4288 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ويُروى (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور، ويُروى منسوبًا، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هو ابنُ عبد الوارث بن سعيد، قال (حَدَّثَنَا) ويُروى (أَبِي) وفي رواية الأصيلي ليس فيه بعد قوله حدَّثنا عبد الصَّمد، وقيل [1] لا بدَّ منه. قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) أي السَّختياني (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى) أي امتنع (أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهَ الآلِهَةُ) أي الأصنام الَّتي يُسمِّيها المشركون بالآلهة (فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ) .
ووقع في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن سعد وأبي داود أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 277
أمر عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وهو بالبطحاءِ أن يأتي الكعبة، فيمحو كلَّ صورة فيها، فلم يدخلها حتَّى مُحيت الصُّور، وكان عمر رضي الله عنه هو الَّذي أخرجها.
وقال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهر أنَّه محا ما كان من الصُّور مدهونًا مثلًا، وأخرج ما كان مخروطًا.
وأمَّا ما تقدَّم في الحجِّ [خ¦1601] من حديث أسامة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخلَ الكعبة، فرأى صورةً فدعا بماءٍ فجعل يمحوها؛ فهو محمولٌ على أنَّه بقيت بقيَّة خفيت على من محاها أولًا.
وقد حكى ابن عائذ في «المغازي» عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أنَّ صورة عيسى وأمه عليهما السلام بقيتا حتَّى رآهما بعض من أسلم من نصارى غسان، فقال (( إنَّكما لبلاد غُربة ) )فلمَّا هدم ابن الزُّبير رضي الله عنهما البيت ذهبا فلم يبقَ لهما أثر.
وقال عمر بن شَبَّة في كتاب «مكة» حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن جُريج سأل سليمان بن موسى عطاء أأدركت في الكعبة تماثيل؟ قال نعم أدركتُ تماثيل مريم في حِجرها ابنها عيسى عليه السلام مُزوقًا، وكان ذلك في العمودِ الأوسط الَّذي يلي الباب، قال فمتى ذهب ذلك؟ قال في الحريق.
وفيه عن ابن جُريج أخبرني عمرو بن دينار أنَّه بلغه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بطمس الصور الَّتي كانت في البيت، وهذا سند صحيحٌ.
ومن طريق عبد الرَّحمن بن مهران عن عُمير مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن أسامة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فأمرني فأتيتُه بماءٍ في دلو فجعلَ يَبل الثوب، ويضربُ به على الصُّور، ويقول (( قاتلَ الله قومًا يُصورون ما لا يخلقون ) ).
(وَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي أَيْدِيهِمَا مِنَ الأَزْلاَمِ) جمع زلم، وهي السَّهام الَّتي كانوا يقتسمون بها الخير والشَّر، وتُسمَّى القداح المكتوب عليها الأمر والنَّهي افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وعاءٍ له، فإذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًا أدخل يده وأخرج منها زلمًا، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النَّهي كف عنه ولم يفعله.
(فَقَالَ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ) أي ما استقسم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالأزلامِ قط. وعند ابنِ أبي شيبة من حديث
ج 18 ص 278
جابر رضي الله عنه نحو حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه فأمرَ بها فكبت لوجوهها. وفيه نحو حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وزاد (( قاتلهُم الله ما كان إبراهيم يستقسمُ بالأزلام ) )ثمَّ دعا بزعفران فلطخَ بها تلك التَّماثيل.
والاستقسامُ طلبُ القِسم الَّذي قُسِم له وقُدِّر ممَّا لم يُقْسم ولم يُقدَّر، وهو استفعالٌ منه كانوا يفعلون بالأزلام مثل ما ذكر آنفًا.
وقال ابنُ الأثير كان على بعضِها مكتوبٌ أمرني ربِّي، وعلى الآخر نهاني [ربي] ، وعلى الآخر غُفْل، فإن خرجَ أمرني ربي مضى لشأنهِ، وإن خرجَ نهاني ربِّي أمسك، وإن خرجَ الغُفْل [عاد] أجالها، وضرب بها أخرى إلى أن يخرجَ الأمر أو النَّهي. انتهى.
والغُفْل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء وباللام، هو الَّذي لا يُرجى خيره ولا شره.
(ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ، وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) أي في البيت، وفي الحديث الَّذي يأتي (( صلى فيه ) ). ورواية المثبت مقدَّمة على رواية النافي.
وقد تقدَّم الكلام على من أثبت صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة، ومن نفاها في باب من كبر في نواحي الكعبة، من كتاب الحج [خ¦1601] .
وفي الحديث كراهية الصَّلاة في المكان الَّذي فيه الصُّور؛ لكونها مظنَّة الشِّرك، وكان غالب كُفرهم من جهة الصُّور.
ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ قدومه هذا مكة كان في سنة الفتح.
وقد مضى الحديث في كتاب أحاديث الأنبياء عليهم السلام، في باب قول الله تعالى {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء 125] [خ¦3351] .
(تَابَعَهُ) أي تابع عبد الصَّمد عن أبيه (مَعْمَرٌ) أي ابن راشد (عَنْ أَيُّوبَ) أي السَّختياني، ووصل هذه المتابعة أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن أيوب (قَالَ وُهَيْبٌ) مصغر وهب؛ أي ابن خالد العجلاني (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أشار بهذا إلى أنَّه رواه مرسلًا. ووقع في نسخة الصَّغاني بإثبات ابن عبَّاس رضي الله عنهما في التعليق عن وهيب. قال الحافظُ العسقلاني وهو خطأ، والرِّواية الموصولة مرجَّحة عند البخاري؛ لاتِّفاق عبد الوارث ومَعمر على ذلك عن أيوب، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل عسقلاني.