فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 11127

405 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد الثقفي (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية رضي الله عنه.

وهذا الإسناد بعينه قد تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله [خ¦49] ، كذا في جميع الطرق بالعنعنة، لكن أخرجه عبد الرزاق، فصرح بسماع حميد عن أنس، فأمن تدليسه.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في كفارة البزاق في المسجد في باب إذا بدره البزاق وفي غيرها [خ¦410] [خ¦1213] [خ¦417] ، وكذا أخرجه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً) بضم النون، النخاعة، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ في رواية أخرى [خ¦417] ، يقال تنخم الرجل إذا تنخع.

وفي (( المطالع ) )النخامة ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللزج.

وفي (( النهاية ) )النخامة البزقة التي تخرج من الرأس، ويقال النخامة ما يخرج من الصدر، والبصاق ما يخرج من الفم، والمخاط ما يسيل من الأنف.

(فِي) أي في حائط من جهة (الْقِبْلَةِ) أي من قبلة المسجد (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى رُئِيَ) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء، وفي رواية _ بكسر الراء وسكون الياء وفتح الهمزة _؛ أي شوهد.

(فِي وَجْهِهِ) أثر تلك المشقة، وفي رواية النسائي عن أنس، قال (( رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نخامة في قبلة المسجد، فغضب، حتى احمر وجهه ) ). وفي رواية البخاري في الأدب (( فتغيظ على أهل المسجد ) ) (فَقَامَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَحَكَّهُ) أي أثَر النخامة (بِيَدِهِ، فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية بالواو.

(إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ) والفرق بين قام في الصلاة، وقام إلى الصلاة، أنَّ الأول بعد الشروع، والثاني عند الشروع (فَإِنَّهُ) الفاء جواب إذا، والجملة الشرطية قائمة مقام خبر المبتدأ (يُنَاجِي رَبَّهُ) من المناجاة.

قال النووي المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره، وتفريغه لذكر الله تعالى. انتهى.

وقال محمود العيني المناجاة والنجوى هو السر بين الاثنين، يقال ناجيته أي ساررته، وكذلك نجوته نجوىً، ومناجاة الرب مجاز؛ لأنَّ القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة؛ إذ لا كلام محسوسًا إلا من طرف العبد، فيكون المراد لازمُ المناجاة، وهو إرادة الخير.

ويجوز أن يكون

ج 3 ص 184

من باب التشبيه؛ أي كأنَّه يناجي ربه، والتحقيق فيه أنَّه شبَّه العبدَ وتوجهَه إلى الله تعالى في الصلاة، وما فيها من القراءةِ والأذكار، واستنزالِ رحمته ورأفته، مع الخضوعِ والخشوعِ، بمن يناجي مولاه ومالكُه، فمِن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه، ويُطرِق رأسه، ولا يمدَّ بصره إليه، ويراعيَ جهة أمامه، حتى لا يصدر من تلك الهنات شيءٌ، وإن كان الله تعالى منزهًا عن الجهات، لأنَّ الآداب الظاهرة والباطنة مرتبطٌ بعضها ببعض.

(أَوْ إِنَّ) كذا هو بالشك في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي بالواو (رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) ولا يصح حمل هذا الكلام على ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى منزه عن الحلول في المكان، فالمعنى على التشبيه؛ أي كأنه تعالى بينه وبين القبلة، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ) )، فيجب على المصلي إكرامُ قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتنخم في توجهك وتناجيك إلى شخص من المخلوقين، وأنت على قصد التعظيم، فكيف إلى الرب سبحانه وتعالى، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على من توجه إليه؟.

وقال الخطابي معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأنَّه مقصودُه بينه وبين قبلته، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البصاق ونحوه من أثقال البدن.

وقد تمسك به بعض المعتزلة القائلين بأنَّ الله في كل مكان، وهو جهل واضح؛ لأنَّ في الحديث أنَّه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه.

(فَلاَ يَبْزُقَنَّ) بالنون المؤكدة، وفي رواية (أَحَدُكُمْ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (قِبْلَتِهِ) التي عظمها الله تعالى، فلا تقابَلُ بالبزاق المقتضي للاستخفاف والاحتقار (وَلَكِنْ) يبزق (عَنْ يَسَارِهِ) أي لا عن يمينه، كما سيجيء تحقيقه (أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ) بالتثنية، وفي رواية بالإفراد؛ أي اليسرى، كما في حديث أبي هريرة في الباب الآتي [خ¦408] [خ¦409] ، وزاد أيضًا من طريق همام عن أبي هريرة (( فيدفنها ) ) [خ¦416] .

(ثُمَّ أَخَذَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) فيه البيان بالفعل، ليكون أوقع في النفس.

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا) أي كما فعلت، عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك؛ أي ولكن ليبزق أو يفعل هكذا، وليست كلمة (( أو ) )للشك، بل للتخيير؛ أي أنه مخير بين هذا وبين ذاك، أو للتنويع، إن حمل الأخير على ما إذا بدره البزاق.

ومن فوائد هذا الحديث تعظيم المساجد عن أثقال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى. ومنها احترام جهة القبلة. ومنها إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد. ومنها أنَّه إذا بزق يبزق عن يساره، ولا يبزق أمامه، تشريفًا للقبلة، ولا عن يمينه تشريفًا لليمين. وقد جاء في رواية البخاري (( فإنَّ عن يمينه

ج 3 ص 185

ملكًا )) [خ¦416] .

وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح (( لا يبزق عن يمينه، فعن يمينه كاتب الحسنات، ولكن يبزق عن شماله، أو خلف ظهره ) ).

قال محمود العيني وقوله (( فإن عن يمينه ملكًا ) )دليل على أنَّه لا يكون حالتئذ عن يساره ملك، لأنَّه في طاعة، فإن قيل يخدش في هذا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع ) ).

فالجواب أنَّ هذا حديث ضعيف، لا يحتج به. انتهى. وسيجيء ما يتعلق به إن شاء الله تعالى [خ¦416] .

وقال النووي هذا في غير المسجد، أما فيه فلا يبزق إلا في ثوبه، وفيه أن سياق الحديث على أنه في المسجد.

ثم اعلم أنَّ البصاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إليه أو لا، فإن احتاج بزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة، وعليه أن يكفِّر هذه الخطيئة بدفنه.

وقال القاضي عياض البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، فأمَّا من أراد دفنه فليس بخطيئة. وهذا غير صحيح، والحق ما تقدم. قاله محمود العيني.

واختلفوا في المراد بدفنه، فالجمهور على أنَّه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته، إن كانت فيه هذه الأشياء، وإلَّا يخرجها، وعن أصحاب الشافعي قولان؛ أحدهما إخراجه مطلقًا، وهو المنقول عن الروياني، فإن لم تكن المساجد تربة، وكانت ذات حصر، فلا يجوز احترامًا للمالية.

ومنها أنَّ البزاق طاهر، وكذا النخامة طاهرة، وليس فيه خلاف، إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي، أنَّه يقول البزاق نجس.

وقال القرطبي الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة، وأنَّ الدفن لا يكفيه، قيل هو كما قال، وقيل دفنه كفارة، وقيل النهي فيه للتنزيه، والأصح أنَّه للتحريم.

وفي (( صحيح ) )ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعًا (( من تفل تجاه القبلة، جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه ) ).

وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه ) ).

وروى أبو داود من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد، قال أحمد هو من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (( أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظر، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين فرغ لا يصلي لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم، فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

ج 3 ص 186

فقال نعم، وحسبت أنه قال إنك آذيت الله ورسوله )) ، والمعنى أنَّه فعل فعلًا لا يرضي الله ولا رسوله.

وفي رواية مسلم (( ما بال أحدكم يقوم، يستقبل ربَّه عزَّ وجلَّ، فيتنخع أمامه، أيحب أن يُسَتُقبلَ، فيتنخعَ في وجهه؟ ) ).

وفي رواية النسائي، عن أنس رضي الله عنه قال (( رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نخامة في قبلة المسجد، فغضب، حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أحسن هذا ) ).

وفي كتاب (( المساجد ) )لأبي نُعيم (( من ابتلع ريقه إعظامًا للمسجد، ولم يمحَ اسمًا من أسماء الله ببزاق، كان من خيار عباد الله ) ). وفي سنده ضرار بن عمرو، وفيه كلام.

وروى أحمد في (( مسنده ) )من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعًا بإسناد حسن (( من تنخَّم في المسجد، فليغيِّب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فيؤذيه ) ).

وروى أحمد أيضًا والطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا (( من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، فإن دفنه فحسنة ) ).

وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم، فليحفر، فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه، ثم ليخرج به ) ).

وقوله (( فإن لم يفعل ) )أي فإن لم يحفر، أو لم يمكن الحفر، فليبزق في ثوبه.

وفي حديث مسلم، عن أبي ذر رضي الله عنه (( ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد، لا تدفن ) ).

ومن هنا قال القرطبي فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونة.

وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة [1] (( أنَّه تنخم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها، حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء، فطلبها، حتى دفنها، ثم قال الحمد لله الذي لم يكتب عليَّ خطيئةً الليلة ) ).

[1] في هامش الأصل عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. نسخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت