فهرس الكتاب
4402 - 4403 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) قال (أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ) قال (حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه(قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ
ج 18 ص 478
بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا)وفي رواية أبي عاصم عن عمر بن محمَّد عند الإسماعيلي (( كنَّا نسمع بحجَّة الوداع ) ).
(وَلاَ نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ) كأنَّه شيء ذكره النَّبي صلى الله عليه وسلم فتحدَّثوا به، وما فهموا المراد بالوداع هل هو وداعُ النَّبي صلى الله عليه وسلم أم وداع غيره، حتَّى تُوفي النَّبي صلى الله عليه وسلم فعلموا عند ذلك أنَّه وَدَّع النَّاس بالوصايا التي أوصاهُم بها قرب أيَّام موته أن لا يرجعوا بعدَهُ كفَّارًا، وأكَّد التَّوديع بإشهاد الله تعالى عليهم بأنَّهم شَهِدوا أنَّه قد بَلَّغ ما أُرسل إليهم به فعرفوا حينئذٍ المراد بقولهم «حجَّة الوداع» .
وقد وقع في الحجِّ في باب الخطبةِ بمنى [خ¦1742] من رواية عاصم بن محمَّد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما في هذا الحديث «فودع النَّاس» ، وعند البيهقيِّ أنَّ سورة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] نزلتْ في وسطِ أيام التَّشريق، فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه الوداع، فركب واجتمع النَّاس فذكرَ الخطبة.
(فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي رواية أبي نُعيم في «المستخرج» (( فحمدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الله وحده وأثنى عليه ) )الحديث، وذكر فيه قصَّة الدَّجال، وفيه (( ألَّا إنَّ الله حرَّم عليكم دَماءكُم ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الخطبة كلها كانت في حجَّة الوداع، وقد ذكر الخطبة في حجَّة الوداع جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم لم يذكر أحد منهم قصَّة الدَّجال فيها إلَّا ابن عمر رضي الله عنهما، بل اقتصرَ الجميع على حديث (( إنَّ أموالكُم عليكم حرام ) )الحديث.
وقد أوردَ المصنِّف منها حديث جرير وأبي بُكرة هنا، وحديث ابن عبَّاس في الحجِّ [خ¦1739] ، وقد تقدَّم في الحج [خ¦1472] من رواية عاصم بن محمَّد بن زيد، وهو أخو عمر بن محمَّد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بدونها، وزيادة عمر بن محمَّد صحيحة لأنَّه ثقة، وكأنَّه حفظ ما لم يحفظ غيره، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ) أي طول الكلام (فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ، أَنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ) إنما خصَّ نوحًا عليه السَّلام بالذكر بعد أن كان داخلًا
ج 18 ص 479
في قوله صلى الله عليه وسلم (( ما بعث الله من نبي إلَّا أنذرَ أمته ) )لأنَّ نوحًا عليه السَّلام ومن بعده خلق ثان؛ لأنَّ من قبله هلك كلُّهم ولم يبق إلَّا نوح وأولاده الثلاثة يافث وسام وحام، وهو أيضًا أب ثان، والأب الأول هو آدم عليه السَّلام.
(وَإِنَّهُ) أي الدَّجال (يَخْرُجُ فِيكُمْ) أراد في أمَّته عند قرب الساعة (فَمَا خَفِي عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ) كلمة «ما» شرطيَّة؛ أي إن خفيَّ عليكم بعض شأنه (فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ_ثَلاَثًا_) أي قالها ثلاثًا.
(إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) بدل من الأوَّل؛ أي لا يخفى عليكم أنَّه ليس ممَّا يخفى أنَّه ليس بأعور أو استئناف (وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) وفي رواية وهاهنا أنَّه أعورُ عين اليمنى.
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّه ممسوحُ العين عليها ظَفَرة غَلِيظة، وفي حديث آخر أنَّه أعورُ عين اليُسرى، ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر أنَّ إحدى عينيه ذاهبةٌ والأخرى مَعيبة، فيصحُّ أن يُقال لكلِّ واحدةٍ عوراء؛ إذ الأصل في العور العيب.
(أَلاَ) بفتح الهمزة كلمة استفتاح، وفيه معنى الحثِّ على سماع ما سيأتي (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) قال الطِّيبي هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة، كما في قوله تعالى {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف 171] كانوا يستبيحون دماءهُم وأموالهُم في الجاهليَّة في غير الأشهر الحرم ويحرمونها فيها، كأنَّه قيل إنَّ دماءكم وأموالكُم محرَّمة عليكم أبدًا كحرمةِ يومكم هذا وشهركم وبلدكم.
(أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ) بتشديد اللام (قَالُوا نَعَمْ، قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاَثًا) أي ثلاث مرَّات، وانتصابه على أنَّه صفة لمصدر محذوفٍ؛ أي قاله قولًا ثلاثًا.
(وَيْلَكُمْ _ أَوْ وَيْحَكُمُ _) شكٌّ من الرَّاوي، وكلمة و «يحكم» كلمة ترحُّم
ج 18 ص 480
وتوجع، وقد يُقال بمعنى التَّعجب، وانتصابه على المصدريَّة، ويُستعملُ مضافًا وغير مضاف، والويلُ في الأصل الحزنُ والهلاك، ويُستعملُ عند التَّوجع والتَّعجب وهو المراد هاهنا (انْظُرُوا، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا) قال الكرمانيُّ أي كالكفَّار فهو تشبيه، أو هو من باب التَّغليظ، فهو مجازٌ، أو المراد معناه اللُّغوي، وهو التَّستر بالأسلحة، والأولى أنَّه على ظاهرهِ، وهو النَّهي عن الارتدادِ، وأوله الخوارج بالكفر الذي هو الخروجُ عن الملة؛ إذ كلُّ كبيرة عندهم كفرٌ. ويُقال معناه لا تكن أفعالكُم تشبه أعمال الكفَّار في ضربِ رقاب المسلمين، ويُقال معناه إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدِي على ما أنتم عليه من الإيمان والتَّقوى، ولا تظلموا أحدًا، ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهُم بالباطلِ، فإنَّ هذه الأفعال من الضَّلالة والعدول عن الحقِّ إلى الباطل.
(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) جملة مستأنفة مبيِّنة لقوله (( لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا ) ). ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه البخاريُّ في مواضع بطُرق مختلفة في الدِّيات [خ¦6868] ، والأدب [خ¦6043] ، والحدود [خ¦6785] ، والحج [خ¦1742] ، وكذا أخرجه مسلم في الإيمان، وأبو داود في السنَّة، والنَّسائي في المحاربةِ، وابن ماجه في الفتن مختصرًا.