فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 11127

377 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ) وقد سقط في رواية (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (قَالَ سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، الساعدي آخر من مات من الصحابة بالمدينة.

ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومكي ومدني، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه أيضًا.

(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ) أي من أي عود (الْمِنْبَرُ) النبوي المدني؟ وفي رواية أبي داود (( إنَّ رجالًا أتوا سهلَ بنَ سعدٍ الساعدي وقد امتروا في المنبر ممَّ عودُه ) )أي وقد شكوا في منبر النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء كان عوده.

(فَقَالَ) أي سهل رضي الله عنه (مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ) أي في الناس، ويروى كذلك عن الكشميهني، وفي رواية (أَعْلَمُ مِنِّي) بذلك (هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابِة) الغابة بالغين المعجمة والباء الموحدة، أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل النبي صلى الله عليه وسلم تقيم بها للمرعى، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه صلى الله عليه وسلم، وقال ياقوت بينها وبين المدينة أربعة أميال.

وقال البكري هما غابتان عليا وسفلى، وقال الزمخشري الغابة بريد من المدينة من طريق الشام.

قال الواقدي وفيها صنع المنبر، وفي (( الجامع ) )كل شجرة ملتف فهو غابة.

وفي (( المحكم ) )الغابة الأجمة التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة.

وقال أبو حنيفة هي أجمة القصب، قال وقد جعلت

ج 3 ص 107

جماعة الشجر غابًا مأخوذ من الغيابة، والجمع غابات وغاب.

وأما الأثل _ بالتحريك الطَرْفاء _ بفتح الطاء المهملة وسكون الراء ممدودة شجر من شجر البادية، واحدها طَرفة _ بفتح الطاء _ مثل قصبة وقصباء. وقال سيبويه الطرفاء واحد وجمع، وفي رواية أبي داود (( من طرفاء الغابة ) ). وقال ابن سيده الأثل يشبه الطرفاء إلَّا أنه أعظم منه.

وقال أبو زياد من العِضاه أثلٌ وهو طوال في السماء ليس له ورق يثبت مستقيم الخشب وخشبه جيد يحمل إلى القرى فيبتنى عليه بيوت المدر، وورقه هدب دقاق وليس له شوك، ومنه يصنع القصاع والأواني الصغار والكبار والمكابل والأبواب وهو النضار، وقال أبو عمرو هو أجود الخشب للآنية، وأجود النضار الورسي لصفرته، ومنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم نضار، وفي (( الواعي ) )الأثلة حمضة مثل الأشنان ولها حب مثل حب التنوم، ولا ورق لها، وإنَّما هي أشنانة يغسل بها القصارون غير أنَّها ألين من الأشنان.

والتَّنُّوْم _ بفتح المثناة الفوقية وضم النون المشددة وبعدها الواو الساكنة وميم _، نوع من نبات الأرض فيه وفي ثمره سواد قليل.

وقال القزاز الأثل ضرب من الشجر يشبه الطرفاء، وليس به وهو أجود عود، ومنه يصنع قداح الميسر.

(عَمَلَهُ) أي المنبر (فُلانٌ) بالتنوين كناية عن علم المذكر (مَولَى فُلانَةْ) وهي كناية عن علم المؤنث غير منصرف للعلمية والتأنيث، واختلفوا في اسم فلان الذي هو نجار منبره صلى الله عليه وسلم.

ففي كتاب (( الصحابة ) )لابن الأمين الطليطي إنَّ اسم هذا النجار قبيصة المخزومي، ويقال ميمون، روى أبو سعد في (( شرف المصطفى ) )من طريق ابن لهيعة عن عمارة بن غزية، عن عباس بن سهل عن أبيه قال كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون، فذكر قصة المنبر. وقيل هو صالح مولى ابن عباس بن عبد المطلب.

وقال ابن بشكوال وقيل مِينا _ بكسر الميم _، وقيل إبراهيم، وقيل باقوم بالميم أو باقول باللام.

وقال ابن الأثير كان روميًا غلامًا لسعيد بن العاص، مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن التين عَمَلَهُ غلام لسعد بن عبادة فيحتمل أن يكون في الأصل مولى امرأته ونسب إليه مجازًا، واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم وهي ابنة عمه، أسلمت وبايعت، فيحتمل أن تكون هي المرادة في الحديث.

وقال أبو داود ثنا الحسن بن علي قال ثنا

ج 3 ص 108

إبراهيم بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بدن قال له تميم الداري ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك؟ قال بلى، فاتخذ له منبرًا مَرقاتين.

وفي (( طبقات ابن سعد ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائمًا فقال إن القيام شق علي، فقال تميم الداري ألا أعمل لك منبرًا كما رأيته بالشام؟ فشاور النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب إنَّ لي غلامًا يقال له كلاب يعمل للناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( مره أن يعمله ) )فعمله درجتين ومقعدًا ثم جاء به فوضعه في موضعه.

وعند ابن سعد أيضًا بسند صحيح أنَّ الصحابة قالوا يا رسول الله إنَّ الناس قد كثروا فلوا اتخذت شيئًا تقوم عليه إذا خطبت، فقال (( ما شئتم ) )قال سهل ولم يكن بالمدينة إلَّا نجار واحد فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابتين فقطعت هذا المنبر من أثلة، وفي لفظ وحمل سهل منهن خشبة.

ويحتمل أن يكون اشتركوا كلهم في عمله، وأمَّا فلانة في قوله «مولى فلانة» فلم يعرف اسمها ولكنها أنصارية.

ووقع في (( الذيل ) )لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنَّه قال في أسماء النساء من الصحابة عَلاثة _ بالعين المهملة وبالثاء المثلثة _، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمان عن أبي حازم وقال فيه أرسل إلى علاثة امرأة قد سمَّاها سهل ثم قال أبو موسى صحف فيه جعفر أو شيخه وإنَّما هو فلانة.

وقال الكرماني قيل في «فلانة» اسمها عائشة الأنصارية.

وقال الحافظ العسقلاني وأظنُّه صحف المصحف ثم قال ثم وجدت في (( الأوسط ) )للطبراني من حديث جابر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سارية في المسجد ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فَأُمرت عائشة فصنعت له منبره هذا، فذكر الحديثَ، وإسناده ضعيف، ولو صح لما دل أيضًا على أنَّ عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلاَّ بتعسف. انتهى.

وجاء في رواية في الصحيح أرسل؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم إلى فلانة سمَّاها سهل مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلمت الناس فأمرته فوضعت هاهنا، وعن جابر أنَّ امرأة

ج 3 ص 109

قالت يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه فإن لي غلامًا نجارًا الحديثَ.

وفي (( الإكليل ) )للحاكم عن بريد بن رومان كان المنبر ثلاث درجات فزاد به معاوية، لعلَّه قال جعله ست درجات وحوَّله عن مكانه فكسفت الشمس يومئذ.

قال الحاكم وقد أُحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورُدَّ منبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المكان الذي وضعه فيه.

وفي (( الطبقات ) )كان بينه وبين الحائط ممر الشاة.

وفي (( الإكليل ) )أيضًا من حديث المبارك بن فضالة عن الحسين عن أنس رضي الله عنه لما كثر الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم (( ابنوا لي منبرًا ) )فبنوا له عتبتين، وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر «مَرقاتين» وهي تثنية مرقاة وهي الدرجة.

فإن قيل ورد في الصحيح ثلاث درجات فما التوفيق بينهما؟.

فالجواب أنَّ الذي قال مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها والذي روى ثلاثًا اعتبرها.

(لِرَسُولِ اللهِ) أي لأجله (صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عَليهِ) وفي رواية أي على المنبر (رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ) على البناء للمفعول فيهما (فَاسْتَقْبَلَ) صلى الله عليه وسلم (الْقِبْلَةَ، كَبَّرَ) بغير واو جواب عن سؤال كأنه قيل ما فعل بعد الاستقبال فقال كبر، وفي بعض الأصول بالواو وفي بعضها بالفاء.

(وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى) أي رجع إلى ورائه؛ أي رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأنَّ القهقرى ضرب من الرجوع؛ فيكون انتصابه على أنَّه مفعول مطلق، لكنه من غير لفظه، كما تقول قعدت جلوسًا، وإنَّما فعل ذلك لئلَّا يولي ظهره القبلة.

(فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ) وإنما قال أولًا على الأرض ثم بالأرض؛ لأنَّه لاحظ أولًا معنى الاستعلاء، وثانيًا معنى الإلصاق تفننًا، وفي الحديث الدلالة على ما ترجم له وهي الصلاة على المنبر.

وقد علَّل صلى الله عليه وسلم صلاته على المنبر وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلَّا لحاجة كمثل هذا

ج 3 ص 110

فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد والليث، وعن مالك المنع، وبه قال الأوزاعي.

وحكى ابن حزم عن أبي حنيفة المنع وهو غير صحيح، بل مذهبه الجواز مع الكراهة، وقد مرَّ الكلام فيه، وعن أصحابنا عن أبي حنيفة جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامته.

وعن مالك يجوز في الارتفاع اليسير.

وقال بعض الشافعية لو كان الإمام على رأس منارة المسجد، والمأموم في قعر بئرٍ صحَّ الاقتداء.

وفيه أيضًا أنَّ المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها، فقال صاحب (( المحيط ) )المشي في الصلاة خطوة لا يفسدها، وخطوتين أو أكثر تبطلها، فعلى هذا كان ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول إذا كان لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ولا يكره أيضًا؛ كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده فإنَّ له أن يجذب واحدًا من الصف إليه ويصطفان، فإنَّ المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين.

وقال الخطابي فيه أنَّ العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر ثلاث مراقي، ولعله إنما قام على الثانية منها فليس في نزوله وصعوده إلا خطوتان.

وفيه استحباب اتخاذ المنبر وكون الخطيب على مرتفع أو غيره. وفيه تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، وأنَّه لا يقدح ذلك في صلاته وليس من باب التشريك في العبادة بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم. وفيه أنَّ العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه.

وفيه بيان جواز الصلاة على الخشب، وكره ذلك الحسن وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما. وأخرج أيضًا عن ابن مسعود وابن عمر نحوه.

وعن مسروق أنَّه كان يحمل لبنة ليسجد عليها إذا ركب السفينة، وعن ابن سيرين نحوه، والقول بالجواز هو المعتمد.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه رحمه الله (قَالَ ابن عَبْدِ اللَّهِ) وفي رواية < (قال علي بن المديني) > وهو شيخ البخاري رحمه الله (سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو الإمام الجليل المشهورة آثاره في الإسلام، المذكورة مقاماته في الدين.

قال ابن راهويه هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين.

(رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ) أي أحمد بن حنبل، وفي رواية بالفاء (فَإِنَّمَا) وفي رواية (أَرَدْتُ) بتاء الخطاب (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ، فَلاَ بَأْسَ) وفي رواية(أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ

ج 3 ص 111

أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ)أي بدلالة هذا الحديث.

(قَالَ) أي علي بن المديني (فَقُلْتُ) لأحمد بن حنبل، وفي رواية بدون الفاء (إِنَّ) وفي رواية (سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ) على البناء للمفعول (عَنْ هَذَا) الحديث (كَثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ) أي أفلم تسمعه يا أحمد من ابن عيينة؟ ففيه معنى الاستفهام بدليل قوله

(قَالَ) أحمد بن حنبل (لاَ) وهو صريح في أنَّ أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة، ثم إنَّ المنفي هو جمع الحديث؛ لأنَّه صريح في ذلك ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على ذلك أنَّ أحمد قد أخرج في (( مسنده ) )عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل. كان المنبر من أثل الغابة فقط.

ثم إنَّ قوله < (( قال أبو عبد الله ) )إلى آخر قوله> سقط عند ابن عساكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت