378 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) البغدادي الحافظ المعروف بصاعقة، وقد مر في باب غسل الوجه واليدين [خ¦140] (قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) من الزيادة، الواسطيُّ، وقد مر في باب التبرز في البيوت [خ¦149] وغيره [خ¦181] [خ¦662] [خ¦847] .
(قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) مصغرٌ (الطَّوِيلُ) مُكبَّر (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين بغدادي وواسطي وبصري.
وقد أخرج متنه المؤلف في المظالم [خ¦2469] والنذور [خ¦6684] والنكاح [خ¦5201] والصوم [خ¦1911] والطلاق أيضًا [خ¦5289] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه في «الصلاة» أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَقَطَ عَنْ فَرَسٍ) وفي رواية ، وفي رواية أبي داود ومعناه سقط أيضًا، وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.
(فَجُحِشَتْ سَاقُهُ) بضم الجيم وكسر المهملة بعدها شين معجمة، من الجحش وهو سَجْح الجلد، وهو الخدش يقال جحشه يجحشه جحشًا خدشه، وقيل أي أصابه شيء كالخدش أو هو أكثر من الخدش وأشد منه قليلًا.
وقال الخطابي معناه أنَّه قد انسجح جلده، وقد يكون ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك السقوط مع الخدش رض في الأعضاء وتوجع فلذلك منعه القيام إلى الصلاة.
(أَوْ) جحشت (كَتِفُهُ) على الشك من الراوي ويروى بالواو الواصلة، وفي رواية للبخاري [خ¦689] ومسلم (( فجحش شقه الأيمن ) )وهو أشمل ممَّا قبله، وفي لفظ عند أحمد عن حميد عن أنس بسند صحيح (( انفلت قدمه ) ).
ج 3 ص 112
(وَآلَى) من الإيلاء (مِنْ نِسَائِهِ) أي حلف أن لا يدخل عليهنَّ (شَهْرًا) وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء؛ وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر أو أكثر، وعند مالك والشافعي وأحمد لابد من أكثر، والمولى من لا يمكنه قربان امرأته إلَّا بشيء يلزمه، فإن وطئها في المدة كَفَّر؛ لأنَّه حنث في يمينه وسقط الإيلاء وإلَّا بانت بتطليقة واحدة، وكان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية فغيَّر الشرعُ حكمه، ويأتي حكمه في بابه إن شاء الله تعالى.
والإيلاء على وزن أفعال هو الحلف يقال آلى يولى وتألى تأليًا، والآلية اليمين والجمع ألايا كعطية وعطايا، وإنما عدى آلى بكلمة «من» مع أنَّه يتعدى بكلمة «على» ؛ لأنَّه ضُمِّنَ معنى البعد، ويجوز أن يكون من للتعليل مع أنَّ الأصل أن يكون للابتداء؛ أي آلى بسبب نسائه ومن أجلهن.
(فَجَلَسَ) صلى الله عليه وسلم (فِي مَشْربَةٍ) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها؛ أي في غرفة، ويقال هي أعلى البيت شبه الغرفة، وقيل الخزانة وهي بمنزلة السطح لما تحتها.
(لَهُ) أي للنبي صلى الله عليه وسلم (دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ) وفي رواية بالتنوين جمع جِذْع _ بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة _، ويقال في جمعه أجذاع أيضًا.
قال ابن دريد وقال الأزهري في (( التهذيب ) )ولا يتبيَّن للنخلة جذع حتى يتبيَّن ساقها، وفي (( المحكم ) )الجذع ساق النخلة.
(فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ) بالدال المهملة (فَصَلَّى بِهِمْ) حال كونه (جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ) جمع قائم، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ولم يجمع لاعتبار مصدريته في الأصل (فَلَمَّا سَلَّمَ) وفرغ من الصلاة.
(قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي ليُقتدى به ويُتَّبعَ في أفعاله، وكلمة إنَّما للحصر لأجل الاهتمام والمبالغة (فَإِذَا كَبَّرَ) الإمام (فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) قد اقتضت الفاء التعقيبية مشروعية متابعة المأموم للإمام في الأفعال (وَإِنْ) وفي رواية (صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) مفهومه إن صلى قاعدًا يصلي المأموم قاعدًا، وهو غير جائز ولا يعمل به؛ لأنَّه منسوخ لما ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم في آخر عمره صلى قاعدًا، وصلى القوم قائمين.
فإن قيل جاء في بعض الروايات فإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا.
فالجواب أنَّ معناه فصلوا قعودًا إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام، فهو من باب التخصيص، على أنَّه منسوخ كما ذكرنا وسيجيء تفصيله.
(وَنَزَلَ) صلى الله عليه وسلم من المشربة (لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) يومًا (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الشَّهْرَ)
ج 3 ص 113
المحلوف عليه (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) يومًا، وفي رواية .
ومن فوائد هذا الحديث جواز الصلاة على السطح وعلى الخشب؛ لأنَّ المشربة بمنزلة السطح لما تحتها والصلاة فيها كالصلاة على السطح ولما كان درجها من جذوع النخل فتكون هي معمولة من الخشب على ما قاله ابن بطال.
ولكن تُعقِّبَ بأنَّه لا يلزم من كون درجها من خشب أن تكون كلها خشبًا، فالظاهر أنَّ الغرض من إيراد هذا الحديث بيان جواز الصلاة على السطح؛ إذ هي سقف في الجملة.
ومنها أنَّ فيه مشروعية اليمين؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم آلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا. ومنها أنَّ الشهر لا يأتي كاملًا دائمًا وأن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا وجاء الشهر تسعًا وعشرين يومًا يخرج عن يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يومًا لم يلزمه أكثر من ذلك، وإذا قال لله علي صوم شهر من غير تعيين كان عليه إكمال ثلاثين يومًا.
ومنها ما احتج به أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل الحديث أن الإمام إذا صلى قاعدًا يصلي من خلفه قعودًا.
وقال مالك لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد [1] إلا قائمًا، وقال المرغيناني الفرض والنفل سواء.
والجواب عن الحديث من وجوه
الأول أنَّه منسوخ، وناسخه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في مرض موته قاعدًا وهم قيام، وأبو بكر رضي الله عنه قائم يُعِلمُهُم بأفعال صلاته بناء على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام، وأن أبا بكر كان مأمومًا في تلك الصلاة.
فإن قيل كيف وجه هذا النسخ وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أنَّ هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إمامًا وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنسائي عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنه قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبا بكر قاعدًا. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
وأخرج النسائي أيضًا عن حميد عن أنس قال آخر صلاة صلَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم صلاة صلاها في ثوب واحد متوشحًا به خلف أبي بكر رضي الله عنه.
فالجواب أنَّ مثل هذا لا يعارض
ج 3 ص 114
ما وقع في الصحيح، مع أنَّ العلماء جمعوا بينهما فقال البيهقي في (( كتاب المعرفة ) )ولا تعارض بين الحديثين؛ فإنَّ الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها عليه الصلاة والسلام حتى خرج من الدنيا، قال وهذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الإثنين، وكشفه صلى الله عليه وسلم الستر ثم إرخائه فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنَّه عليه الصلاة والسلام وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية.
وقال القاضي عياض نَسْخُ إمامة القاعد بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يؤمنَّ أحدٌ بعدي جالسًا ) )وبفعل الخلفاء بعده، وأنَّه لم يؤم أحد منهم قاعدًا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن مثابرتهم [2] على ذلك يشهد بصحة نهيه صلى الله عليه وسلم عن إمامة القاعد بعده.
وقال محمود العيني هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في (( سننيهما ) )عن جابر الجعفي عن الشعبي.
وقال الدارقطني لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
وقال عبد الحق في (( أحكامه ) )ورواه عن الجعفي مجالد وهو أيضًا ضعيف.
الثاني أنه كان مخصوصًا به صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر؛ لأنَّ الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل كما عرف في الأصول.
الثالث أنَّه يحمل قوله (( فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا ) )على أنَّه إذا كان الإمام في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا معناه إذا كان الإمام في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك الأمر في قوله (( فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ) ).
ولقائل أن يقول لا يقوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور أنَّه عليه الصلاة والسلام صلى جالسًا والناس خلفه قيام بل ولا يصلح؛ لأنَّه يجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائمًا ثم قعد لعذر ويجعلون هذا منه سيما وقد ورد في بعض طرق الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر رضي الله عنه. رواه الدارقطني في (( سننه ) ).
فإن قيل قال ابن القطان في كتابه (( الوهم والإيهام ) )وهي رواية مرسلة فإنَّها ليست
ج 3 ص 115
من رواية ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما رواها ابن عباس عن أبيه العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك رواه البزار في (( مسنده ) )بسند فيه قيس بن الربيع وهو ضعيف، ثم ذكر له مثالب في دينه، قال وكان ابن عباس رضي الله عنهما كثيرًا ما يرسل. انتهى.
وقال محمود العيني رواه ابن ماجه من غير طريق قيس فقال ثنا علي بن محمد ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس رضي الله عنهما لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره إلى أن قال قال ابن عباس وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر رضي الله عنه.
وقال الخطابي وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، ولم يذكر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر الأمرين من فعله صلى الله عليه وسلم، ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر الحديث في بابه، ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل ذكر هذه القصة وهي من أمهات السنن، وإليه ذهب أكثر الفقهاء. انتهى.
وقال محمود العيني يحتمل أن يكون تركها سهرًا أو غفلة أو يكون رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه الإمام أحمد فلذلك لم يذكر ما ينقضه، والله أعلم.
ومنها أنَّ في قوله (( إنَّما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به ) )دليلًا على وجوب المتابعة للإمام في الأفعال حتى في الموقف والنية.
وقال الشافعي وطائفة لا يضر اختلاف النية وجعل الحديث مخصوصًا بالأفعال الظاهرة، وقال أبو حنيفة ومالك يضر اختلافها وجعلا اختلاف النيات داخلًا تحت الحصر في الحديث.
وقال مالك لا يضر الاختلاف بالهيئة بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عامًا في ما عدا ذلك.
ومنها أنَّ أبا حنيفة رحمه الله احتج بقوله (( فكبروا ) )على أنَّ المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام لا يتقدم ولا يتأخر عنه؛ لأنَّ الفاء للحال.
وقال أبو يوسف ومحمد الأفضل أن يكبر بعد فراغ الإمام من التكبير؛ لأنَّ الفاء للتعقيب وإن كبر مع الإمام أجزأه عند محمد رواية واحدة، وقد أساء، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية لا يصير
ج 3 ص 116
شارعًا.
ثم إنَّه ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع والبعدية على قولهما ألفُ الله براء أكبر. وقال شيخ الإسلام خواهر زاده قول أبي حنيفة أدق وأجود وقولهما أرفق وأحوط، وقول الشافعي كقولهما.
وقال الماوردي إن شرع في تكبيرة الإحرام قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته، ويركع بعد شروع الإمام في الركوع فإن قارنه أو سابقه فقد أساء ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور.
ومنها أنَّ الفاء في قوله (( فاركعوا ) )وفي قوله (( فاسجدوا ) )تدل على التعقيب، ويدل على أنَّ المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود حتى إذا سبقه فيهما ولم يلحقه الإمام فسدت صلاته. ومنها أنَّ فيه استحباب العيادة عند حصول الخدشة ونحوها. ومنها أن فيه جواز الصلاة جالسًا عند الفجر، والله أعلم.
[1] (( من قوله لا قائمًا. .. إلى قوله خلف القاعد ) )ليس في (خ) .
[2] في هامش الأصل المثابرة على الأمر المواظبة عليه. منه.