة مثلًا.
هذا ثمَّ اعلم أن جماعةً من العلماء عَدُّوا هذا الحديث من المشكلات؛ من حيث أن هذه الخصال قد تُوجَد في المسلم المصدِّق بقلبه ولسانه، مع أن الإجماع حاصلٌ على أنه لا يحكم بكفرهِ ولا بنفاق يجعله في الدَّرك الأسفل من النار.
فقال النَّووي ليس في الحديث إشكالٌ، إذ معناه أنَّ هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ومتخلِّق بأخلاقهم، إذ في هذه الخصال إظهار ما يبطن خلافه، كما في النفاق الكفري الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، أما في التَّحديث بالكذب فظاهر، وأما في الوعد والإخلاف فقد عرفت أنَّ معناه وعد مقارن بعزم الإخلاف، وأمَّا في الائتمان فلأنه قد جعل نفسه أمينًا وفي نفسه أنَّه يخونه.
وقال بعضهم إن هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه لتهاونه بها، واستخفافه بأمرها، ولا شكَّ أن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا، وأمَّا من ندر منه ذلك فليس داخلًا فيه، وذلك؛ لأن الإتيان بالجملة الشَّرطية مقارنة بإذا الدَّالة على تحقق الوقوع يدلُّ على أن هذه عادتهم على ما قاله الطِّيبي، أو لأن كلمة (( إذا ) )تقتضي تكرار الفعل على ما قاله الخطابي، فافهم.
وقال القرطبيُّ إنَّ المراد بالنِّفاق نفاق العمل، واستدلَّ له بقول عمر رضي الله عنه لحذيفة رضي الله عنه (( هل تعلم فيَّ شيئًا من النِّفاق ) )؟ فإنه لم يُرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أرادَ نفاق العمل؛ بأن يترك المحافظة على أمور الدين سرًّا ومراعاتها علنًا، وهذا أيضًا يسمَّى نفاقًا، كما جاء سباب المؤمن فسقٌ وقتالُه كفْر، فإنَّه إنما هو كفر دون كفْر، وهذا نفاقٌ دون نفاق.
وقيل المراد بإطلاق النِّفاق الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال؛ لئلاّ يعتادها وأن الظَّاهر غير مراد، وهذا هو الذي ارتضاه الخطابي.
وهذه الأجوبة كلُّها مبنية على أن اللام في (( المنافق ) )للجنس، ومنهم من ادّعى أنها للعهد، فقيل المراد رجلٌ بعينه منافق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق، بل يشير إشارةً على عادته السَّنية فيقول (( ما بال أحدكم يفعل كذا ) )فهاهنا أيضًا أشار إلى ذلك
ج 1 ص 283
المنافق بآيته حتى يُعرَف بها. وقيل المراد المنافقون [4] الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين حدثوا بأنهم آمنوا فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في نصرة الدين فأخلفوا.
قال القاضي وإليه مال كثيرٌ من أئمتنا، وهو قول عطاء بن أبي رباح في تفسير الحديث، وإليه رجع الحسن البصري وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير رضي الله عنهم.
يُحكى أن رجلًا من البصرة قدم مكة حاجًا فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح فقال سمعت الحسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرَّج أن أقول أنه منافق من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. فقال عطاء إذا رجعت إلى الحسن فقل له إن عطاء يقرأ عليك السلام ويقول لك ما تقول في بني يعقوب إخوة يوسف عليه السلام؛ إذ حدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا، أوَكانوا منافقين؟ فلما قال للحسن ذلك سُرَّ الحسن به، فقال جزاه الله خيرًا، ثم قال لأصحابه إذا سمعتُم مني حديثًا فاصنعوا به كما صنع أخوكم، حدثوا به العلماء، فما كان منه صوابًا فحسن، وإن كان غير ذلك ردوا عليَّ صوابه.
وعن مقاتل أنه سأل سعيد بن جبير عن هذا الحديث، وقال هذه مسألة قد أفسدت علي معيشتي إني لا أظن أني أسلم من هذه الثَّلاث، أو من بعضها فضحك سعيد، وقال أهمني ما أهمك، فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصتُ عليهما فضحكا وقالا والله أهمنا يا ابن أخي ما أهمك من هذا الحديث، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فضحك فقال (( ما لكم ولهنَّ إنَّما خصصت به المنافقين، أما قولي إذا حدث كذب، فذلك فيما أنزل الله علي {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون 1] فأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا، قال (( فلا عليكم، أنتم براء من ذلك، وأمَّا قولي إذا وعد أخلف، فذلك قوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة 75] الآيات الثلاث أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا، قال (( فلا عليكم أنتم من ذاك براء، وأمَّا قولي إذا ائتمن خان، فذاك فيما أنزل الله تعالى علي {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب 72] الآية فكل إنسانٍ مؤتمن على دينه يغتسل من الجنابة، ويصلي ويصوم في السرِّ والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟ ) )قلنا لا، قال (( فلا عليكم أنتم براء من ذلك ) ).
ج 1 ص 284
[1] في هامش الأصل الزهراني نسبة إلى زهران بن كعب بن الحارث، والعتكي نسبة إلى العتيك بن الأسد بن عمران. منه.
[2] في هامش الأصل الزُّرَقِي _ بضم الزاي وفتح الراء بعدها القاف _، في الأنصار وفي طي، فالذي في الأنصار زريق بن عامر، والذي في طي زريق بن جذيمة. منه.
[3] في هامش الأصل وجه التأمل أنَّ في زيادة قبحه نظرًا، فإن الكذب في التَّحديث حرامٌ، وأمَّا إخلاف الوعد فمكروهٌ كراهة تنزيه لا تحريم، كما سيأتي، فكيف هذا عن ذلك. منه.
[4] في هامش الأصل وقال الحافظ العسقلاني وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة لو ثبت منها شيء لتعين المصير إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، والله أعلم. منه.