34 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة والصاد المهملة (ابْنُ عُقْبَةَ) بضم المهملة وسكون القاف، ابن محمد أبو عامر السُّوَائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وكسر الهمزة، الكوفي من بني عامر بن صعصعة، روى عن مسعر، والثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة وغيرهم.
وروى عنه أحمدُ بن حنبل، ومحمد بن يحيى الذُّهلي والبخاري، وروى مسلم عنه حديثًا واحدًا في الجنائز، وروى أبو داود وابن ماجه عن رجل عنه.
قال محمود العينيُّ هو يحيى بن بشر، وكذا روى البخاريُّ في الأدب، والترمذي والنسائي عن يحيى بن بشر عنه، وكان من عباد الله الصَّالحين وهو مختلفٌ في توثيقه وجَرْحِه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف.
وقال يحيى بن معين ثقة في كلِّ شيء إلَّا في حديث سفيان الثوري ليس بذاك القوي. وقال يحيى بن آدم قبيصةُ كثير الغلط في سفيان كأنه كان صغيرًا لم يضبط، وأمَّا غير سفيان فهو ثقة رجل صالح، وعن قبيصة أنه قال جالستُ الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاث سنين، توفي في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين على ما قاله قطب الدين، وسنة خمس عشرة ومائتين على ما قاله النووي، وليس لقبيصة بن عقبة عن ابن عيينة شيء.
قال جعفر بن حمدُويه كنا على باب قبيصة ومعنا ابن مالك الحبل، ومعه الخدم فَدَقَّ الباب على قبيصة فأبطأ بالخروج فعاوده الخدم، وقالوا ابن مالك الحبل على الباب، وأنت لا تخرج إليه، فخرج وفي طرف ردائه كسرات خبزٍ، فقال رجل رضي من الدنيا بهذه ما يصنع بابن مالك الحبل، والله لا أحدثه، فلم يحدثه أبدًا.
(قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بتثليث سينه سعيد بن مسروق بن حبيب، أبو عبد الله الثوري، نسبة إلى جده الأعلى المسمى بثور، الكوفي، هو الإمام الكبير العالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستَّة المتبوعة المتَّفق على جلالة قدره، وكثرةِ علومه، وصلابة دينه، وتوثيقه وأمانته، وهو من تابعي التابعين.
قال عاصم سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك كتبت عن ألف شيخ ومئة، وما كتبت عن أفضل من سفيان. وقال ابنُ معين كلُّ من خالف الثوري فالقول قول الثوري. وقال ابن عيينة أنا من غلمان الثوري.
وقال
ج 1 ص 285
وهيب يقدَّم سفيان في الحفظ على مالك، وروي أن أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين قدامه إلى مكة حين خرج إليها، وقال إذا رأيتم سفيان فاصلبوه، فوصل النَّجارون إلى مكة ونصب الخشب فنودي سفيان، فإذا رأسه في حجرِ الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر ابن عُيينة، فقالوا يا أبا عبد الله، لا تشمِّت بنا الأعداء، فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها، فقال برئت منها إن دخلَ أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخلَ مكة. وانتقل سفيان إلى البصرة فمات بها متواريًا من سلطانها، ودفن عشاء سنة ستين ومئة، وقد ولد سنة سبع وتسعين. روى له الجماعة.
(عَنِ الأَعْمَشِ) قد مرَّ ذكره (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، الهمداني بسكون الميم، نسبةً إلى أحدِ أجداده همْدان الكوفي، التابعي، الخارفي _ بالخاء المعجمة وبالراء والفاء _، وخارف هو مالك بن عبد الله بن كثير. قال يحيى بن معين وأبو زُرعة ثقة. توفي سنة مائة. وقال ابن سعد في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له الجماعة.
(عَنْ مَسْرُوقٍ) هو أبو عائشة بن الأجدع _ بالجيم وبالمهملتين _، الهمْداني التابعي الكوفي، قيل ما ولدت همْدانيَّة مثل مسروق، وسُمِّي به؛ لأنه سرق في صغره، ثمَّ وجدوه فغلب عليه ذلك، صلَّى خلف أبي بكر رضي الله عنه، وسمع عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم، وكان من المخضرمين، قال له عمر رضي الله عنه ما اسمك؟ فقال مسروق بن الأجدع، فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (( الأجدع شيطان ) )أنت مسروق ابن عبد الرحمن، فأثبت اسمه في الدِّيوان بابن عبد الرحمن.
والأجدع كان أفرس فارس باليمن، هو ابن أخت عَمرو بن معدي كرب، اتُّفِقَ على جلالته وتوثيقه وإمامته، مات سنة ثلاث أو اثنتين وستين، روى له الجماعة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي الله عنهما، وقد مضى ذِكره. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة. ومنها أنَّ فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. ومنها أن رواته كلُّهم كوفيون إلا الصَّحابي، وقد دخل الكوفة أيضًا، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الجزية أيضًا [خ¦3178] ، وأخرجه مسلم في الإيمان، وأخرجه بقية الجماعة أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ
ج 1 ص 286
قَالَ أَرْبَعٌ) أي أربع خصالٍ، أو خصال أربع مبتدأ خبره قوله (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) من خلص الشيء يخلص من باب نصر، وكونه خالصًا فيه؛ لأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السرِّ والعلانيَّة لا تزيد على هذه الأربع.
وقال ابنُ بطَّال خالصًا معناه خالصًا في هذه الخصال الأربع المذكورة في هذا الحديث لا في غيرها.
وقال النَّووي أي شديد الشَّبه بالمنافقين بهذه الخصال، ووصفه بالخلوص يشد عضد من قال أنَّ المراد بالنِّفاق النِّفاق العملي لا الإيمان، أو النِّفاق العرفي دون الشَّرعي، إذ الخلوص بالمعنى المذكور لا يستلزمُ الكفر الملقى في الدَّرك الأسفل من النار.
(وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ) أي خلَّة _ بفتح الخاء فيهما _ (مِنْهُنَّ كَانَتْ) وفي نسخة (فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) أي يتركها (إِذَا اؤْتُمِنَ) شيئًا (خَانَ) بأن تصرَّف فيه على خلاف الشَّرع.
(وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) أي ترك الوفاء فيما عاهد عليه (وَإِذَا خَاصَمَ) أي جادل (فَجَرَ) من الفجور، وهي الميل عن القصد والشَّق؛ أي مال عن الحقِّ في خصومته، أو شَقَّ ستر الديانة.
قال النوويُّ في (( شرحه للصحيح ) )حصل من الحديثين أنَّ خصال المنافق خمس الثَّلاث السَّابقة في الأوَّل، والغدر في المعاهدةِ، والفجور في الخصومةِ فهي مُتغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللَّوازم، ووجه الحصر فيها أنَّ إظهار خلاف الباطن، أمَّا في الماليات فهو (( إذا اؤتمن ) )، وأمَّا في غيرها فهو إمَّا في حالة الكُدورة فهو (( إذا خاصم ) )، وأمَّا في حالة الصَّفاء فهو إمَّا مؤكد باليمين، فهو (( إذا عاهد ) )أوْ لا فهو إمَّا بالنظر إلى المستقبل فهو (( إذا وعد ) )، وأمَّا بالنظر إلى الحال فهو (( إذا حدث ) ).
قال محمود العيني الحقُّ أنَّ هذه الخمسة راجعة إلى الثَّلاث وإن كان بحسب الظَّاهر خمسًا؛ لأن قوله (( إذا عاهدَ غدر ) )داخل في قوله (( إذا ائتمن خان ) )، وقوله (( إذا خاصم فجر ) )يندرج في الكذب في الحديث، ووجه الحصر في الثلاث قد ذكر.
(تَابَعَهُ) أي سفيان الثوري (شُعْبَةُ) بن الحجاج في رواية هذا الحديث (عَنِ الأَعْمَشِ)
ج 1 ص 287
وقد وصل المؤلِّف رحمه الله هذه المتابعة في كتاب (( المظالم ) ) [خ¦2459] ، والمراد بالمتابعة هاهنا كون الحديث مرويًّا من طرق أخرى عن الأعمش منها رواية شعبة المشار إليها وهي هاهنا ناقصة؛ لأنها ذُكِرَت في وسط الإسناد لا في أوَّله وفائدتها التَّقوية.