15 - (باب {وَإِذَا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أوِ الْخَوْفِ أذَاعُوا بِهِ} ) وقد سقط لفظ إلى قوله (( أذاعوا به ) )في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت.
ج 19 ص 306
قال الزَّمخشري في قوله تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ} هم قومٌ من ضعفة المسلمين الَّذين لم يكن فيهم خبرة الأحوال ولا استنباط الأمور، كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمنٍ وسلامةٍ أو خوف وخلل أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدةً، ويضعف بذلك قلوب المسلمين، ولو ردُّوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم وهم كبراء الصَّحابة البصراء بالأمور، أو الَّذين كانوا يؤمرون منهم (( لعلمه الَّذين يستنبطونه ) )؛ أي لعلم تدبُّر ما أخبروا به الَّذين يستنبطونه؛ أي يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها.
وفيه إنكارٌ على من يُبادر إلى الأمور قبل تحقُّقها فيُخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحَّةٌ. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( كفى بالمرء إثمًا أن يُحَدِّث بكلِّ ما سمع ) )رواه مسلم.
(أفْشَوْهُ) هذا تفسيرٌ من البُخاري، ونقله ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال حدثنا زكريا حدثنا إسحاق قرأت على أبي قُرَّة في «تفسيره» عن ابن جريج {أَذَاعُوا بِهِ} ؛ أي أفشوه؛ أي أعلنوه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقال ابنُ أبي حاتم رُوي عن عكرمة وعطاء الخراساني وقَتَادة والضَّحَّاك نحوه.
( {يَسْتَنْبِطُونَهُ} يَسْتَخْرِجُونَهُ) أشار به إلى أنَّ معنى قوله تعالى في الآية المترجم بها {يَسْتَنْبِطُونَهُ} «يستخرجونه» ، من الاستنباط، يُقال استنبط الماء من البئر إذا استخرجه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83] أي يستخرجونه، يُقال للرَّكية إذا استُخرج ماؤها هي نَبَط، والنَّبيط هو أوَّل ماءٍ خرج منها.
( {حَسِيبًا} كَافِيًا) أشار به إلى أنَّ معنى قوله {حَسِيبًا} في قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء 86] كافيًا، وسقط هذا في رواية أبي ذرٍّ.
( {إِلَّا إِنَاثًا} ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء 117] وفسَّره بقوله (يَعْنِي الْمَوَاتَ) وسقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ، والمراد بالموات ضدُّ الحَيَوان، ولهذا قال (حَجَرًا أوْ مَدَرًا وَمَا أشْبَهَهُ) قال أبو عبيدة في قوله تعالى {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} إلَّا الموات حجرًا أو مدرًا أو ما أشبه ذلك، وقال غيره قيل
ج 19 ص 307
لها إناثٌ؛ لأنَّهم سمَّوها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك من أسماء الإناث.
وعن الحسن البصري لم يكن حيٌّ من أحياء العرب إلَّا ولهم صنمٌ يعبدونه يُسمَّى أنثى بني فلان ويقولون إنهنَّ بنات الله.
وسيأتي في «الصافات» [خ¦4804 قبل] حكايةً عنهم أنَّهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وروي أنَّهم اتخذوا أربابًا، وصوروهنَّ صور الجواري، وقالوا هؤلاء يشبهنَ بنات الله الَّذي نعبده ليقرِّبونا إلى الله زلفى يعنون الملائكة.
وفي رواية عبد الله بن أحمد في «مسند أبيه» عن أبي بن كعب في هذه الآية قال مع كلِّ صنمٍ جنيَّةٌ، ورواته ثقاتٌ. ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم.
( {مَرِيدًا} مُتَمَرِّدًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء 117] وفسَّر قوله {مَرِيدًا} بقوله «متمردًا» ، وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه، ومعناه الخروج عن الطَّاعة. وروى ابن أبي حاتم من طريق قَتَادة في قوله {مَرِيدًا} قال متمرِّدًا على معصية الله تعالى، وسقط قوله {مَرِيدًا} متمردًا في رواية الكشميهني والحمويي.
وقال العيني كالحافظ العسقلاني لم يقع هذا إلَّا في رواية المستملي وحدَه.
( {فَلَيُبَتِّكُنَّ} بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ) أشار به إلى قوله تعالى حكايةً عن قول الشَّيطان {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء 118] أي حظًّا مقدَّرًا معلومًا {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} عن طريق الحقِّ {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} من طول العمر وبلوغ الأمل، وتوقع الرَّحمة للمذنب من غير توبةٍ، أو الخروج من النَّار بالشَّفاعة {وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء 119] وفسَّر قوله {فَلَيُبَتِّكُنَّ} بقوله «بتَّكه؛ أي قطَّعه» ، وقد كانوا يشقون أذني النَّاقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكرًا، وحرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها، ولا يردونها عن ماء ولا مرعى، وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى {فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء 119] بتَّكه قطَّعه، وقال عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتَادة كانوا يُبتكون آذان الأنعام لطواغيتهم.
( {قِيلًا} وَقَوْلًا وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء 122] وقال إنَّ قيلًا وقولًا واحدٌ؛ يعني كلاهما مصدران بمعنى واحد، وهو تفسير أبي عبيدة أيضًا، وأصل قيلًا قولًا قلبت الواو ياء لوقوعها بعد الكسرة وكذلك قال.
ج 19 ص 308
( {طَبَعَ} خَتَمَ) أشار به إلى قوله تعالى {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء 155] وفسَّره بقوله «ختم» ، وهكذا فسره أبو عبيدة ولم يذكر البُخاري رحمه الله في هذا الباب حديثًا.
قال الحافظُ ابن كثير فنذكر هنا يعني عند تفسير آية الباب حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه المتفق عليه (( حين بلغه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلَّق نساءه، فجاء من منزله حتَّى دخل المسجد فوجد النَّاس يقولون ذلك، فلم يصبر حتَّى استأذن على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستفهمه أطلقت نساءك؟ قال لا فقلت الله أكبر ) )وذكر الحديث بطوله.
وعند مسلمٍ (( فقلت أطلقتهنَّ؟ قال لا، فقمت على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي لم يُطلِّق نساءه، ونزلت هذه الآية {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83] وكنت أنا استنبطت ذلك الأمر ) ).
قال الحافظُ العسقلاني وأصل هذه القصَّة عند البُخاري [خ¦89] لكن بدون هذه الزِّيادة فليست على شرطه فكأنَّه أشار إليها بهذه التَّرجمة، انتهى.
وظاهر قول المفسرين أنَّ سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السَّرايا والبعوث بالأمن أو الخوف، وهو خلاف ما في حديث مسلمٍ، والله تعالى أعلم.