4424 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سعد، قال (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب؛ أي ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السَّبعة (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة المخففة وبعد الألف فاء، ابن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي (السَّهْمِيِّ) يُكنى أبا حُذافة، كنَّاه الزُّهري أسلم قديمًا، وكان من المهاجرين الأولين، ويُقال إنَّه شهد بدرًا، ولم يذكره ابنُ إسحاق في البدريين، وكانت فيه دُعابة. وقال خليفةُ أسرت الروم عبدَ الله في سنة تسع عشرة، وقال ابنُ لهيعة تُوفي عبد الله بن حُذَافة بمصر، ودفن بمقبرتها.
وقال الحافظُ العسقلاني في قوله «مع عبدِ الله بن حُذَافة» هذا هو المعتمد، ووقع في رواية عمر بن شبة أنه خنيسل بن حذافة، وهو غلطٌ فإنَّه مات بأُحد فبانتْ منه حفصة، وبعثَ الرسل كان بعدَ الهدنة سنة سبع. ووقع في ترجمةِ عبد الله بن عيسى في «كامل ابن عدي»
ج 18 ص 523
من طريقه عن داود بن أبي هند عن عكرمةَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قصَّة اتِّخاذ الخاتم، وفيه بعث كتابًا إلى كِسرى بن هُرمز بعث به مع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، كذا قال، وعبد الله ضعيفٌ فإن ثبتَ فلعلَّه كتب إلى ملك فارس مرتين.
وذكر ابن إسحاق أنَّ بعثه بذلك كان في السنة السادسة، قال وفيها؛ أي في السنة السَّادسة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستَّة نفر مصطحبين حاطبَ بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شَمْر الغَسَّاني ملك غسَّان عرب النَّصارى بالشَّام، ودِحية الكلبي إلى قيصر وهو هرقلُ ملك الروم، وسُليط بن عَمرو إلى هوذة بن عَمرو الحنفي، وعمرو بن أميَّة إلى النَّجاشي، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى ملك الفرس.
وقال الواقدي كان ذلك في آخر سنة ستٍّ بعد عُمرة الحديبية، أرسلهم في يوم واحدٍ، وقيل كان في المحرم في سنة ستٍّ. وقال البيهقيُّ في سنة ثمان بعد غزوة مؤتة، وترتيب البخاريُّ يدلُّ على أنَّه كان في سنة تسع، فإنَّه ذكره بعد غزوة تبوك، وأنَّه ذكر في آخر الباب [خ¦4427] حديث السَّائب بن يزيد أنَّه تلقى النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدَمه من غزوة تبوك.
قال ابنُ إسحاق كتب معه بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلامٌ على من اتَّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى النَّاس كافة لأنذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، فإن تُسلم تَسلم، وإن أبيت فإنَّ عليك إثم المجوس [1] .
قال ولما قرأه شقَّه، وقال يكتب إليَّ هذا وهو عبدي، وذكر القصَّة بطولها وفيها وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبرَ من السماء بأنَّ الله قد سلَّط على كسرى ابنه شيرويهِ يقتله في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا.
وقال الواقديُّ وكان قتله
ج 18 ص 524
ليلة الثلاثاء لعشر ليالٍ مضين من جمادى الآخرة في سنة تسع من الهجرة لست ساعات مضتْ فيها.
(فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ) هو نائبُ كسرى على البحرين، وهو المنذر بن ساوي العبدي (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى) فيه حذف تقديره فتوجَّه إليه فأعطاهُ الكتاب، فأعطاهُ لقاصد [2] عنده فتوجَّه به فدفعَه إلى كسرى، ويُحتمل أن يكون المنذر توجه بنفسه به فلا يحتاجُ إلى القاصد، ويُحتمل أن يكون القاصدُ لم يباشر إعطاء كسرى بنفسه، كما هو الأغلبُ من حال الملوك فيزداد التَّقدير.
(فَلَمَّا قَرَأَ) كذا في رواية الأكثر بدون الضمير، وفي رواية الكُشميهني بالضمير. قال الحافظُ العسقلاني وفيه مجازٌ، فإنَّه لم يقرأه بنفسهِ، وإنما قُرئ عليه كما سيأتي، وتعقَّبه العيني بأنَّ المصير إلى المجاز يحتاج إلى دليل لأنَّه لا مانع عقلًا، ولا عادة من أن يكون يعرف القراءة، وفيه نظرٌ.
(مَزَّقَهُ) أي قطّعه (فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ) القائل هو الزُّهري، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، ووقع في جميع الطُّرق مرسلًا.
ويُحتمل أن يكون ابن المسيَّب سمعَه من عبد الله بن حُذَافة صاحب القصَّة، فإنَّ ابن سعد ذكر من حديثه أنَّه قال فقُرئ عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فمزَّقه.
(فَدَعَا عَلَيْهِمْ) أي على كسرى وجنوده (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزاي فيهما؛ أي أن يتفرَّقوا ويتقطَّعوا كلَّ تفرق بحيث لا يبقى منهم أحدٌ، وهكذا جرى ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة ولا أمرٌ نافذ، وأدبر عنهم الإقبال حتَّى انقرضوا بالكلِّية في خلافة عمر رضي الله عنه.
وفي حديث عبدِ الله بن حذافة فلمَّا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اللَّهمَّ مزِّق ملكَه ) )وكتب إلى باذان عامله على اليمن (( ابعثْ من عندك رجلين إلى هذا الرَّجل الذي بالحجاز ) )فكتب باذان إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أبلغَا صاحبكُمَا أنَّ ربي قتلَ ربه في هذه اللَّيلة، قال وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وأنَّ الله سلط عليه ابنه شيرويه
ج 18 ص 525
فقتلَه.
وعن الزُّهري قال بلغني أنَّ كسرى كتب إلى باذان أن بلغني أن رجلًا من قريش يزعم أنَّه نبي فسر إليه، فإن تاب وإلَّا فابعثْ إلي برأسه، فذكر القصَّة قال فلمَّا بلغَ باذان أسلم هو ومن معه من الفرس.
تنبيه جزم ابنُ سعد بأنَّ بعث عبد الله بن حُذَافة إلى كسرى كان في سنة سبع في الهدنة، وعند الواقدي من حديث الشِّفاء بنت عبد الله بلفظ «منصرفه من الحديبية» ، وصنيعِ البخاري يقتضي أنَّه كان في سنة تسعٍ كما ذكرنا، وقد ذكر أهل المغازي أنَّه صلى الله عليه وسلم لما كان بتبوك كتب إلى قيصر وغيره، وهي غير المرَّة التي كتب إليه مع دحية فإنها كانت في زمن الهُدْنة كمَّا صرَّح به في الخبر، وذلك سنة سبع.
ووقعَ عند مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى كسرى وقيصر، الحديث، وفيه وإلى كلِّ جبَّارٍ عنيد.
وروى الطَّبراني من حديث المِسْور بن مخرمة قال خرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فقال (( إنَّ الله بعثني للنَّاس كافَّة، فأدوا عني ولا تختلفوا عليَّ ) )فبعث عبدَ الله بن حُذَافة إلى كسرى، وسليط بن عَمرو إلى هوذة بن علي باليمامة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى بهجر، وعَمرو بن العاص إلى جَيْفَر وعِيَّاذ [3] بن الجُلَنْدَى بعُمان، ودِحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى ابنِ أبي شمر الغساني، وعَمرو بن أميَّة إلى النَّجاشي، فرجعوا جميعًا قبل وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم غير عَمرو بن العاص.
وزاد أصحاب السير أنَّه بعث المهاجر بن أبي أميَّة بن الحارث بن عبد كلال، وجريرًا إلى ذي الكلاع، والسَّائب إلى مسيلمة، وحاطب بن أبي بَلْتعة إلى المقوقس، وفي حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم أنَّ النَّجاشي الذي بعث إليه مع هؤلاء غير النَّجاشي الذي أسلم.
وقد مضى الحديث في كتاب العلم، في باب ما يُذكر في المناولة [خ¦64] ، وليس فيه اسم عبد الله بن حذافة، وإنما فيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابهِ
ج 18 ص 526
رجلًا، وأمره أن يدفعَه إلى عظيم البحرين، الحديث.
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] في هامش الأصل في نسخة فإن إثم المجوس عليك.
[2] في الفتح (لقاصده) .
[3] كذا في الفتح، وفي سيرة ابن هشام (عبّاد) .