فهرس الكتاب

الصفحة 6238 من 11127

4321 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هو الأنصاري قاضي المدينة (عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ) بالمثلثة (ابْنِ أَفْلَحَ) بلفظ أفعل التَّفضيل مَدني مولى أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه، وثَّقه النَّسائي وغيره، وهو تابعيٌّ صغير. ولكن ذكرَه ابن حبَّان في أتباع التَّابعين، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث بهذا الإسناد، وحرف يحيى بن يحيى الأندلسي في روايته، فقال عَمرو بن كثير _ بفتح العين _، والصَّواب عُمر، بالضم.

(عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) هو نافع بن عبَّاس، معروف باسمه وكنيته (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) ويُقال مولى عقيلة بنت طَلْق، ويُقال عَبْلة بنت طَلْق (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) اسمه الحارثُ بن ربعي، وقيل غيره، أنَّه (قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ) بفتح الجيم وسكون الواو؛ أي حركة فيها اختلاط [1] ؛ أي تقدَّم وتأخَّر، وفي العبارة لطف حيث لم يقل هزيمة، وقد أطلقَ في رواية اللَّيث الآتية بعدها أنَّهم انهزموا. لكن بعد القصَّة الَّتي ذكرها أبو قتادة، وقد تقدَّم في حديث البراء [خ¦4315] أنَّ هذه الجولة كانت في بعضِ المسلمين لا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حواليهِ.

(فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ عَلاَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمهما. وقوله «علا» ؛ أي ظهر، وفي الرِّواية اللَّيثية بعدها (( نظرتُ إلى رجل من المسلمين يُقاتلُ رجلًا من المشركين، وآخرُ من المشركين يَخْتِلُه من ورائه ليقتُلَه ) )، ويتبيَّن من هذه الرِّواية أنَّ الضَّمير في قوله في الأولى «فضربته من ورائهِ» ؛ لهذا الثاني الَّذي كان يريد أن يَخْتِلَ المسلم.

ج 18 ص 329

(فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) العاتقُ موضعُ الرِّداء من المنكبِ، والحبل عصبُه، وعُرف منه أن قوله في الرِّواية الثانية (( فأضربُ يدَه فقطعتُها ) )أنَّ المراد باليد الذِّراع، والعضدُ إلى الكتف.

(فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ) أي الَّتي كان لابسها، وخَلَصت الضَّربة إلى يده فَقَطَعتْها (فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا) أي من تلك الضَّمة؛ أي من شدَّتها (رِيحَ الْمَوْتِ) وأشعر ذلك بأن هذا المشرك كان شديدَ القوَّة جدًا (ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي) أي أطلقني (فَلَحِقْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) في هذا السياق حذف بيَّنته الرِّواية الثانية حيث قال ثمَّ برك فتحلَّل ودفعته، ثمَّ قتلتُه، وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم فلحقتُ عمر رضي الله عنه (فَقُلْتُ مَا بَالُ النَّاسِ؟) أي ما حالهم وشأنهم (قَالَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي قال عمر رضي الله عنه حكم الله تعالى، وما قضى به، وارتفاعه على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي هذا الَّذي أصابهم أمر الله عزَّ وجلَّ.

(ثُمَّ رَجَعُوا) وفي الرِّواية الثانية (( ثمَّ تراجعوا ) )، وقد تقدَّم في الحديث الأوَّل [خ¦4315] كيفيَّة رُجوعهم وهزيمة المشركين بما يغني عن إعادته (وَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) أي مشرفًا على القتلِ فهو مجازٌ باعتبار المال. وقال الكرمانيُّ ويُحتمل أن يكون حقيقة بأن يُراد بالقتيل القتيل بهذا القتل لا بقتلٍ سابقٍ، كما قال المتكلِّمون في جواب المغالطة المشهورة، وهو أنَّ إيجادَ المعدوم محالٌ؛ لأنَّ الإيجاد إمَّا حال العدم فهو جمع بين النَّقيضين، وإمَّا حال الوجود، فهو تحصيلٌ للحاصلِ أن المراد إيجاد الموجود بهذا الوجود لا بوجودٍ سابق.

(لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ) أي ما معه من الثِّياب والأسلحة والمركب (فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي) زاد في الرِّواية الآتية (( فلم أر أحدًا يشهدُ لي ) ). وذكر الواقديُّ أنَّ عبد الله بن أُنيس شهدَ له، فإن كان ضبطه احتُمل أن يكون وجدهَا في المرَّة الثانية، فإن في الرِّواية الثَّانية (( فجلستُ ثمَّ بدا لي، فذكرتُ أمره ) ).

(ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ، قَالَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ويُروى

ج 18 ص 330

(فَقَالَ مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي) وفي الرِّواية الثانية (( فقال رجلٌ من جلسائه سلاح هذا الرجل الَّذي يذكر عندي ) ).

(فَأَرْضِهِ مِنِّي) كذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي الصِّديق رضي الله عنه (لاَهَا اللَّهِ إِذًا) قال الجوهريُّ ها للتَّنبيه، وقد يُقسم بها يُقال لاها الله ما فعلت كذا. قال ابنُ مالك فيه شاهدٌ على جواز الاستثناء عن واو القسم بحرف التَّنبيه. قال ولا يكون ذلك إلَّا مع الله؛ أي لم يسمع لاها الرَّحمن، كما سُمع لا والرَّحمن، قال وفي النُّطق بها أربعة أوجه

أحدها ها الله باللام بعد الهاء بغير إظهار شيءٍ من الألفين.

ثانيها مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم التقتْ حلقتَا البِطَان.

ثالثها لاها ألله بثبوت الألفين بهمزة قطع.

رابعها بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى كلامه.

قال الحافظُ العسقلاني والمشهورُ في الرِّواية من هذه الأوجه الثَّالث ثمَّ الأول، وقال أبو حاتم السِّجستاني العرب تقول لاهأ الله [ذا] ، بالهمز، والقياس ترك الهمز.

وحكى ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّه روي برفع الله، قال والمعنى يأبى الله، وقيل إنْ ثبتت الرِّواية بالرفع فيكون الهاء للتنبيه، والله مبتدأ، ولا يعمد خبره انتهى. ولا يخفى تكلفه.

وقد نقل الأئمة الاتِّفاق على الجرِّ فلا يُلتفت إلى غيره. وأمَّا إذًا فثبتَ في جميع الرِّوايات المعتمدة والأصول المصحَّحة من «الصَّحيحين» وغيرهما بكسر الهمزة وبالذال المعجمة المنونة.

وقال الخطَّابي هكذا يروونه، وإنما هو في كلامهم _ أي العرب _ لاها الله ذا؛ يعني بدون الهمزة في أوَّله والهاء فيه بمنزلة الواو، والمعنى لا والله يكون ذا.

ونقل القاضي عياض في «المشارق» عن إسماعيل القاضي أنَّ المازني قال قول الرُّواة لاها الله إذًا، خطأ، والصَّواب لاها الله ذا؛ أي ذا يميني وقسمي.

وقال أبو زيد ليس في كلامهم لاها الله إذًا، وإنما هو لاها الله ذا، وذا صلة في الكلام، والمعنى لا والله هذا ما أقسم به. ومنه أخذ الجوهريُّ فقال قولهم لاها الله ذا، معناه لا والله هذا، ففرَّقوا بين حرف التَّنبيه والصِّلة والتقدير لا والله ما فعلتُ ذا.

هذا وتوارد

ج 18 ص 331

كثيرٌ ممَّن تكلَّم على الحديث على أنَّ الَّذي وقع في الخبر بلفظ إذًا خطأ، وإنما هو ذا تبعًا لأهلِ العربية، ومن زعمَ أنَّه ورد في شيءٍ من الرِّوايات بخلاف ذلك فلم يُصبْ، بل يكون ذلك من إصلاحِ بعض من قلَّد أهل العربية في ذلك، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وقال أيضًا وقد اختُلف في كتابة إذًا هذه هل تُكتب بألف أو بنون، وهذا الخلافُ مبنيٌّ على أنَّها اسم أو حرف، فمن قال هي اسمٌ قال الأصل فيمن قيل له سأجيءُ إليك، فأجاب إذًا أُكرمك؛ أي إذا جئتني أُكرمُك، ثمَّ حذف جئتني وعوَّض عنها التنوين وأُضمرتْ أن، فعلى هذا يُكتب بالنون. ومن قال هي حرف وهم الجمهورُ اختلفوا، فمنهم من قال هي بسيطةٌ وهو الرَّاجح، ومنهم من قال مركَّبة من إذا وإن، فعلى الأول تُكتب بالألف وهو الرَّاجح، وبه وقع رسم المصاحف، وعلى الثاني تُكتب بنون.

واختلف في معناها فقال سيبويه معناها الجواب والجزاء، وتبعَه جماعةٌ فقالوا هي حرفُ جوابٍ يقتضي التَّعليل، وأفاد أبو عليٍّ الفارسي أنَّها قد تتمحَّض للجواب، وأكثرُ ما تجيءُ جوابًا للو وإن ظاهرًا أو مقدَّرًا، فعلى هذا لو ثبتتِ الرِّواية بلفظ «إذًا» لاختلَّ نظمُ الكلام؛ لأنَّه يصيرُ هكذا لا والله إذًا لا يعمد إلى أسد إلى آخره، وكان حقُّ السِّياق أن يُقال إذًا يعمد؛ أي لو أجابَك إلى ما طلبتَ لعمد إلى أسد. .. إلى آخره.

وقد ثبتتِ الرِّواية بلفظ لا يعمد. .. إلى آخره، فمن ثمَّة ادَّعى من ادَّعى أنَّها تغيير، ولكن قال ابنُ مالك وقع في الرِّواية إذًا بألف وتنوين وليس ببعيدٍ، وقال أبو البقاء هو بعيدٌ، ولكن يمكن أن يُوجَّه بأن التَّقدير لا والله لا يُعطى إذًا؛ يعني ويكون لا يعمد. .. إلى آخره تأكيدًا للنَّفي المذكور وموضِّحًا للسبب فيه.

وقال الطِّيبي ثبتَ في الرِّواية لاها الله إذًا، فحمله بعضُ النَّحويين على أنَّه من تغييرِ بعض الرُّواة؛ لأنَّ العرب لا تستعمل لاها الله بدون ذا، وإن سَلِم استعماله بدون ذا، فليس هذا موضع إذًا؛ لأنَّها حرفُ جزاء، والكلام هاهنا على نقيضِهِ، فإنَّ مقتضى الجزاء أن لا يذكر لا في قوله «لا يعمدُ» بل كان يقول إذًا يعمد إلى أسد. .. إلى آخره، ليصح جوابًا لطالب السَّلب.

ج 18 ص 332

قال والحديث صحيحٌ، والمعنى صحيحٌ، وهو كقولك لمن قال لك افعل كذا، فقلت له والله إذًا لا أفعل، فالتَّقدير والله إذًا لا يعمدُ إلى أسد ... إلى آخره. قال ويحتملُ أن تكون إذًا زائدة كما قال أبو البقاء إنَّها زائدة في قول الحماسي

~إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خَشِن

في جواب قوله

~لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إِبِلِي

قال والعجبُ ممَّن يعتني بشرح الحديث، ويُقدِّم نقل بعضِ الأدباء على أئمَّة الحديث وجهابذتهِ، وينسبونَ إليهم الخطأ والتَّصحيف، ولا أقول إنَّ جهابذة المحدِّثين أعدل [وأتقن] في النَّقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم بل أقولُ لا يجوزُ العدول عنهم في النَّقل إلى غيرهم، انتهى.

وقد سبقه إلى تقرير ما وقع في الرِّواية وردِّ ما خالفها الإمام أبو العبَّاس القرطبي في «المفهم» ، فنقل ما تقدَّم عن أئمة العربية، ثمَّ قال وقع في رواية العُذري والهَوزني في مسلم لاها الله ذا، بغير ألف ولا تنوين، وهو الَّذي جزمَ به من ذكرناه.

قال والَّذي يظهرُ لي أنَّ الرِّواية المشهورة صواب وليست بخطأ، وذلك أنَّ هذا الكلام وقعَ على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي الَّتي عوِّض بها عن واو القسم، وذلك أنَّ العرب تقول في القسم آلله لأفعلنَّ بمد الهمزة وبقصرها، فكأنَّهم عوضوا عن الهمزة هاء، فقالوا ها الله لتقاربِ مخرجهما، وكذلك قالوا ها، بالمد والقصر. وتحقيقه أن الَّذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطقَ بهمزتين أبدل من أحدهما ألفًا استثقالًا لاجتماعهما كما تقول آلله، والَّذي قصرَ كأنَّه نطقَ بهمزة واحدة، كما تقول الله.

وأمَّا إذًا فهي بلا شكٍّ حرف جواب وتعليل، وهى مثلُ الَّتي وقعت في قوله صلى الله عليه وسلم، وقد سُئل عن بيع الرطب بالتَّمر فقال (( أينقص الرطب إذا جفَّ ) )قالوا نعم قال (( فلا إذًا ) )فلو قال فلا والله إذًا، لكان مساويًا لما وقع هنا، وهو قوله لاها الله إذًا، من كلِّ وجهٍ لكنَّه لم يحتج هناك إلى القسم فتركه.

قال فقد وضح تقدير الكلام ومناسبته واستقامته معنى ووضعًا من غيرِ حاجةٍ إلى تكلُّف بعيد يخرج عن البلاغة، ولا سيَّما

ج 18 ص 333

من ارتكبَ أبعد وأفسدَ فجعل ها للتَّنبيه، وذا للإشارة وفصل بينهما بالمقسم به قال وليس هذا قياسًا مطَّردًا فيطَّرد ولا فصيحًا، فيُحملُ عليه الكلام النَّبوي ولا مرويًا بروايةٍ ثابتة، قال وما وجد للعَذَري وغيره، فإصلاح لمن اغترَّ بما حُكي عن أهل العربيَّة والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع.

قال الحافظُ العسقلاني وقال بعض من أدركناهُ وهو أبو جعفر الغرناطِي نزيل حلبٍ في حاشية نسخته من البخاريِّ، استرسلَ جماعة من القُدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلِّص منه أن اتهموا الأثبات بالتَّصحيف فقالوا والصَّواب لاها الله ذا، باسم الإشارة.

قال ويا عجبًا من قوم يقبلون التَّشكيك على الرِّوايات الثابتة، ويطلبونَ لها تأويلًا وجوابهم أنَّ ها الله لا يستلزمُ اسم الإشارة، كما قال ابنُ مالك.

وأما جعل «لا يعمد» جوابه «فأرضه» فهو سبب الغلط وليس بصحيحٍ ممَّن زعمَه، وإنما هو جوابُ شرطٍ مقدَّر يدلُّ عليه قوله «صِدْقُ فأَرْضِهِ» ، فكأنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال إذا صَدَق في أنَّه صاحبُ السَّلَب إذًا لا يعمد إلى السَّلب فيعطيك حقَّه، فالجزاءُ على هذا صحيحٌ؛ لأنَّ صدقه سبب أن لا يقصد [2] ذلك قال وهذا واضحٌ لا تكلُّف فيه، انتهى.

وقد ذكر الحافظ العسقلاني في هذا المقام مَقالًا طويلًا، ثمَّ قال وإنما أطلتُ في هذا الموضع لأنَّني منذ طلبتُ الحديث، ووقفت على كلام الخطَّابي وقعتْ عندي منه نفرةٌ للإقدام على تخطئة الرِّوايات الثابتة خصوصًا ما في «الصَّحيحين» فما زلت أتطلَّب المخلصَ من ذلك إلى أن ظفرتُ بما ذكرتُه فرأيت إثباته هاهنا، والله الموفق.

(لاَ يَعْمِدُ) أي لا يقصدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِلَى أَسَدٍ) أي إلى رجل كأنَّه أسد في الشَّجاعة (مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي عن دينِ الله ورسوله (فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ) أي فيأخذ حقَّه ويُعطيكَه بغير طيبة من نفسه، هكذا ضُبط للأكثر بالتحتانية في (( لا يعمد ) )وفي (( فيعطيكه ) ). وضبطه النَّووي بالنون فيهما، ثمَّ إضافة السَّلب إلى الرجل المشبَّه بالأسد باعتبار أنَّه حظه وحقُّه.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 18 ص 334

صَدَقَ) أي القائل، وهو أبو بكر رضي الله عنه (فَأَعْطِهِ) بصيغة الأمر للذي اعترف بأن السَّلب عنده (فَأَعْطَانِيهِ، فَابْتَعْتُ بِهِ) أي اشتريت بذلك السَّلب، وذكر الواقديُّ أنَّ الَّذي اشتراه منه حاطبُ بن أبي بلتعة، وأن َّالثَّمن كان سبع أواقي (مَخْرَفًا) بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة، ويجوز كسر الراء؛ أي بستانًا سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يُخترف منه التَّمر؛ أي يُجتنى، وذكر الواقديُّ أنَّ هذا البستان، كان يُقال له الودنيين. والمِخْرف _ بكسر الميم _ اسم الآلة الَّتي يجتني بها. وفي الرِّواية الآتية (( خِرَافًا ) )بكسر أوله وهو التّمر الَّذي يُخترف، وأطلقه على البستان مجازًا، فكأنَّه قال بستان خراف.

(فِي بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام، هم بطنٌ من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة (فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بالمثناة الفوقية وفتح الهمزة وتشديد المثلثة وضم المثناة الفوقية؛ أي اتَّخذته أصل المال واقتنيتُه، وأَثلة كلِّ شيء أصله، وفي رواية ابن إسحاق (( أول مالٍ اعتقدته ) )؛ أي جعلتُه عُقدةً، وأصله من العقد؛ لأنَّ من ملك شيئًا عقد عليه.

(فِي الإِسْلاَمِ) وفي الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ لأبي بكر رضي الله عنه، حيث اجتهدَ وحكم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصوَّبه. ووقع في «مسند أحمد» من حديث أنس رضي الله عنه أن الَّذي خاطب النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك عمر رضي الله عنه، أخرجه أحمدُ من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق بن أبي طلحة، عنه. ولفظه إنَّ هوازن جاءت يوم حُنين، فذكر القصَّة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ (( من قتلَ كافرًا فله سَلَبه ) )فقَتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة إني ضربت رجلًا على حبلِ العاتق وعليه درعٌ، فأعجلت عنه، فقام رجل فقال أخذتها فأَرْضِه منها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل شيئًا إلَّا أعطاهُ أو سكت، فسكت. فقال عمر رضي الله عنه والله لا يفيئها الله على أَسد من أسده ويُعطيكها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( صَدَق عمر ) ).

ج 18 ص 335

وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم بعضَ هذا الحديث وكذلك أبو داود، لكن الرَّاجح أنَّ الَّذي قال ذلك هو أبو بكر رضي الله عنه، كما رواه أبو قتادة، وهو صاحبُ القصَّة فهو أتقنُ لما وقع فيها من غيره. ويُحتملُ الجمع بأن يكون عمر رضي الله عنه أيضًا قال ذلك تقويةً لقول أبي بكر رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] في الفتح اختلاف.

[2] في الفتح (لا يفعل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت