4530 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُمَيَّةُ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (ابْنُ بِسْطَامٍ) بكسر الموحدة وسكون المهملة؛ أي ابن المنتشر العيشي البصري، وهو شيخ مسلمٍ أيضًا، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي، مصغَّر زرع (عَنْ حَبِيبٍ) هو ابنُ الشَّهيد، أبو محمد الأزدي الأموي البصري، وهو بالحاء المهملة في اليونينية، وقد صرَّح به المؤلف، كما سيأتي قريبًا، ووقع في الفرع هنا خُبيب _ بالخاء المعجمة المضمومة _ وهو سهو.
(عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة _ بضم الميم _ واسمه زهير، قاضي عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، أنَّه قال (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنهما (قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) رضي الله عنه ( {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة 240] ) يريد الآية الثَّانية الصَّريحة الدَّلالة على أنَّه يجب على الَّذين يتوفُّون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعنَ بعدهم حولًا بالسُّكنى، وتمام الآية {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} .
(قَالَ) أي ابن الزُّبير (نَسَخَتْهَا) وفي نسخة بزيادة قد (الآيَةُ الأُخْرَى) أي السَّابقة؛ أي الَّتي تمامها (( يتربَّصنَ بأنفسهنَّ أربعة أشهر وعشرًا ) ) (فَلِمَ تَكْتُبُهَا) بكسر اللام وفتح الميم، استفهامٌ على سبيل الإنكار، كذا في الأصول كأنَّه قال لم تكتبها، وقد عرفت أنَّها منسوخةٌ، وما الحكمةُ في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاءِ رسمها يوهمُ بقاءَ حكمها.
(أَوْ تَدَعُهَا) شكٌّ من الراوي؛ أي أو قال لم تدعها؛ أي تتركها مكتوبةٌ في المصحفِ، وقال في «المصابيح» المعنى فلم تكتبها أو فلم لا تدعها، فحذف حرف النَّفي اعتمادًا على فهم المعنى، ووقع في الرِّواية
ج 19 ص 124
الآتية بعد بابين [خ¦4536] فلم تكتبها؟ قال تدعها يا ابن أخي. وفي رواية الإسماعيلي (( لم تكتبها، وقد نسختها الآية الأخرى ) )وهو يؤيِّد التَّقدير الَّذي ذكر، وله في روايةٍ أخرى قلتُ لعثمان رضي الله عنه، وهذه الآية {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة 240] قال نسختها الآية الأخرى قلت تكتبها أو تدعها قال يا ابن أخي لا أغير منه شيئًا عن مكانه.
وهذا السِّياق أولى من الَّذي قبله و (أو) في هذه الرِّواية للتَّخيُّر لا للشَّكِّ، فافهم.
(قَالَ) أي عثمان رضي الله عنه مجيبًا له عن استشكالهِ (يَا ابْنَ أَخِي) إنما قال ذلك على عادةِ العرب، أو نظرًا إلى أخوَّة الإيمان، أو لأنَّ عثمان رضي الله عنه من أولاد قصي، وكذلك عبد الله بن الزبير (لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ) أي لا أُغيِّر شيئًا ممَّا كُتب من القرآن من مكانه؛ أي فكما وجدتها مثبتة في المصحفِ أثبتها حيث وجدتها، وفي جوابِ عثمان رضي الله عنه هذا دليلٌ على أنَّ ترتيب الآي توقيفيٌّ، وكأنَّ عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما ظنَّ أنَّ ما نُسخ لا يُكتب لعدم الفائدة، وإذا كُتب يُكتبُ قبل النَّاسخ فأجاب عثمان رضي الله عنه بما أجاب، وتقريره أنَّه ليس الأمر كما ظنَّ بل له فوائد الأولى أنَّ الله عزَّ وجلَّ لو أراد نسخ لفظه لرفعه، كما فعل في آياتٍ عديدةٍ، ومن صدور الحافظين أيضًا.
الثَّانية أنَّ في تلاوته ثوابًا كما في تلاوة غيره.
الثَّالثة إن كان تثقيلًا ونسخَ بتخفيف عرف بتذكره قدر اللطف، وإن كان تخفيفًا ونسخ بتثقيل علم أن المراد انقياد النَّفس للأصعب؛ لأن يظهر فيها عند ذلك التَّسليم والانقياد، وأمَّا كتبه بعد النَّاسخ فلأنَّ ترتيب آي القرآن توقيفي، هذا وكان الحكم في أوَّل الإسلام أنَّه إذا مات الرجل لم يكن لامرأتهِ شيءٌ من الميراث إلَّا النَّفقة والسُّكنى سنة، فالآية أعني قوله تعالى {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً} أوجبت أمرين أحدهما وجوب النَّفقة والسُّكنى من تركة الزوج سنة، والثَّاني وجوب الاعتداد سنة؛ لأنَّ وجوب النَّفقة والسُّكنى من مال الميِّت يوجب المنع من التَّزوُّج بزوجٍ
ج 19 ص 125
آخر، ثمَّ نسخ هذان الحكمان.
أمَّا وجوب العدَّة في السَّنة فبقوله {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] . وقيل نسخ ما زاد فيه فإنَّ من السَّلف من ذهب إلى أنَّها ليست منسوخةً، وإنَّما خصَّ بعضه وبقي البعض وصيَّةً لها إن شاءتْ أقامت كما في الباب عن مجاهدٍ [خ¦4531] لكنَّ الجمهور على خلافه.
وأمَّا وجوب النَّفقة والسُّكنى فمنسوخٌ بتقدير نصيبها من الميراث، ثمَّ إنَّه قد قيل وهذا الموضع ممَّا وقع فيه النَّاسخ مقدَّمًا في ترتيب التِّلاوة على المنسوخ، وقد قيل إنَّه لم يقع نظير ذلك إلَّا هنا، وفي الأحزاب على قول من قال إنَّ إحلالَ جميع النِّساء، هو النَّاسخ، وليس الحصر بمستقيمٍ؛ لأنَّ ذلك قد وقعَ بمواضع أخرى
منها في البقرة قوله تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة 115] فإنَّها محكمةٌ في التَّطوُّع مخصِّصة لعموم قوله تعالى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة 144] مع كونها مقدَّمةً في التِّلاوة.
ومنها في البقرة أيضًا قوله تعالى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة 106] على قول من قال إنَّ سبب نزولها أنَّ اليهود طعنوا في تحويل القبلة، فإنَّه يقتضي أن تكون مقدَّمةً في التِّلاوة متأخِّرةً في النُّزول.
قال الحافظُ العسقلاني وقد تتبعت من ذلك شيئًا كثيرًا ذكرته في غير هذا الموضع. وقال الزَّمخشري قد تكون الآية متقدمة في التِّلاوة، وهي متأخِّرةٌ في النُّزول، كقوله عزَّ وجلَّ {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة 142] مع قوله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة 144] .
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، والحديث من أفراد البُخاري.