فهرس الكتاب

الصفحة 6301 من 11127

4372 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) أي المَقْبُري، واسم أبي سعيد كَيسان المدني، وقد مرَّ غير مرَّة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وأخرجه ابنُ إسحاق عن سعيد، فقال عن أبيه عن أبي هريرة، وهو من المزيدِ في متَّصل الأسانيد، فإنَّ اللَّيث موصوف بأنَّه أتقن النَّاس لحديث سعيد المَقْبُري، ويُحتمل أن يكون سعيد سمعَه من أبي هريرة، وكان أبوه قد حدَّثه به قبل، أو ثبَّته في شيءٍ منه فحدَّث به على الوجهين.

(قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا) أي فرسان خيل، وهذا ألطفُ المجازات وأحسنها (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة نجدٍ (فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) يعني أسروه وجاءوا به. وزعم سيفٌ في كتاب «الردة» له أنَّ الذي أخذَ ثمامة وأسره هو العبَّاس بن عبد المطَّلب، وفيه نظرٌ أيضًا؛ لأنَّ العبَّاس إنما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمان فتح مكَّة، وقصَّة ثُمامة تقتضِي أنَّها كانت قبل ذلك حيث اعتمرَ ثُمامة، ثمَّ رجعَ إلى بلاده ثمَّ منعهم أن يميروا أهل مكَّة، ثمَّ شكا أهلُ مكة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ثمَّ بعث يشفعُ فيهم عند ثُمامة.

(يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ) أي أيُّ شيءٍ عندك؟ وقال الحافظُ العسقلاني ويُحتملُ أن تكون «ما» استفهاميَّة و «ذا» موصولةٌ و «عندك» صلتُه؛ أي ما الَّذي استقرَّ في ظنِّك أن أفعلَه بك، انتهى.

قال العينيُّ وهذا يأتي على أوجه الأول أن تكون ما استفهامًا، وذا إشارة نحو ماذا الوقوف؟. الثاني أن تكون ما استفهامًا، وذا موصولة بدليل افتقارهِ إلى الجملة بعده. الثالث أن تكون «ماذا» كله استفهامًا على التركيب كقولك لماذا جئت؟ الرابع أن تكون ماذا كله اسم جنس بمعنى شيء، أو موصولًا بمعنى الذي. الخامس أن تكون ما زائدة وذا للإشارة. والسادس أن تكون ما استفهامًا وذا زائدة على خلاف فيه.

(قَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ) فأجاب بأنَّه ظنَّ خيرًا، فقال عندي خيرٌ يا محمَّد؛ يعني لستَ ممَّن يظلمُ بل أنت تعفو وتحسن

ج 18 ص 437

(إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) بالدال المهملة وتخفيف الميم عند الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني بالذال المعجمة وتشديد الميم.

وقال النَّووي معنى الأوَّل «إن تقتلْ تقتل ذا دمٍ» ؛ أي صاحب دمٍ لأجل دمهِ، فيشتفِي قاتلَه بقتلهِ، ويدرك ثأرهُ لرئاستهِ وعظمتهِ، ويُحتمل أن يكون المعنى أنَّه عليه دمٌ وهو مطلوبٌ به فلا لومَ عليك في قتلهِ، وأمَّا الرِّواية بالمعجمة فمعناها ذا ذِمَّة، وثبتَ كذلك في رواية أبي داود، وضعَّفها القاضي عياض بأنَّه يقلب المعنى؛ لأنَّه إذا كان ذا ذِمّة يمتنع قتله. قال النَّووي يمكن تصحيحُها بأن يُحملَ على الوجه الأوَّل، والمراد بالذِّمَّة الحرمة في قومه، وأوجه الجميع الوجه الثاني لأنَّه مشاكل لقوله

(وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ) وفعل الشَّرط إذا كُرِّر في الجزاء دلَّ على فخامة الأمر (وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ) وجميع ذلك تفصيل لقوله «عندي خير» (فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ) ويُروى (إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ) هكذا اقتصرَ في اليوم الثاني على أحدِ الشِّقين، وحذف الأمرين في اليوم الثَّالث. وفيه دليلٌ على حذقهِ، وذلك أنَّه قدم أوَّل يوم أشق الأمرين عليه، وأشفى الأمرين لصدر خُصومه وهو القتلُ، فلمَّا لم يقعِ اقتصرَ على ذكر الاستعطاف وطلب الإنعام في اليوم الثاني، فكأنَّه في اليوم الأوَّل رأى أمارات الغضب فقدّم ذكر القتل، فلمَّا لم يقتلْه طمعَ في العفو فاقتصرَ عليه، فلمَّا لم يعمل بشيء ممَّا قال اقتصرَ في اليوم الثالث على الإجمال تفويضًا إلى جميلِ خُلُقه صلى الله عليه وسلم.

وقد وافق ثُمامة في هذه المخاطبة قول عيسى عليه السَّلام {إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة 118] لأنَّ المقام يليقُ بذلك.

(فَتَرَكَهُ) ويُروى (حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، قَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) وفي رواية ابن إسحاق (( قال قد عفوتُ عنك يا ثُمامةُ وأعتقتُك ) )وزاد ابنُ إسحاق في روايته أنَّه لما كان في الأسرِ جمعوا ما كان

ج 18 ص 438

في أهلِ النَّبي صلى الله عليه وسلم من طعامٍ ولبنٍ فلم يقعْ ذلك من ثُمامة موقعًا فلمَّا أسلم جاءوه بالطَّعام فلم يُصبْ منه إلَّا قليلًا، فتعجَّبوا فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الكافرَ يأكلُ في سبعةِ أمعاء، وإنَّ المسلم يأكلُ في معاءٍ واحدٍ ) ).

(فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ) بالخاء المعجمة، وتقدَّم في كتاب الصَّلاة، في باب ربط الأسير في المسجد بلفظ [خ¦462] (( نجل ) )بالجيم، وهو الماء (قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ) أي فرسانك (أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بخيري الدُّنيا والآخرة، أو بالجنَّة، أو بمحو ذنوبهِ وتبعاتهِ السَّابقة (وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ صَبَوْتَ) أي ملتَ إلى دين غير دينك، وزاد ابنُ هشام قال بلغني أنَّه خرجَ مُعتمرًا حتَّى إذا كان ببطنِ مكة لبَّى، فكان أوَّل من دخلَ مكة يلبِّي فأخذته قريش، فقالوا لقد اجترأت علينا وأرادوا قتله، فقال قائل منهم دعوه فإنَّكم تحتاجون إلى الطَّعام من اليمامة وتركوه.

(قَالَ لاَ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كأنَّه قال ما خرجت من الدِّين؛ لأنَّ عبادة الأوثان ليست دينًا حتَّى إذا تركتها خرجت من دين [1] بل استحدثتُ دين الإسلام مع مُوافقة محمَّد صلى الله عليه وسلم على دينهِ فصرنا متصاحبين في دين الحقِّ الذي هو الإسلامُ أنا بالابتداء، وهو بالاستدامة. ووقعَ في رواية ابنِ هشام ولكن تبعت خير الدِّين دين محمَّد صلى الله عليه وسلم.

(وَلاَ وَاللَّهِ) فيه حذف تقديره والله لا أرجعُ إلى دينكم، ولا أرفق بكم فأترك الميرةَ تأتيكم من اليمامة(لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ

ج 18 ص 439

حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أي إلى أن يأذنَ فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم، وزاد ابن هشام (( ثمَّ خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكَّة شيئًا، فكتبوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّك تأمرُ بصلة الرَّحم، فكتب إلى ثمامة أن يُخلِّي بينهم وبين الحمل إليهم ) ).

وفي قصَّة ثُمامة من الفوائد ربط الكافر في المسجد، والمَنّ على الأسير الكافرِ، وتعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأنَّ ثُمامة أقسم أنَّ بُغضَه انقلبَ حبًّا في ساعة واحدةٍ لما أسداهُ النَّبي صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمنِّ بغير مقابل، وفيه الاغتسال عند الإسلام، وأنَّ الإحسان يُزيلُ البغضَ ويُثبِّت الحب، وأنَّ الكافر إذا أراد عملَ خير، ثمَّ أسلمَ شرعَ له أن يستمرَّ في عمل ذلك الخير، وفيه الملاطفةُ بمن يُرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مَصْلحة للإسلام، ولا سيَّما من يتبعه على إسلامهِ العدد الكثير من قومه. وفيه بعثُ السَّرايا إلى بلاد الكفَّار وأسر من وُجِد منهم، والتَّخيير بعد ذلك في قتلهِ أو الإبقاء عليه.

ومطابقة الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة، وقد مرَّ الحديث مختصرًا في كتاب الصَّلاة، في باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير في المسجد أيضًا [خ¦462] .

[1] في هامش الأصل في نسخة أكون خارجًا من دين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت