4588 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي _ بشين معجمة وحاء مهملة_، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهمٍ الجهضمي الأزدي (عَنْ أيُّوبَ) السَّختياني (عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مُليكة _ بضم الميم _ واسمه زهير الأحول القاضي المكي (أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ والحمويي والمستملي أنَّه (تَلا) أي قرأ قوله تعالى
ج 19 ص 302
( {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} . قَالَ كُنْتُ أنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ) أي ممَّن جعلهم الله من المعذورين المستضعفين، وهذا طريقٌ آخر لحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال الدَّاودي فيه دليلٌ لمن قال إنَّ الولد يتبع المسلم من أبويه، فتأمَّل.
(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {حَصِرَتْ} ضَاقَتْ) أشار به إلى تفسير {حَصِرَتْ} في قوله تعالى {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء 90] وفسَّره بقوله «ضاقت» . وهذا التَّعليق وصله ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} قال ضاقت. وحكى الفرَّاء عن الحسن أنَّه قرأ (( حَصْرةٌ صدورهم ) )بالرفع؛ أي ضيقة منقبضة.
قال الحافظُ العسقلاني وهو على هذا خبر بعد خبر، وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس كذلك بل هو خبر مبتدأ محذوف تقديره أو جاؤوكم هم حصرةٌ صدروهم.
وقرأ يعقوب (( حَصِرَةً صدورُهم ) )بالنصب على الحالية، وقُرئ (( حاصرات صدروهم ) ).
وقال المبرد هو على الدُّعاء؛ أي أحصر الله صدورهم، كذا قال، والأوَّل أولى، وقد روى ابن أبي حاتمٍ من طريق مجاهد أنَّها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين المسلمين عهد وقصده ناس من قومه فكره أن يُقاتل المسملين، وكره أن يقاتلَ قومه، وفي «تفسير ابن كثير» وهؤلاء قوم من المستثنين عن الأمر بقتالهم وهم الَّذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليهم.
( {تَلْوُوا} ألْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) أشار به إلى ما في قوله تعالى {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} [النساء 135] وفسَّر قوله {تَلْوُوا} بقوله «ألسنتكم بالشَّهادة» . وقد وصله الطَّبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} قال تلووا ألسنتكم بشهادةٍ، أو تعرضوا عنها.
وروى عبد الرَّزَّاق عن معمر عن قَتَادة قال أن تُدخلَ في شهادتك ما يُبطلها، أو تُعرض عنها فلا تشهدها، وقرأ حمزة وابن عامر (( وإن تلوا ) )بواو واحدة ساكنة، وصوَّب أبو عبيدة
ج 19 ص 303
قراءة الباقين، واحتجَّ بتفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور وقال ليس للولاية هنا معنى، وأجاب الفرَّاء بأنَّها بمعنى اللَّيِّ كقراءة الجماعة، إلَّا أنَّ الواو المضمومة قُلبت همزة ثم سُهِّلت.
وأجاب الفارسي بأنَّها على بابها من الولاية، والمراد وإن وَلِيتم إقامة الشَّهادة، وقد سقط قوله < {تَلْوُوا} ... > إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء 100] (الْمُرَاغَمُ) بفتح الغين المعجمة (الْمُهَاجَرُ) بفتح الجيم (رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي) وكأنَّه أراد بالغير أبا عبيدة، فإنَّ هذا لفظه حيث قال المُرَاغَم والمهاجر واحدٌ تقول هاجرت قومي وراغمتُ قومي، وقال الجعديُّ المراغم المهرب، وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن الحسن في قوله {مُرَاغَمًا} قال متحوَّلًا.
وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما المُراغَم المتحوَّل [1] من أرضٍ إلى أرضٍ، وكذا رُوي عن الضَّحَّاك والرَّبيع بن أنس والثَّوري. وقال مجاهد {مُرَاغمًا} يعني متزحزحًا عمَّا يكره، وقال الزَّمخشري {مُرَاغمًا} مهاجرًا وطريقًا يراغم بسلوكه قومه؛ أي يفارقهم على رغم أنوفهم، والرَّغْم الذُّلُّ والهوان، وأصله لُصُوق الأنف بالرَّغام، وهو التَّراب تقول راغمت الرَّجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك. وفي «تفسير ابن كثير» المراغم مصدر، تقول العرب راغم فلانٌ قومه مراغمًا ومراغمة.
( {مَوْقُوتًا} مُوَقَّتًا وَقْتَهُ عَلَيْهِمْ) لم يقع هذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو تفسير أبي عبيدة أيضًا في قوله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103] أي موقتًا وقّته الله عليهم، وروى ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله (( موقوتًا ) )قال مفروضًا.
[1] كذا في العمدة، وفي تفسير ابن أبي حاتم وابن كثير وغيرهما (التحول) .