4568 - (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) هو أبو إسحاق الرَّازي الفراء، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله، وفي رواية عبد الرَّزَّاق (( عن ابن جُريج أخبرني ابنُ أبي مليكة ) )وسيأتي، وكذا أخرجه ابن أبي حاتمٍ من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج.
(أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) اللَّيثي من أجلِّ التَّابعين، وقيل له صحبةٌ، وهو راوي حديث الأعمال عن عمر رضي الله عنه [خ¦1] (أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ) هو ابنُ الحكم بن أبي العاص الَّذي ولي الخلافة، وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قبل معاوية (قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورافع هو بوَّاب الحكم وهو مجهولٌ فلذلك توقَّف جماعةٌ عن القول بصحَّة هذا الحديث حتَّى أنَّ الإسماعيلي قال يرحم الله البُخاري أخرج هذا الحديث في الصَّحيح مع الاختلاف على ابن جريج في شيخ شيخه، فقال عبد الرَّزَّاق وهشام عنه عن ابن أبي مُليكة عن علقمة، وقال حجاج بن محمد عن ابن جُريج عن ابن أبي مُليكة عن حميد بن عبد الرَّحمن، ثمَّ ساقه من رواية محمد بن عبد الملك بن جُريج عن أبيه عن ابن أبي مُليكة عن حميد بن عبد الرَّحمن، فصار لهشام متابعٌ وهو عبد الرَّزَّاق، ولحجاج بن محمد متابعٌ وهو محمد.
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمَّد عن ابن جُريج، كما قال عبد الرَّزَّاق.
قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يتحصَّل لي من الجواب عن هذا الاحتمال أن يكون علقمة بن وقَّاص كان حاضرًا عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا أجاب، فالحديث من رواية علقمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما،
ج 19 ص 237
وإنَّما قصَّ علقمة سبب تحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بذلك فقط، وكذا القول في حميد بن عبد الرَّحمن فكأن ابن أبي مليكة حمله عن كلٍّ منهما، وحدَّث به ابن جُريجٍ تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لو كان حاضرًا عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند تحديثه بذلك لكان أخبر ابن أبي مليكة أنَّه سمع ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه أجاب لرافع بواب مروان بالذي سمعه، ومقام علقمة أجلُّ من أن يُخبر عن رجلٍ مجهول الحال بخبرٍ قد سمعه عن ابن عبَّاس رضي الله عنه، وترك ابن عبَّاس رضي الله عنهما وأخبر عن غيره بذاك، وذلك لأنَّ بوَّاب مروان رافعًا مجهول الحال، ولم يُرَ له ذكر في كتب الرُّواة إلَّا بما في هذا الحديث.
فإن قيل إنَّ الذي يظهر من سياق هذا الحديث أنَّه توجَّه إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فبلَّغه الرِّسالة، ورجع إلى مروان بالجواب، فلولا أنَّه معتمدٌ عند مروان ما اقتنع برسالته؟ فالجواب ما قاله الإسماعيلي أنَّ مروان وبوَّابه بمنزلةٍ واحدةٍ، وقد انفرد بروايته البُخاري دون مسلم، على أنَّ البُخاري رحمه الله تعالى لم يورد في «صحيحه» حديث يسرة بنت صفوان الصَّحابيَّة في نقض الوضوء من مسِّ الذَّكر، فإنَّ عروة ومروان اختلفا في ذلك، فبعث مروان حرسه إلى يسرة فعادَ إليه بالجواب عنها، فصار الحديث من رواية عروة عن رسول مروان عن يسرة، ورسول مروان مجهول الحال، فالقصَّة التي في حديث الباب شبيهةٌ بحديث يسرة، فإن كان رسول مروان معتمدًا في هذه فليعتمد في الأخرى، فإنَّه لا فرق بينهما إلَّا أنَّه في هذه القصَّة سمَّى الرَّسول ولم يسمِّ في الأخرى فافهم.
وقد روى ابن مردويه من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه ما يدلُّ على سبب إرساله إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فأخرج من طريق اللَّيث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال كان أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهم عند مروان
ج 19 ص 238
فقال يا أبا سعيدٍ أرأيت قول الله تعالى فذكر الآية، فقال إنَّ هذا ليس من ذاك، إنَّما ذاك أنَّ ناسًا من المنافقين، فذكر نحو حديث الباب، وفيه فإن كان لهم نصرٌ وفتح حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم، فكأن مروان توقَّف في ذلك، فقال أبو سعيدٍ هذا يعلم بهذا فقال أكذلك يا زيد؟ قال نعم صدق.
ومن طريق مالك عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنَّ مروان سأله عن ذلك، فأجابه بنحو ما قال أبو سعيدٍ، فكأنَّ مروان أراد زيادة الاستظهار فأرسل بوَّابه رافعًا إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما يسأله عن ذلك، والله تعالى أعلم.
هذا وأمَّا قول البُخاري عقب الحديث «تابعه عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ» فيريد أنَّه تابع هشام بن يوسف على روايته إيَّاه عن ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن علقمة، ورواية عبد الرَّزَّاق وصلها في التَّفسير، وأخرجها الإسماعيلي والطَّبري وأبو نُعيمٍ وغيرهم من طريقه، وقد ساق البُخاري إسناد حجَّاج عقب هذا ولم يسق المتن؛ بل قال عن حميد بن عبد الرَّحمن بن عوف أنَّه أخبره أنَّ مروان بهذا، وساقه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ إنَّ مروان قال لبوَّابه اذهب يا رافع إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقل له فذكر نحو حديث هشام.
(فَقُلْ) له (لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ) أي أُعطي، ويُروى (وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ) على البناء للمفعول (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، مُعَذَّبًا) نصب على أنَّه خبر كان (لَنُعَذَّبَنَّ) بفتح الذال المعجمة المشددة والباء الموحدة على البناء للمفعول (أَجْمَعُونَ) بالواو؛ لأنَّ كلنا نفرح بما أوتينا، ونحب أن نحمد بما لم نفعل، وفي رواية حجاج بن محمد (( أجمعين ) )بالياء على الأصل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما منكرًا عليهم السُّؤال عن ذلك (وَمَا لَكُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الواو، وفي رواية أبي الوقت بالهاء بدل الكاف (وَلِهَذِهِ) أي وللسُّؤال عن هذه المسألة على الوجه المذكور (إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي وإنَّ أصل هذا أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 19 ص 239
دعا (يَهُودَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالتنوين، وفي رواية حجاج بن محمد «إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب» (فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ) قيل هو نعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الكمال (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ) أي كتم يهود الشَّيء الَّذي سألهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه (وَأَخْبَرُوهُ) وفي الفرع (بِغَيْرِهِ) أي بغير نعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الكمال (فَأَرَوْهُ) بفتح الهمزة والراء؛ أي فأروا النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ) قد اختلف الشُّرَّاح في ضبطه، فقال [1] بعضهم بفتح الفوقية مبنيًا للفاعل؛ أي طلبوا أن يحمدهم. قال في «الأساس» استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم، وقال [2] بعضُهم هو على البناء للمفعول من استحمد فلانٌ عند فلان؛ أي صار محمودًا عنده، والسِّين فيه للصيرورة.
(بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ) أي على الإجمال (فِيمَا سَأَلَهُمْ) وفي رواية حجَّاج بن محمد (( فخرجوا قد أَرَوه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه ) )، وهذا أوضح (وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) كذا هو في رواية الحمويي بضم الهمزة بعدها واو؛ أي أُعطوا من العلم الَّذي كتموه، كما قال تعالى {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [غافر 83] وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني بفتح الهمزة والفوقية من غير واو بمعنى جاؤوا؛ أي بالذي فعلوه، وهذا أولى لموافقتهِ التِّلاوة المشهورة على أنَّ الأخرى قراءة السُّلمي وسعيد بن جُبير، وموافقة المشهورة أولى مع موافقتهِ لتفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
(مِنْ كِتْمَانِهِمْ) بكسر الكاف؛ أي للعلم (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} [آل عمران 187] ) أي واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ليبيننه للنَّاس ولا يكتمونه (كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ يَفْرَحُونَ بِمَا أُوْتُوا) بضم الهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني بلفظ القرآن ( {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران 188] ) من الوفاء بالميثاق، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصِّدق، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الَّذين أخبر الله عنهم في الآية المسؤول عنها هم المذكورون في الآية التي قبلها، وأنَّ الله ذمَّهم بكتمان العلم الَّذي أمرهم أن لا يكتموه وتوعَّدهم بالعذاب على ذلك.
ووقع في رواية محمد بن ثور فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 19 ص 240
قال الله جلَّ ثناؤه في التَّوراة إنَّ الإسلام دين الله الَّذي افترضه على عباده، وإنَّ محمدًا رسول الله. وقال الحافظُ العسقلاني الشَّيء الَّذي سأل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه اليهود لم أره مفسَّرًا، وقد قيل إنَّه سألهم عن صفته عندهم بأمرٍ واضحٍ فأخبروه عنه بأمرٍ مجملٍ.
وروى عبد الرَّزَّاق من طريق سعيد بن جُبير في قوله تعالى {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران 187] قال محمد وفي قوله تعالى {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} قال بكتمانهم محمدًا، وفي قوله تعالى {أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} قال قولهم نحن على دين إبراهيم [3] .
(تَابَعَهُ) أي تابع هشام بن يوسف (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) على روايته إيَّاه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، وهذه المتابعة قد وصلها الإسماعيلي فقال حدَّثنا ابن زَنْجويه وأبو سفيان، قالا حدَّثنا عبد الرَّزَّاق أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن علقمة، فذكره.
- (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) هو محمد بن مقاتل المروزي، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (الْحَجَّاجُ) هو ابنُ محمد المصيصي الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ) أي ابن الحكم (بِهَذَا) أي حدَّثنا بهذا الحديث، ولم يسق البُخاري متنه، وساقه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ أنَّ مروان قال لبوَّابه اذهب يا رافع إلى ابن عبَّاس، فقل له فذكر نحو حديث هشام عن ابن جريجٍ المذكور سابقًا.
[1] في هامش الأصل قسطلاني.
[2] في هامش الأصل عيني.
[3] في هامش الأصل وكفى بذلك دليلًا على أنه مأخوذ على العلماء أن يُبينوا الحق للناس وما علموه، وأن لا يكتموا منه شيئًا لغرض فاسدٍ من تسهيل على الظلمة، وتطييبٍ لنفوسهم، واستجلابٍ لمسارهم، أو لجرِّ منفعة وحطام دنيا أو لتقية ممَّا لا دَليل عليه، ولا أمارة أو لبخل بالعلم وغَيْرة أن ينسب إليه غيرهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم (( من كتم علمًا عن أهله ألجم بلجام من نار ) )وعن طاوس أنَّه قال لوهب إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال والله لو كنت نبيًا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أنَّ الله سيعذبك، وعن محمد بن كعب لا يحل لأحد من العلماء أن يسكتَ على علمه، ولا يحل لجاهل أن يسكتَ على جهله حتى يسألَ، وعن علي رضي الله عنه ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذَ على أهل العلم أن يعلموا. منه.