فهرس الكتاب
4404 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) الحَرَّاني _ بفتح المهملة وتشديد الراء _، قال (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) مصغر زهر، هو ابنُ معاوية، قال (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي، قال (حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ) يعني ولا حجَّ قبلها إلَّا أن يُريدَ نفي الحجِّ الأصغر، وهو العمرةُ فلا؛ فإنَّه اعتمرَ قبلها قطعًا. وقوله (( حجَّة الوداع ) )مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ يعني هي حجَّة الوداع، وحاصله أنَّه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لم يحج إلَّا حجَّة الوداع.
(قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هو الرَّاوي، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور (وَبِمَكَّةَ أُخْرَى) يعني حجَّ حجَّة أخرى بمكة قبل أن يُهاجر.
ج 18 ص 481
فإن قيل فُرِض الحجُّ سنة ثمان أو تسع وقرر مناسكَه فيها، فكيف حجَّ بمكة قبل أن يُهاجر؟ فالجواب أنَّهم كانوا يحجُّون قبل السنة المذكورة لكن لم تكن فريضة، وأركانه إمَّا هذه الأركان المشروعة الآن أو قريب منها.
قال ابنُ الأثير في «الجامع» كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حجَّ قبل النُّبوة وبعدها حجَّات، إلَّا أنَّ قول أبي إسحاق «وبمكة أخرى» يُوهم أنَّه لم يحج قبل الهجرة إلَّا واحدةً، وليس كذلك بل حجَّ قبل أن يُهاجر مرارًا.
قال الحافظُ العسقلاني بل الذي لا ارتياب فيه أنَّه لم يترك الحج وهو بمكَّة قط؛ لأنَّ قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحجَّ، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو من به ضعفٌ، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحجِّ ويرونه من مَفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يُظنُّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه يتركه.
وقد ثبتَ من حديث جُبير بن مُطْعم رضي الله عنه أنَّه رآه في الجاهليَّة واقفًا بعرفة، وأنَّ ذلك من توفيق الله تعالى، وثبتَ دعوته قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاثَ سنين متوالية، كما تقدَّم في الهجرة إلى المدينة [خ¦3890] ، والله تعالى أعلم.