382 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عبد الله بن أبي أويس المدني، [ابن] أخت مالك بن أنس الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم.
(مَوْلَى عُمَرَ) بدون الواو
ج 3 ص 127
(بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) التيمي، بصيغة التصغير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، عبد الله (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورواة هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنسائي في «الصلاة» أيضًا.
(قَالَتْ كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ) في مكان سجوده، وهي جملة اسمية وقعت حالًا (فَإِذَا سَجَدَ) صلى الله عليه وسلم (غَمَزَنِي) من الغمز باليد.
وروى أبو داود من حديث أبي سلمة، عن عائشة، أنَّها قالت (( كنت أكون نائمة، ورجلاي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي، فقبضتهما، فسجد ) ).
(فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ) بفتح اللام وتشديد الياء بصيغة التثنية، وهذه رواية الأكثرين، وفي رواية بكسر اللام وسكون الياء بصيغة الإفراد (فَإِذَا قَامَ) صلى الله عليه وسلم (بَسَطْتُهُمَا) بتثنية الضمير على رواية الأكثرين، وبالإفراد على رواية.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ) أي وقت إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيًا، وإنما فسر اليوم بالوقت؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل، فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقته، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت.
(لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) وهذا اعتذار من عائشة رضي الله عنها عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى لو كانت المصابيح لقبضت رجلي عند إرادته السجود، ولما أحوجته إلى غمزي، وهذا يدل على أنها كانت راقدة غير مستغرقة في النوم، إذ لو كانت مستغرقة، لما كانت تدرك شيئًا، سواء كانت مصابيح، أو لم تكن.
قال ابن بطال وفيه إشعار بأنَّهم صاروا بعد ذلك مستصبحين.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنها قالت كنت أنام؛ وذلك لأنَّ نومها كان على الفراش، وقد صرَّحت في حديثها الآخر بقولها على الفراش الذي ينامان فيه.
ومن فوائد هذا الحديث جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنَّها لا تقطع صلاته، وكرهه بعضهم لغير الشارع؛ لخوف الفتنة بها، واشتغال القلب بالنظر إليها، وأمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فمنزه عن هذا كله مع أنَّه كان في الليل، ولا مصابيح فيه. ومنها استحباب إيقاظ النائم للصلاة.
ومنها أنَّ المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، ولا من مرت بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء سلفًا وخلفًا، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومعلوم أنَّ اعتراضها بين يديه أشدُّ من مرورها.
وذهب بعضهم إلى أنَّه يقطع مرورُ المرأةِ والحمار والكلب.
وقال أحمد يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء.
والجواب عن حديث قطع الصلاة بهؤلاء من وجهين
الأول أنَّ المراد من القطع النقص، لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها؛ لأنَّ المرأة تعيَّن
ج 3 ص 128
التفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آيلة إلى القطع، أطلق عليها القطع.
والثاني أنَّها منسوخة بحديث (( لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم ) )، وصلى الشارع وبينه وبين القبلة عائشة رضي الله عنها، وكانت الأتان ترتع بين يديه، ولم ينكره أحد.
لكن النسخ لا يصار إليه إلا بأمور؛ منها التاريخ، وأنَّى به.
وذهب ابن عباس وعطاء إلى أنَّ المرأة التي تقطع الصلاة إنَّما هي الحائض، ورُدَّ بأنه جاء في روايات هذا الحديث، قال شعبة وأحسبها قالت وأنا حائض.
فإن قيل ورد في الحديث يقطع الصلاةَ اليهوديُّ والنصرانيُّ والمجوسيُّ والخنزيرُ.
فالجواب أنَّ هذا حديث ضعيف، لا يعمل به.
ومنها أنَّ العمل اليسير في الصلاة غير قادح. ومنها جواز الصلاة إلى النائم، وكرهه بعضهم، واحتجوا بحديث ابن عباس أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث ) ).
وقال أبو داود روي هذا الحديث من غير وجه، عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا أمثلُها، وهو أيضًا ضعيف، وصرح به الخطابي وغيره.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة؛ رواه أبو داود بسند منقطع، وفي (( مراسيله ) )بسند ضعيف، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدث الرجلان، وبينهما أحد يصلي.
وفي (( كامل ابن عدي ) )بسند واهٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصليَّ الإنسانُ إلى نائمٍ أو متحدِّثٍ ) ).
وفي (( الأوسط ) )للطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد ضعيف مرفوعًا (( نُهِيْتُ أن أصلي خلفَ النائم والمتحدثين ) ).
وفي كتاب (( الصلاة ) )لأبي نُعيم، حدَّثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن معدي كرب، عن عبد الله (( لا يصلي بين يدي قوم يشترون ) ).
وعن سعيد بن جبير إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس. وفي رواية كره سعيد أن يصلي وبين يديه متحدث، وضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلين أحدهما مستقبل الآخر، وهو يصلي.
ومنها أنَّ لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
وقال الشافعي ينقضه، وحمل غمزه صلى الله عليه وسلم رجلَها على أنَّه كان بحائل، أو على الخصوصية، ورُدَّ بأنَّ الأصل في الرِّجل أن تكون بغير حائل عرفًا، وكذلك اليد، وبأن القول بالخصوصية بلا دليل باطل؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التشريع، فكان ما فعله صلى الله عليه وسلم مشروع
ج 3 ص 129
لأمته، إلا إذا دلَّ دليل على الخصوصية.
ومنها جواز الصلاة على الفراش، وعقد البخاري الباب لذلك.
وفي (( التلويح ) )واختلف في الصلاة على الفراش وشبهه، فعند أبي حنيفة والشافعي يصلي على البساط والطنفسة. وحكى ابن أبي شيبة ذلك، عن أبي الدرداء، بلفظ (( ما أبالي لو صليتُ على ستِّ طنافس، بعضها فوق بعض ) ).
قال وصلى ابن عباس رضي الله عنهما على مِسْح وعلى طنفسة قد طبقت البيت صلاةَ المغرب، وفعله أبو وائل وعمر بن الخطاب وعطاء وسعيد بن جبير، وقال الحسن لا بأس بالصلاة على الطنفسة، وصلى قيس بن عُبَاد على لبد دابته، وكذلك مرة الهمداني، وصلَّى على المسح عمر بن عبد العزيز وجابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.
وقال مالك البساط الصوف والشعر وشبهه إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض، فلا أرى بالقيام عليها بأسًا، كأنَّه يريد ما ذكره ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود وأصحابه أنَّهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفراء والمسوح، وقال ابن أبي شيبة حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنَّه كان يصلي على طنفسة، وقدماه وركبتاه عليها، ويداه وجبهته على الأرض، أو بوري، وهو بالفارسية البوريا.
وعن ابن سيرين وابن المسيب وقتادة الصلاة على الطنفسة محدث.
وكره الصلاة على غير الأرض عروة بن الزبير، وجابر بن زيد وابن مسعود، ونهى أبو بكر رضي الله عنه عن الصلاة على البرادع.
وقال أبو نُعيم في كتاب (( الصلاة ) )تأليفه نا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على بساط ) ). ونا زمعة، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن أبي معبد، عن ابن عباس، قال (( قد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بساط ) ).