4361 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَمِائَةِ رَاكِبٍ) بالنصب بدل من قوله (( بعثنا ) ) (أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ) جملة اسميَّة وقعت حالًا بدون الواو كما في كلمته فوه إلى فيَّ.
ج 18 ص 421
(نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الخَبَطَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الجَيْشُ جَيْشَ الخَبَطِ) والخَبَط بفتح المعجمة والموحدة بعدها مهملة، هو ورقُ السَّلم، ويُقال خبطت الشَّجرة إذا ضربتها بالعصا ليسقط من ورقها. وفي رواية أبي الزُّبير (( وكنَّا نضربُ بعصيِّنا الخَبَط، ثمَّ نبله بالماء فنأكلُه ) )، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يابسًا بخلاف ما جزمَ به الدَّاودي أنَّه كان أخضرَ رطبًا، ووقع في رواية الخولاني (( وأصابتنا مخمصة ) ).
(فَأَلْقَى لَنَا البَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا العَنْبَرُ) وفي رواية الخولاني (( فهبطنَا ساحلَ البحر فإذا نحنُ بأعظم حوت ) ). قال أهل اللُّغة العنبرُ سمكةٌ كبيرةٌ يُتخذ من جلدهَا الترس، ويُقال إنَّ العنبر المشموم رجيع هذه الدَّابة. وقال ابنُ سينا بل المشموم يخرجُ من البحر، وإنما يوجد في أجواف السَّمكة التي تبتلعه. ونقل الماورديُّ عن الشَّافعي قال سمعتُ من يقول رأيتُ العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عُنُق الشَّاة وفي البحر دابَّة تأكلُه وهو سمٌّ لها، فيقتلها فيقذفها البحر فيخرجُ العنبر من بطنها.
وقال الأزهريُّ العنبر سمكة تكون بالبحرِ الأعظم يبلغُ طولها خمسين ذراعًا، يُقال لها بالة وليست بعربيَّة، ووقع في رواية ابن جُريج عن عَمرو بن دينار في أواخر الباب [خ¦4362] (( فألقى لنا البحرُ حوتًا ميتًا ) )واستدلَّ به على جواز أكل ميتة السَّمك، وسيأتي البحث فيه في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى [خ¦5493] .
(فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ) وفي الرِّواية السابقة ، وفي رواية أبي الزُّبير (( فأقمنَا عليها شهرًا ) )ويُجمعُ بين هذه الاختلافات بأن الذي قال «ثمان عشرة» ضبطَ ما لم يضبطْه غيره، وأن من قال «نصف شهر» ، ألغى الكسرَ الزَّائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال «شهرًا» جبر الكسر، أو ضم بقية المدَّة التي قبل وجدانهم الحوت إليها. ورجَّح النَّووي رواية أبي الزُّبير لما فيها من الزِّيادة.
وقال ابنُ التِّين إحدى الرِّوايتين وهم انتهى، ولعلَّ الجمع الذي ذكر أولى. ووقعُ في رواية للحاكم (( اثني عشر يومًا ) )وهي شاذَّة، وأشدُّ منها شذوذًا رواية الخولاني (( فأقمنا قبلها ثلاثًا ) ).
(وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ) بفتح الواو والدال المهملة؛ أي شحمه بل هو ما يتحلبُ من لحمهِ وشحمهِ،
ج 18 ص 422
وفي رواية أبي الزُّبير (( فلقد رأيتنا نغترفُ من وَقْب عينهِ بالقِلالِ الدُّهن ونقتطعُ منه الفِدَر كالثَّور ) ).
والوَقْبُ بفتح الواو وسكون القاف بعدها موحدة، هي النُّقرة التي تكون فيها الحدقة، ويُقال لها حفيرة العين، وأصله نقرة في الصَّخر يجتمعُ فيه الماء، والجمع وِقاب بكسر أوله.
والفِدَر _ بكسر الفاء وفتح الدال _ جمع فَدْرة _ بفتح ثمَّ سكون _ وهي القطعةُ من اللَّحم ومن غيره. وفي رواية الخولاني (( وحملنَا ما شئنا من قَدِيد ووَدَكٍ في الأَسْقية والغَرَائر ) ).
(حَتَّى ثَابَتْ) بالمثلثة؛ أي رجعت (إِلَيْنَا أَجْسَامُنَا) أي إلى ما كانت عليه من القوَّة والسِّمن (فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي .
قال الحافظُ العسقلاني وتبعه العينيُّ والصَّواب هو الأول لأنَّ في السِّياق قال سفيان مرَّة «ضلعًا من أعضائه» فدلَّ على أن الرِّواية الأولى «من أضلاعهِ» .
(فَنَصَبَهُ فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ، قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً ضِلَعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ فَنَصَبَهُ وَأَخَذَ رَجُلًا وَبَعِيرًا فَمَرَّ تَحْتَهُ) وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه عند ابن إسحاق (( ثمَّ أمر بأجسم بعيرٍ معنا فحملَ عليه أجسم رجلٍ منَّا فخرجَ من تحتها وما مسَّت رأسه ) )وهذا الرَّجل لم يدر اسمه.
قال الحافظُ العسقلاني وأظنُّه قيس بن سعد بن عبادة فإنَّ له ذكرًا في هذه الغزوة كما ستراهُ بعد [خ¦4361 م] ، وكان مشهورًا بالطُّول، وقصَّته في ذلك مع معاوية لمَّا أرسل إليه ملك الروم بسراويل معروفة، قد ذكرها المعافى الجريري في الجليس وأبو الفرج الأصبهاني وغيرهما.
ومحصلها أنَّ أطول رجل من الرُّوم نزع له قيس بن سعد سراويله، فكان طول قامة الرُّومي بحيث كان طرفها على أنفهِ وطرفها بالأرض، وعُوتب قيس في نزعِ سراويله في المجلس، فأنشد
~أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهَا سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ
~وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ سَرَاوِيلُ عَادِيٍّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
وزاد مسلم في رواية أبي الزُّبير (( فأخذَ أبو عبيدة ثلاثةَ عشر رجلًا فأقعدهُم في وَقْبِ عينه ) )، ووقع في آخر (( صحيح مسلم ) )من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم
ج 18 ص 423
فذكر حديثًا طويلًا وفي آخره وشكا النَّاس إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال عسى الله أن يُطعمكم، فأتينا سِيفَ البحر فزخرَ البحرُ زخرةً، فألقى دابَّة، فأورينا على شقِّها النَّار، فاطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا. قال جابر رضي الله عنه فدخلتُ أنا وفلان وفلان حتَّى عدَّ خمسة في حِجاج عينها ما يرانا أحدٌ حتَّى خرجنا فأخذنا ضلعًا من أضلاعها فقوسناهُ، ودعونا أعظمَ رجل في الركب، وأعظمَ جمل في الركب، وأعظم كِفلٍ في الركب، فدخل تحته ما يطأطأُ رأسه.
وظاهر سياقه أنَّ ذلك وقع له في غزوة لهم مع النَّبي صلى الله عليه وسلم لكن يمكن حمل قوله (( فأتينا سِيفَ البحر ) )على أنَّه معطوفٌ على شيءٍ محذوفٍ تقديره فبعثنا النَّبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأتينا. .. إلى آخره فيتَّحد مع القصَّة التي في حديث الباب.
(قَالَ جَابِرٌ وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ) أي عندما جاعوا، والجزائر جمع جزور، وهو البعير ذكرًا كان أو أنثى إلَّا أنَّ اللَّفظة مؤنثة تقول هي الجزورُ، وإن أردت ذكرًا، ووقع عند رواية الخَولاني (( سبع جزائر ) ) (ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ) .
(وَكَانَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (يَقُولُ أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ) هو ذكوان السَّمان (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لأَبِيهِ كُنْتُ فِي الْجَيْشِ فَجَاعُوا، قَالَ انْحَرْ) وهذا صورته مرسل؛ لأنَّ عَمرو بن دينار لم يُدرك زمان تحديث قيس لأبيه، كذا قال الحافظُ العسقلاني، وتبعه العينيُّ. والظَّاهر أن يُقال إنَّ أبا صالح لم يُدرك زمان قول قيس لأبيه. .. إلى آخره، لكنَّه في «مسند الحميدي» موصول أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريقه، ولفظه عن أبي صالح عن قيس بن سعد بن عبادة قال قلت لأبي وكنت في ذلك الجيش جيش الخَبَط، فأصاب النَّاس جوع قال لي انحر، قلت نحرتُ، فذكره، وفي آخره قلت نُهيت.
(قَالَ نَحَرْتُ، قَالَ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ انْحَرْ، قَالَ نَحَرْتُ، قَالَ ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ انْحَرْ، قَالَ نَحَرْتُ، ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ انْحَرْ. قَالَ نُهِيتُ) على صيغة المجهول، والنَّاهي هو أبو عبيدة. وذكر الواقديُّ بإسناد له حسن
ج 18 ص 424
أنَّ قيس بن سعد لما رأى ما بالنَّاس قال من يشتري مني تمرًا بالمدينة بجزر هنا؟ فقال له رجلٌ من جهينة من أنت؟ فانتسبَ له، فقال عرفتُ نسبك، فابتاعَ منه خمس جزائر بخمسة أوسق، وأشهد له نفرًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، فامتنعَ عمر رضي الله عنه؛ لكون قيس لا مالَ له. فقال الأعرابيُّ ما كان سعد ليُخْنى بابنه في أوسق من تمرٍ، فبلغ ذلك سعدًا فغضبَ، ووهب لقيس أربعة حَوَائط أقلُّها يجذُّ خمسين وسقًا. وزاد ابنُ خزيمة من طريق عَمرو بن الحارث عن عَمرو بن دينار قال في حديثه لمَّا قدموا ذكروا شأن قيس، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الجود من شيمةِ أهل ذلك البيت ) ).
وفي حديث الواقدي إنَّ أهل المدينة بلغَهم الجهد الذي أصابَ القوم، فقال سعدُ بن عبادة إن يك قيس كما أعرفُ فسينحر للقوم.