4531 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ راهويه، وقال صاحب «التوضيح» وإسحاق هو ابنُ إبراهيم، كما حدَّث به في «الأحزاب» [خ¦4799] أو إسحاق بن منصور، كما حدَّث به في «الصَّلاة» [خ¦1221] وغيرها [خ¦5344] ، قال (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وبالمهملة، هو ابنُ عُبَادة _ بضم المهملة وتخفيف الموحدة _ قال (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وآخره لام، هو ابنُ عَبَّاد _ بفتح المهملة وتشديد الموحدة _ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وآخره مهملة، هو عبدُ الله المكي (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر المفسر ( {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة 234] . قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ) أشار به إلى ما في قوله تعالى {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا}
ج 19 ص 126
(تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ} [البقرة 240] ) بنصب (( وصية ) )في قراءة أبي عَمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم، بتقدير والذين يتوفون يوصون وصية أو ليوصوا وصيَّةً، أو كتب الله عليهم وصيَّةً وألزمها، ويدلُّ عليه قراءة عبد الله (( كتب عليهم الوصيَّة لأزواجهم ) ). وقرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم (( وصيَّة ) )بالرفع على تقدير وحكم الَّذين يتوفُّون أو وصية الَّذين يتوفون وصية، يعني قبل أن يحتضروا (( مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ) )نصب بتقدير يوصون متاعًا، أو بتقدير متِّعوهنَّ متاعًا، أو بقوله (( وصية ) )؛ لأنَّه مصدر منون، ولا يضرُّ تأنيثها بالتاء لبنائها عليه، والأصل وصية بمتاع، ثمَّ حذف حرف الجر اتساعًا فنصب ما بعده، وهذا إذا لم يجعل الوصية منصوبًا على المصدر؛ لأنَّ المصدر المؤكَّد لا يعمل، وإنَّما يجوز ذلك حال رفعها أو نصبها على المفعول، وقرأ أبي رضي الله عنه (( متاعٌ لأزواجهم متاعًا ) )، فعلى هذا نصب متاعًا بقوله (( متاع ) )؛ لأنَّه في معنى التَّمتيع.
(((غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) )) نعت لمتاعًا أو بدل منه [1] أو حالٌ من الزَّوجات؛ أي غير مخرجاتٍ، أو من الموصين؛ أي غير مخرجينَ (((فَإِنْ خَرَجْنَ ) )) أي من منزل الزَّوج (((فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) )) أيُّها الأولياء (((فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) )) أي ممَّا لم ينكره الشَّرع، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزَّوج والإحداد عليه، وإنَّما كانت مخيَّرةً بين الملازمة وأخذ النَّفقة وبين الخروج وتركها (قَالَ) أي مجاهد
(جَعَلَ اللَّهُ) أي للمعتدَّة المذكورة في الآية الأولى.
(تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ (وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً) أي بحسب الوصية (إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة 240] . فَالْعِدَّةُ) وهي الأربعة الأشهر والعشر (كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا) يعني أنَّ العدَّة الواجبة عليها عند أهل زوجها هي الأربعةُ الأشهر والعشر، والزَّائد إلى تمام الحول هو بحسب الوصية، فإن شاءت قبلت الوصيَّة، وتعتدُّ في بيت أهلِ زوجها إلى التَّمام، وإن شاءت اكتفتْ
ج 19 ص 127
بالواجب، وهذا يدلُّ على أنَّ مجاهدًا لا يرى نسخ هذه الآية أعني قوله تعالى {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} الآية، وحاصل المعنى وحقُّ الَّذين يتوفُّون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تتمتَّع أزواجهم بعدهم حولًا كاملًا؛ أي ينفق عليهنَّ من تركتهِ، ولا يخرجهن من مساكنهنَّ، وكان ذلك في أوَّل الإسلام، ثمَّ نُسخت بقوله تعالى {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] ونسخت النِّفقة بالإرث الَّذي هو الرُّبع أو الثَّمن، وهذا عند الجمهور غير مجاهدٍ كما ذكر الآن.
(زَعَمَ) أي قال شبل زعم ابنُ أبي نَجيح (ذَلِكَ) أي الأمر المتقدِّم (عَنْ مُجَاهِدٍ) وبهذا جزم الحميدي في «جمعه» .
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، قال الحافظُ العسقلاني هو عطفٌ على قوله «عن مجاهدٍ» ، وهو من رواية ابنِ أبي نجيح عن عطاء، ووهم من زعم أنَّه معلَّقٌ، وتعقَّبه العيني بأنَّ ظاهره التَّعليق إذ لو كان عطفًا لقال وعن عطاء. وقد روى أبو داود قال حدَّثنا أحمد بن محمد المروزي قال أخبرنا موسى بن مسعود قال أخبرنا شبل عن ابن أبي نَجيح قال قال عطاء قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما ... إلى آخر ما ذكر هنا، انتهى.
ويؤيِّد ما قاله الحافظُ العسقلاني قوله «وعن محمَّد بن يوسف» إذ هو معطوفٌ على قوله «حدَّثنا روحٌ» ، فافهم.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ) ويُروى بدون الفاء (حَيْثُ شَاءَتْ، وَهْوَ) أي النَّاسخ (قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة 240] . قَالَ عَطَاءٌ) أي مفسِّرًا لما رواه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني .
(وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وفي نسخة ( {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} [البقرة 234] ) لدَلالته على التَّخيير (قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ) في قوله تعالى {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} [النساء 12] (فَنَسَخَ السُّكْنَى) أي وتركت الوصيَّة (حَيْثُ شَاءَتْ، وَلاَ سُكْنَى لَهَا) قال ابنُ كثير وهذا القول الَّذي عوَّل عليه مجاهد وعطاء من أنَّ هذه الآية لم تدلَّ على وجوبِ الاعتداد سنة كما زعمَه الجمهور
ج 19 ص 128
حتَّى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر والعشر، وإنَّما دلَّت على أنَّ ذلك كان من باب الوصاية بالزَّوجات أن يمكن من السُّكنى في بيوت أزواجهنَّ بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترنَ ذلك، ولهذا قال (( وصيَّةً لأزواجهم ) )؛ [البقرة 240] أي يوصيكُم الله بهنَّ وصيَّةً، كقوله تعالى {يُوْصِيْكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء 11] انتهى فليتأمل.
(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الفريابي شيخ المؤلِّف وهو معطوفٌ على قوله «حدَّثنا روحٌ» ، فيكون هذا مدرجًا في رواية إسحاق عن روح عن شبل، قاله الحافظُ العسقلاني. وقال صاحب «التلويح» وفيه بعد، ويحتمل أن يكون البُخاري علَّقه عن شيخه محمد بن يوسف الفريابي، وقد وصله أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن محمد بن يوسف، وهو الفريابيُّ عن ورقاء عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد وعن عطاء بتمامه، وقال ذكره البُخاري عن الفريابي، وهذا يدلُّ على أنَّه فهم أنَّ البُخاري علَّقه عن شيخه، والله اعلم.
(حَدَّثَنَا) أي أنَّه قال حدَّثنا (وَرْقَاءُ) مؤنث الأورق، ابن عمرو الخَوَارزمي (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وآخره حاء مهملة، اسمه عبد الله، واسم أبي نجيح يسار (عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) يحتمل الوجهين المذكورين أيضًا، والأظهر هو الوجه الثَّاني (عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، لِقَوْلِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ ( {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة 240] . نَحْوَهُ) أي نحو ما روي فيما مضى عن مجاهد، والحاصل أنَّ ابنَ أبي نجيح روى عن مجاهد وحدَه موقوفًا عليه، وروي أيضًا عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. فإن قيل (( غير إخراجٍ ) )يدلُّ على أنَّها لا تعتدُّ إلَّا في مسكن الزَّوج فكيف جعلَه دليلًا على أنَّها تعتدُّ حيث شاءت؟ فالجواب أنَّ الإخراجَ غير الخروج، فلها الخروج وليس له الإخراج، أو الاستدلال ببقيَّة الآية، وهي قوله تعالى {فَإِنْ خَرَجْنَ} والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل قوله أو بدل منه؛ أي بدل اشتمال لتحقق الملابسة بين تمتيعهنَّ وبين عدم إخراجهنَّ. منه.