4360 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس، قال (حدَّثَنِي مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنهما (أَنَّهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهته. ووقع في رواية عبادة بن الوليد بن عبادة (( سِيف البحر ) ). وذكر ابنُ سعد وغيره أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حيٍّ من جُهينة بالقَبَلية _ بفتح القاف والموحدة _، ممَّا يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وأنَّهم انصرفوا ولم يلقوا كيدًا، وأنَّ ذلك كان في شهر رجب سنة ثمان. وهذا لا يُعارض ما في «الصحيح» ؛ لأنَّه يُمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش، ويقصدون حيًا من جُهينة.
ويُقوِّي هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر رضي الله عنه قال بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا إلى أرض جُهينة، فذكر هذه القصَّة.
لكن تلقي عير قريش لا يُتصوَّر أن يكون في الوقت الذي ذكره ابنُ سعد في رجب سنة ثمان؛ لأنَّهم حينئذٍ كانوا في الهدنة. بل مُقتضى ما في «الصحيح» أن تكون هذه السرية في سنة ستٍّ أو قبلها قبل هدنة الحُديبية.
نعم. يُحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم من جُهينة، ولهذا لم يقع في شيءٍ من طرق الخبر أنَّهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنَّهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَّرَ) بتشديد الميم (عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية أبي حمزة الخولاني عن جابر رضي الله عنه عند ابنِ أبي عاصم في الأطعمة (( تأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). والمحفوظُ ما اتَّفقت عليه روايات «الصحيحين» أنَّه أبو عبيدة، وكأن أحد رواته
ج 18 ص 419
ظنَّ من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزاة ما صنع في نحر الإبل التي اشتراها أنَّه كان أمير السرية، وليس كذلك.
(وَهُمْ ثَلاَثُمِائَةٍ، فَخَرَجْنَا) فيه التفاتٌ من الغيبة إلى التَّكلم (وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمِعَ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) المِزْوَد _ بكسر الميم _ ما يُجعل فيه الزاد (فَكَانَ يَقُوتُنَا) من قاته يقوته، من الثُّلاثي المجرد. ويُروى بضم الياء وتشديد الواو، من التَّقويت، والقوت ما يقومُ به بدن الإنسان.
(كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا) ويُروى بدون الألف على اللغة الربعية [1] ، والمشهور (( قليلًا قليلًا ) )بالنصب (حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) ظاهر هذا السِّياق أنَّهم كان لهم زاد بطريقِ العموم، [وأزواد بطريق الخصوص، فلما فني الذي بطريق العموم] [2] واقتضى رأي أبي عُبيدة أن يجمعَ الذي بطريق الخُصوص؛ لقصد المواساة [3] بينهم في ذلك، ففعل، فكان جميعه مِزودًا واحدًا.
ووقع عند مسلم من رواية أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه بعثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأمَّر علينا أبا عبيدة، فتلقينا عيرًا لقريش وزَوّدنَا جِرابًا من تمرٍ لم يجدْ لنا غيره، فكان أبو عبيدة يُعطينا تمرةً تمرةً.
فظاهره مخالفٌ لرواية الباب. ويمكن الجمع بأنَّ الزَّاد العام كان قدرَ جِراب، فلمَّا نفذَ، وجمع أبو عبيدة الزَّاد الخاص اتَّفق أنَّه أيضًا كان قدر جِراب، ويكون كل من الرِّاويين ذكر ما لم يذكره الآخر، وأمَّا تفرقة ذلك تمرة تمرة فكانت في ثاني الحال.
وقد تقدَّم في الجهاد من طريق هشام بن عروة عن وهب بن كيسان في هذا الحديث [خ¦2983] خرجنا ونحن ثلاثمائة نحملُ زادنا على رقابنا، ففني زادنا حتَّى كان الرَّجل منَّا يأكلُ كلَّ يوم تمرة.
وأمَّا قول القاضي عياض يُحتمل أنَّه لم يكن في أزوادهم تمرٌ غير الجِراب المذكور، فمردودٌ؛ لأنَّ حديث الباب صريح في أنَّ الذي اجتمع من أزوادهم كان مِزود تمرٍ. ورواية أبي الزُّبير صريحة في أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم زوَّدهم جِرابًا من تمرٍ، فصحَّ أنَّ التَّمر كان معهم من غير الجِراب.
وأمَّا قول غيره يُحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرةً تمرةً كان من الجِراب النَّبوي قصدًا لبركته، وكان يُفرِّق عليهم
ج 18 ص 420
من الأزواد التي جُمعت أكثر من ذلك؛ فبعيد من ظاهر السِّياق. بل في رواية هشام بن عروة عند ابنِ عبد البر (( فقلَّت أزودُنا حتَّى ما كان يُصيب الرَّجل منا إلَّا تمرة ) ).
(فَقُلْتُ مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ) هذا صريح في أنَّ السائل عن ذلك هو وهبُ بن كيسان. فيُفسَّر به المبهم في رواية هشام بن عروة التي مضتْ في الجهاد [خ¦2983] ، فإن فيها فقال رجل يا أبا عبد الله _ وهي كنية جابر _ أين كانت تقعُ التَّمرة من الرَّجل. وعند مسلم من رواية أبي الزُّبير أنَّه أيضًا سألَ عن ذلك.
(فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ) أي وجدنا فقدهَا مؤثرًا، وفي رواية أبي الزُّبير (( فقلتُ كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصُّها كما يمصُّ الصَّبي، ثمَّ نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى اللَّيل ) ) (ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ) أي إلى ساحل البحر، وهو صريح الرِّواية الثانية، وفي رواية أبي الزُّبير (( فانطلقنا إلى ساحلِ البحر ) ) (فَإِذَا حُوتٌ) كلمة (( إذا ) )للمفاجأة، والحوت اسم جنسٍ لجميع السَّمك، وقيل هو مخصوصٌ بما عَظُم منها (مِثْلُ الظَّرِبِ) بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وآخره موحدة، الجبل الصغير، ووقع في بعض النُّسخ بالضاد المعجمة، حكاها ابن التِّين، والأوَّل أصوب. وقال القزَّار هو بسكون الراء إذا كان منبسطًا ليس بالعالي. وفي رواية أبي الزُّبير (( فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضَّخم، فأتيناه فإذا هي دابة تُدعى العنبر ) ).
(فَأَكَلَ مِنْهَا الْقَوْمُ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلاَعِهِ) الضِّلَع بكسر الضاد وفتح اللام (فَنُصِبَا) كذا فيه، واستشكل بأنَّ الضِّلع مؤنث، ويُجاب بأن تأنيثَه غير حقيقي، فيجوزُ تذكيره (ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا) وسيأتي اختلاف الرِّوايات في هذا الحديث إن شاء الله تعالى [خ¦4361] . وقد مرَّ الحديث في الشَّركة [خ¦2483] ، ومرَّ الكلام فيه هناك أيضًا.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] كذا في الكواكب الدراري، وفي العمدة (الربيعية) ولعله الصواب.
[2] ما بين معكوفين من الفتح.
[3] كذا في الأصل، ولعل الصواب المساواة. كما في الفتح