فهرس الكتاب

الصفحة 6263 من 11127

4341 - 4342 - (حَدَّثَنَا مُوْسَى) هو ابنُ إسماعيل التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بالفتح، هو الوضَّاح اليشكري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) أي ابن عُمير (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة، واسمه عامر

ج 18 ص 386

بن أبي موسى، أنَّه (قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وهذا مرسلٌ وسيأتي من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى [خ¦4343] متصلًا.

(وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة، وهو لليمن كالريف للعراق؛ أي الرُّسْتاق، والمخاليف الرَّساتيق، والمراد الكورة [1] والإقليم.

(قال وَالْيَمَنُ مِخْلاَفَانِ) أي أرض اليمن كورتان، وكانت لمعاذ الجهة العُليا إلى صوب عدن، وكان من عمله الجَنَد _ بفتح الجيم والنون _، وله بها مسجد مشهورٌ إلى اليوم، وكانت جهة أبي موسى السُّفلى.

(ثُمَّ قَالَ يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا) قال الطِّيبي هو معنى الثاني من باب المقابلة المعنوية؛ لأنَّ الحقيقة أن يُقال بشِّرا ولا تنذِّرا، وآنسا [2] ولا تُنفِّرا، فجمع بينهما ليعمّ البشارة والنِّذارة والتَّأنيس والتَّنفير.

وقال الحافظُ العسقلاني ويظهرُ لي أن النُّكتة في الإتيان بلفظ البشارة وهو الأصل، وبلفظ التَّنفير وهو اللازم، وأتى بالَّذي بعدَه على العكس للإشارة إلى أنَّ الإنذار لا يُنفى مطلقًا؛ بخلاف التَّنفير، فاكتفى بما يلزم عن الإنذار وهو التَّنفير، فكأنَّه قيل إن أنذرتم فليكن بغير تنفيرٍ؛ كقوله تعالى {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه 44] .

(فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ) أي موضع عملهِ (وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا) كذا وقع في رواية الأكثرين «إذا سار في أرضه، وكان قريبًا أحدث به» ؛ أي جدَّد به العهد بزيارتهِ. ووقع في رواية سعيد بن أبي بُرْدة الآتية في الباب [خ¦4344] (( فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى ) )، وزاد في رواية حميد بن هلال [خ¦6923] (( فلمَّا قدم عليه ألقى له وسادةً قال انزل ) ). (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى، فَجَاءَ يَسِيرُ) حال من الضَّمير الَّذي في «فجاء» (عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ)

ج 18 ص 387

كلمة إذا للمفاجأة، وكذا «وإذا» الثاني (وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه، لكن في رواية سعيد بن أبي بُرْدة [خ¦4344] أنَّه يهودي، وسيأتي كذلك في رواية حُميد بن هلال في استتابة المرتدين [خ¦6923] مع شرح هذه القصَّة وبيان الاختلاف في مدِّة استتابة المرتدين.

(قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ) جملة «وقعت» صفة لرجل (فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَيُّمَ هَذَا) بفتح الهمزة وضم الياء المشددة وفتح الميم وأصله أي، الَّتي للاستفهام فزيدتْ عليه كلمة ما، فقيل أيما، وقد تسقطُ الألف للتَّخفيف فتصير أَيُّمَ، وقد تُخفف الياء، فيُقال أَيْمَ _ بفتح الهمزة وسكون الياء وفتح الميم _، وذلك كما يُقال أيش أصله أي شيءٍ هذا، فحذفت الألف من أيم، والهمزة من أيش.

وقال الحافظُ العسقلاني وقوله أيمَ، بفتح الميم وترك إشباعها لغة، وأخطأ من ضمها.

(قَالَ هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ، قَالَ لاَ أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَالَ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ) أي إنما جيء بالرجل المذكور للقتل (فَانْزِلْ، قَالَ مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ) أي فقال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما يا عبد الله، وهو اسمه كما مرَّ غير مرَّة (كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا) بالفاء والقاف؛ أي ألازم قراءته ليلًا ونهارًا شيئًا بعد شيءٍ وحينًا بعد حين؛ يعني لا أقرأ وردي دفعةً واحدةً بل هو كما يحلب اللّبن ساعة بعد ساعة، وأصله مأخوذُ من فَواق النَّاقة، وهو أن تُحلبَ ثمَّ تترك ساعة حتَّى تدر ثمَّ تُحلب هكذا دائمًا.

والحاصل أنَّه قال أتوقَّف مقدار فُواق وأشرع في القراءة، كذا حالي دائمًا.

(قَالَ فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي) بضم الجيم وسكون الزاي، وقال الدِّمياطي لعلَّه أربي وهو الوجه، قال الحافظُ العسقلاني وهو كما قال لو جاءت به الرِّواية، ولكن الَّذي جاء في الرِّواية صحيحٌ، والمراد به أنَّه جزَّأ اللَّيل أجزاء جزءًا للنَّوم، وجزءًا للقراءة، وجزءًا للقيام، فلا يُلتفت

ج 18 ص 388

إلى تخطئةِ الرِّواية الصَّحيحة الموجهة لمجرَّد التَّخيل.

(مِنَ النَّوْمِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي، فَأَحْتَسِبُ) كذا في رواية الكُشميهني بلفظ المضارع من الاحتساب، وفي رواية غيره بمثناة فوقية في آخره بلفظ الماضي (نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ) بالوجهين فيه أيضًا (قَوْمَتِي) النَّوْمة والقَوْمة _ بفتح أولهما وسكون ثانيهما _، والمعنى أطلب الثَّواب في حال النوم كما أطلبُه في حال [التعب] . أمَّا طلب الثَّواب في حال القيام والقراءة فظاهرٌ؛ لأنَّها حال التَّعب، وأمَّا في حال النوم الَّتي هي حال الراحة؛ فلأنَّ الراحة إذا قُصدَ بها الإعانة على العبادة من القراءة ونحوها حصلَ الثَّواب أيضًا.

تنبيه كان بَعْث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه إلى اليمن بعد الرَّجوع من غزوة تبوك؛ لأنَّه شهد غزوة تبوك مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي بيان ذلك في الكلام عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى [خ¦4415] .

واستُدلَّ به على أنَّ أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يولِّه النَّبي صلى الله عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوَّض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيتهِ بما وصَّاه به، ولذلك اعتمدَ عليه عمر، ثمَّ عثمان ثمَّ علي رضي الله عنهم.

وأمَّا الخوارج والرَّوافض فطعنوا فيه، ونسبُوه إلى الغفلةِ وعدم الفطنةِ لما صدر منه في التَّحكيم بصفِّين. قال ابنُ العربي وغيره الحقُّ أنَّه لم يصدر منه ما يقتضِي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أنَّ اجتهاده أداه إلى أن يجعلَ الأمر شورى بين من بقيَ من أكابر الصَّحابة من أهل بدرٍ ونحوهم رضي الله عنهم لما شاهد من الاختلاف الشَّديد بين الطَّائفتين بصفِّين، فآل الأمرُ إلى ما آل إليه.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

[1] في هامش الأصل الكورة الناحية والمدينة.

[2] في هامش الأصل في نسخة أو أنِّسًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت