فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 11127

402 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو) بالواو (بْنُ عَوْنٍ) _ بفتح المهملة وسكون الواو وبالنون _، أبو عثمان الواسطي البزاز، بالزاي المكررة، نزيل البصرة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بالتصغير، هو ابن بشير _ بالموحدة المفتوحة _، وقد مر ذكره في أول كتاب التيمم [خ¦335] (عَنْ حُمَيْدٍ) بالتصغير أيضًا، هو الطويل، وقد تقدم ذكره [خ¦49] [خ¦195] (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية .

(قَالَ قَالَ عُمَرُ) هو ابن الخطاب، وفي رواية زيادة ، هو رواية صحابي عن صحابي، وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» أيضًا [خ¦4483] ، وكذا أخرجه النسائي وابن ماجه (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ) أي في ثلاث أمور.

وإنَّما لم يؤت بالتاء في ثلاث مع أنَّ الأمر مذكر؛ لأنَّ المميز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث، أو المعنى في ثلاث وقائع.

ثمَّ الأصل في الكلام أن يقال وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنَّه راعى الأدب، فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب، كذا قال الحافظ العسقلاني ومحمود العيني وغيرهما.

لكن قال صاحب (( اللامع ) )لا يحتاج إلى ذلك؛ فإنَّ من وافقك فقد وافقته. انتهى.

فإن قيل قد حصلت الموافقة له في أشياء غير الثلاث المذكورة في هذا الحديث

منها أسارى بدر، حيث كان رأيه أن لا يفدون، فنزلت {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال 67] . ومنها منع الصلاة على المنافقين، فنزلت {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة 84] . ومنها تحريم الخمر.

ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد عن أنس، قال قال عمر رضي الله عنه وافقت ربي [1] في أربع، وذكر ما في (( صحيح البخاري ) )، قال فنزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون 12] إلى قوله تعالى {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ} [المؤمنون 14] ، فقلت أنا {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون 14] ، فنزلت كذلك.

ومنها ما في شأن عائشة رضي الله عنها، لما قال أهل الإفك ما قالوا، فقال يا رسول الله؛ مَن زوجكها؟ فقال (( الله تعالى ) ). قال أفتظن أنَّ ربك دلَّس عليك فيها، سبحانك هذا بهتان عظيم. فأنزل الله ذلك. ذكره المحب الطبري في (( أحكامه ) ).

وقد ذكر أبو بكر بن العربي أنَّ الموافقة في أحد عشر موضعًا، ويشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححًا، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما نزل بالناس أمر قط

ج 3 ص 177

قالوا فيه، وقال فيه عمر رضي الله عنه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه. وهذا يدل على كثرة موافقته.

وقال الحافظ العسقلاني وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين خمسة عشر، فإذا كان كذلك، كيف يصح التنصيص على الثلاث؟.

فالجواب أنَّ التنصيص على العدد لا يدل على نفي الزائد. وقيل يحتمل أنَّه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد.

وفيه نظر؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه أخبر بهذا بعد موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يتجه ما ذكره. ويقال يحتمل أنَّ الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها لغرض له.

(قُلْتُ) وفي رواية بالفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) يقوم الإمام عنده، وجواب لو محذوف، ويجوز أن تكون للتمني، فلا تحتاج إلى جواب.

واختلفوا فيه، فقال ابن الصائغ وابن هشام هي قسم برأسها، لا تحتاج إلى جواب، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت.

وقال بعضهم هي لو الشرطية، أشربت معنى التمني.

وقال ابن مالك هي لو المصدرية، أغنت عن فعل التمني.

(فَنَزَلَتْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ) [البقرة 125] قال ابن الجوزي فإن قيل ما السر في أن عمر رضي الله عنه لم يقنع بما في شرعنا، حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم عليه السلام، وقد نهاه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مثل هذا، حين أتى بأشياء من التوراة؟.

فالجواب أنَّ عمر رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة 124] ، ثم سمع {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل 123] ، علم أنَّ الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره، ثم رأى أنَّ البيت مضاف إليه، وأنَّ أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني من البناء ليذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه. انتهى.

ولم تزل آثار قدمي إبراهيم عليه السلام ظاهرة فيه معروفًا عند العرب في جاهليتها.

ولهذا قال أبو طالب في قصيدته اللَّامية المعروفة

~وموطئ إبرَاهِيم فِي الصَّخرِ رطبَة على قَدَمَيهِ حافيًا غَير ناعلِ

وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا، كما قال عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد، عن شهاب، أنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم، قال رأيت المقام، فيه أصابعه وأخمص قدميه عليه السلام، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم.

وقال ابن جرير حدَّثنا بشر بن معاذ، ثنا يزيد بن زريع، نا سعيد عن قتادة {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة 125] ، إنَّما أمروا أن يصلوا عنده، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذه الأمة يمسحونها حتى اخلولق وانمحى.

(وَآيَة الْحِجَابِ) يجوز فيه الرفع والنصب والجر، أمَّا الرفع فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي وآية الحجاب كذلك.

والآخر أن يكون معطوفًا على مقدر تقديره، واتخاذ المصلى وآية الحجاب.

وأمَّا النصب فعلى الاختصاص.

وأمَّا الجر فعلى أنه معطوف على مقدر مجرور هو بدل من «ثلاث» ، والتقدير من ثلاثٍ؛ اتخاذ المصلى وآية الحجاب.

(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ) بالخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ) بفتح الموحدة، صفة مشبهة من بررت أبر، من باب علم يعلم، فأنا بَرٌّ وبارٌّ، ويجمع البر على الأبرار، والبار على البررة، وهو مقابل الفاجر.

(وَالْفَاجِرُ) من الفجور. قال الجوهري فجر فجورًا؛ أي فسق وكذب، وأصله الميل، والفاجر المائل.

(فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ) قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} ، يغطين وجوههَّن وأبدانهنَّ بملاحفهنَّ، إذا برزن لحاجة.

و (( من ) )للتبعيض، فإنَّ المرأة تُرخي بعض جلبابها، وتتلفع ببعض، {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} يُمَيَّزن عن الإماء والقينات، {فَلَا يُؤْذَيْنَ} ولا يؤذيهنَّ أهلُ الريبة بالتعرض لهنَّ {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} لما سلف، {رَحِيمًا} [الأحزاب 59] بعباده، حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها.

ج 3 ص 178

قال القرطبي وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاريًا فيه على عادة العرب، ولم يكن يخفى عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ حجبهنَّ خير من غيره، لكنه كان ينتظر الوحي، بدليل أنَّه لم يوافق عمر رضي الله عنه حين أشار بذلك، وكان الحجاب في السنة الخامسة، في قول قتادة.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى في السنة الثالثة، وعند ابن سعد في ذي القعدة سنة أربع.

وكان السبب في ذلك أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها، فأكل جماعة، وهي مولية بوجهها إلى الحائط، ولم يخرجوا فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يخرجوا، وعاد، فلم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب [خ¦4792] .

وقال القاضي عياض أمَّا الحجاب الذي خص به زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنَّ كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا إظهار شخصهنَّ إذا خرجن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، سترت شخصها حين خرجت، وبنيت عليها قبة لما توفيت، قال تعالى {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب 53] .

(وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَةِ) بفتح الغين المعجمة، وهي الحمية والأنفة، يقال رجل غيور، وامرأة غيور؛ لأنَّ فعولًا بمعنى فاعل، يستوي فيه المذكر والمؤنث، ويقال غِرت على أهلي، أغار غيرة، فأنا غائر وغيور للمبالغة.

(عَلَيْهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقُلْتُ لَهُنَّ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ الآيَةُ) {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن} [التحريم 5] على التغليب، أو تعميم الخطاب، وليس فيه ما يدل على أنَّه لم يطلق حفصة، وأنَّ في النساء خيرًا منهنَّ؛ لأنَّ تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلَّق بما لم يقع لا يجب وقوعه.

{مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ} مقرَّات مخلصات، أو منقادات مصدقات، {قَانِتَاتٍ} مصليات أو مواظبات على الطاعات، {تَائِبَاتٍ} عن الذنوب، {عَابِدَاتٍ} متعبِّدات، أو متذلِّلات لأمر الرسول، {سَائِحَاتٍ} صائمات، سُمِّي الصائم سائحًا؛ لأنَّه يسيح في النهار بلا زاد، أو مهاجرات {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} وسَّط العاطف بينهما لتنافيهما، ولأنَّهما في حكم صفة واحدة؛ إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار.

وقد ذكر البخاري رحمه الله في تفسير سورة البقرة [خ¦4483] بإسناده عن عمر رضي الله عنه قال وبلغني معاتبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض نسائه، فدخلت عليهنَّ، فقلت إن انتهيتنَّ، أو ليبدلنَّ الله رسوله خيرًا منكنَّ، حتى أتيت إحدى نسائه، فقالت يا عمر؛ أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهنَّ أنت؟ فأنزل الله تعالى {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} الآيةَ [التحريم 5] .

وأصل هذه القصة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه امرأةً امرأةً، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما عكة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسلِّمًا حبسته، وسقته منها، وأنَّ عائشة رضي الله عنها أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها حُضرة إذا دخل رسول الله على حفصة، فادخلي عليها، فانظري ماذا تصنع؟ فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت، فأرسلت إلى صواحبها، فقال إذا دخل عليكن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلن إنا نجد منك ريح مغافر، وهو صمغ العرفط، كريه الرائحة، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 3 ص 179

يكره ويشق عليه أن يوجد منه رائحة منتنة؛ لأنَّه يأتيه الملك، فدخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سودة، قالت فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله، ثم إني فرقت من عائشة، فقلت يا رسول الله؛ ما هذه الريح التي أجدها منك، أكلت المغافر؟ قال (( لا، ولكن حفصة سقتني عسلًا ) )، ثم دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهنَّ امرأة امرأة، وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة، فأخذت بأنفها، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما شأنك؟ ) )، قالت أجد ريح المغافر، أأكلتها يا رسول الله؟ قال (( لا، بل سقتني حفصة عسلًا ) )، قالت جرست إذًا نحله العرفط. فقال لها (( والله لا أطعمه أبدًا ) )، فحرمه على نفسه.

قالوا وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسم الأيام بين نسائه، فلما كان يوم حفصة، قالت يا رسول الله؛ إنَّ لي إلى أمي حاجة، نفقة لي عنده، فأذن لي أن أزورها، وآتي بها، فَأَذِن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جاريته مارية القبطية أم إبراهيم، وكان قد أهداها له المقوقس، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة، فوجدت الباب مغلقًا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي، فقال (( ما يبكيك؟ ) )، فقال إنَّما أذنتَ لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعتَ عليها في يومي، وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أليس هي جاريتي، قد أحلَّها الله لي؟ اسكتي، فهي عليَّ حرام، ألتمس بذاكَ رضاكِ، فلا تخبري بهذا امرأة منهن، وهو عندك أمانة ) ).

فلما خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت ألا أبشرك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرَّم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها. وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم تزل بنبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى حلف أن لا يقربها، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم 1] ، يعني العسل ومارية، ثم إنَّ عمر رضي الله عنه لما بلغه ذلك، دخل على نسائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوعظهنَّ، وزجرهنَّ، ومن جملة ما قال عسى ربه إن طلقكنَّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ. فأنزل الله هذه الآية. فهذا من جملة ما وافق عمر رضي الله عنه ربَّه، ووافقه ربُّه.

ج 3 ص 180

(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمد بن الحكم، المعروف بابن أبي مريم، وقد تقدم في كتاب «العلم» [خ¦103] ، ووقع في رواية ، وفي رواية أخرى .

(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) هو الغافقي، وقد مرَّ قريبًا [خ¦393] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) هو الطويل (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا) أي أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث (بِهَذَا) الحديث المذكور إسنادًا ومتنًا، فهو من رواية أنس عن عمر، لا من رواية أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفائدة إيراد هذا الإسناد ما فيه مِن تصريح حميد بسماعه له من أنس، فحصل الأمن من تدليسه. فإن قيل لِمَ لَم يعكس الأمر، بأن جعل هذا الإسناد أصلًا؟.

فالجواب أنهَّ لِمَا في يحيى من سوء الحفظ، ولهذا لم يحتج به البخاري، وإن أخرج له في المتابعات كما هنا.

وأما ما قيل من أنَّه لأنَّ ابن أبي مريم ما نقله بلفظ النقل والتحديث، بل ذكره على سبيل المذاكرة، فيعكر عليه رواية .

[1] في هامش الأصل ولقد وافق في ذلك عبد الله بن سعد بن أبي شرح القرشي أيضًا كان يكتب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما نزل قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} إلى قوله {خَلْقًا آخَرً} تعجب عبد الله من أطوار خلقة الإنسان فقال {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فقال عليه السلام (( اكتبها فكذلك نزلت ) )فشك عبد الله وقال لأن كان محمد صادق لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولأن كان كاذبًا لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم رجع مسلمًا قبل فتح مكة، ولكن شتان ما بين الموافقتين. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت