403 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ) هو ابن أنس الإمام، وفي رواية (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وقد مرَّ في باب «أمور الإيمان» [خ¦9] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما.
ورجال هذا الإسناد أئمة مشهورون. وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» [خ¦4491] ، ومسلم والنسائي في «الصلاة» ، والنسائي في «التفسير» أيضًا.
(قَالَ) أي أنَّه قال (بَيْنَا) قد مرَّ تحقيقه (النَّاسُ) مبتدأ خبره (بِقُبَاءٍ) بالمد والتذكير والصرف على الأفصح الأشهر، وفيه القصر والتأنيث والمنع أيضًا، وهو موضع معروف ظاهر المدينة، والمراد من الناس أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة، والمعنى هنا بينا الناس في مسجد قباء، وهم (فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ) ولمسلم (( في صلاة الغداة ) )، وهو أحد أسمائها.
وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك، ولا منافاة بين قوله هنا (( الصبح ) )وبين قوله في حديث البراء [خ¦399] (( العصر ) )؛ لأنَّ الخبر وصل وقت العصر إلى من هم داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هم خارجها وهم بنو عمرو بن عوف بقباء.
(إِذْ جَاءَهُمْ) أي أهلَ قباء، وهو جواب (( بينا ) )بـ (( إذ ) )وقد يجيء بـ (( إذا ) )، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ ولا إذا (آتٍ) اسم فاعل من أتى يأتي، وهذا الآتي هو عبَّاد _ بتشديد الموحدة _، ابن بِشر _ بكسر الموحدة وسكون المعجمة _، أو ابن نَهيك _ بفتح النون _، كما تقدم [خ¦399] .
(فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ) على صيغة المجهول (عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ) أطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه
ج 3 ص 181
مجازًا (قُرْآنٌ) بالتنكير، لإرادة البعضية، وفي رواية ، ولفظ القرآن يطلق على الكل والجزء، والمراد قوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية [البقرة 144] .
(وَقَدْ أُمِرَ) على صيغة المجهول؛ أي أُمِرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ) أي بأن (يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ) أي باستقبالها (فَاسْتَقْبَلُوهَا) على صيغة الجمع من الماضي؛ أي فاستقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم، ويحتمل أن يكون الضمير لأهل قباء، يعني حين سمعوا مِنَ الآتي ما بلَّغهم استقبلوا الكعبة.
وفي رواية الأَصيلي على صيغة الأمر، والأمر لأهل قباء من الآتي، ويؤيد هذه الرواية أنَّه عند المؤلف في (( التفسير ) )وقد أمر أن يستقبل القبلة، ألا فاستقبلوها [خ¦4490] . فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأنَّ الذي بعده أَمرٌ.
(وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ) أي وجوه أهل قباء، أو وجوه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه من الأصحاب رضي الله عنهم (إِلَى الشَّأمِ) هو من كلام ابن عمر رضي الله عنهما (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) وقد وقع بيان كيفية التحوُّل في حديث نويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، حيث قال فيه فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.
وقال الحافظ العسقلاني وتصويره أنَّ الإمام تحوَّل من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد؛ لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال، حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، والله أعلم.
ومن فوائد هذا الحديث أنَّ ما يؤمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلزم أمته. ومنها أن أفعاله يؤتسى بها كأقواله، حتى يقوم دليل على الخصوصية، ويجب القيام بها عند قيام الدليل على الوجوب، ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن.
ومنها أنَّ حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأنَّ أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة، مع كون الأمر باستقبال القبلة وقع قبل صلاتهم. ومنها قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأنَّ صلاتهم إلى بيت المقدس كان عندهم بطريق القطع، لمشاهدتهم صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جهته، ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر الواحد.
ويمكن أن يقال إنَّ الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت القطع عندهم بصدق المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. فافهم.
وقيل
ج 3 ص 182
كان النسخ بخبر الواحد جائزًا في زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلقًا، وإنما منع بعده، ويحتاج إلى دليل.
ومنها جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته، وقد تقدم الكلام فيه [خ¦401] .
وقد استنبط الطحاوي منه أنَّ من لم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له.
وأما مطابقة هذا الحديث للترجمة فمن حيث إنَّهم صلَّوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة، التي هي غير القبلة الواجب استقبالها، جاهلين بوجوبه، والجاهل كالناسي، حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم.
ولكن تعقبه الحافظ العسقلاني بأنَّه يمكن أن يفرق بينهما بأن الجاهل مستصحب للحكم الأول، يغتفر في حقه ما لا يغتفر في حق الساهي؛ لأنَّه إنما يكون عن حكم استقر عنده وعرفه.