فهرس الكتاب

الصفحة 6750 من 11127

4665 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المسندي السَّابق، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي نسخة أيضًا (يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بفتح الميم، أبو زكريا البغداي الحافظ المشهور إمام الجرح والتعديل المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة النبوية، وله بضعٌ وسبعون سنة. قال (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابنُ محمد المصيصي(قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ

ج 19 ص 531

وَكَانَ بَيْنَهُمَا)أي بين ابن الزُّبير وابن عباس رضي الله عنهم (شَيْءٌ) يعني ممَّا يصدر بين المتخاصمين، وقيل الَّذي وقع بينهما كان في بعض قراءات القرآن.

(فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ) أي له (أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ) بهمزة الاستفهام الإنكاري (فَتُحِلَّ) بالنَّصب من الإحلال (حَرَمَ اللَّهِ) بالنصب على المفعولية، ويروى أي من القتال في الحرم (فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (مَعَاذَ اللَّهِ) أي أتعوَّذ بالله من إحلال ما حرَّم الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أي قدَّر (ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ) أي مبيحين القتال في الحرم، وكان ابن الزُّبير يُسمَّى المحل، ولذلك قال الشاعر يتغزَّلُ في أخته رملة

~أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مَعْنَى غَزَلٍ بِحُبِّ الْمُحِلَّةِ أُخْتِ الْمُحِلّ

وإنَّما نسب ابن الزُّبير إلى ذلك وإن كان بنو أميَّة الَّذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه، وإنَّما بدأ منه أوَّلًا دفعهم عن نفسه؛ لأنَّه بعد أن ردَّهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه، فشرعَ فيما يؤذن بإباحة القتال في الحرم.

(وَإِنِّي) أي قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما وإنِّي (وَاللَّهِ لاَ أُحِلُّهُ) أي القتال فيه (أَبَدًا) وإن قوتلت فيه، وهذا مذهب ابن عبَّاس رضي الله عنهما (قَالَ) أي قال ابنُ أبي مليكة بالإسناد السَّابق قال أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (قَالَ النَّاسُ) والمراد بالنَّاس من كان من جهة ابن الزُّبير (بَايِعْ) أمرٌ من المبايعة (لاِبْنِ الزُّبَيْرِ) بالخلافة (فَقُلْتُ) القائل هو ابن عبَّاس رضي الله عنهما (وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ) أراد بالأمر الخلافة؛ يعني ليست بعيدةً عنه لما له من الشَّرف بأسلافه الَّذين ذكرهم، وفي رواية ابن قتيبة من طريق محمد بن الحكم عن عوانة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن الأعمش قال قال ابن عبَّاسٍ لمَّا قيل له بايع ابن الزُّبير أين أذهب عن ابن الزُّبير.

(أَمَّا أَبُوهُ) أي الزُّبير بن العوَّام (فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ) بذلك ابن عبَّاس رضي الله عنهما (الزُّبَيْرَ) وقد مضى في «مناقب الزُّبير» [خ¦3719] عن جابرٍ رضي الله عنهما قال قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًا، وإنَّ حواريَّ الزُّبير بن العوَّام ) ). والحَواري _ بفتح الحاء المهملة _ النَّاصر الخالص.

(وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ، يُرِيدُ) بذلك (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ) بالإفراد، ويُروى

ج 19 ص 532

وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها شقَّت نطاقها لسفرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسقائه عند الهجرة (يُرِيدُ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما بها (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما (وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، يُرِيدُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أخت أسماء رضي الله عنها (وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُرِيدُ خَدِيجَةَ) رضي الله عنها لأنَّها بنت خويلد، بن أسد، وهي أخت العوام بن خويلد وأطلق عليها عمَّته تجوُّزًا؛ لأنَّها عمَّة أبيه.

(وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَدَّتُهُ) أي أمُّ أبيه (يُرِيدُ صَفِيَّةَ) بنت عبد المطلب (ثُمَّ عَفِيفٌ) أي ثم هو عفيف (فِي الإِسْلاَمِ) انتقل من بيان نسبه الشَّريف إلى بيان صفاته الذَّاتيَّة الحميدة بكلمة «ثمَّ» التي هي للتراخي، وأراد بالعفَّة في الإسلام النَّزاهة عن الأشياء الَّتي تشين الرَّجل، والعفَّة أيضًا الكفُّ عن الحرام والسُّؤال من النَّاس.

(قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ) زاد ابن أبي خيثمة في «تاريخه» هنا (( وتركت بني عمي ) )أي أذعنت لابن الزُّبير وتركت بني عمي بني أمية (وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي) أي بنو أميَّة (وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ) أي بسبب القرابة، وذلك لأنَّ عبَّاسًا رضي الله عنه هو ابنُ عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف، وأميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، فعبد المطَّلب ابن عم أمية جد مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهذا شكرٌ من ابن عبَّاس رضي الله عنهما لبني أمية، وعتب على ابن الزُّبير.

(وَإِنْ رَبُّونِي) بتشديد الموحدة المضمومة، من الرَّبِّ بمعنى التَّربية؛ أي كانوا عليّ أمراء (رَبُّنِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ) بالرفع من قبيل أكلوني البراغيث، وأصله ربني أكفاء، وكذا وقع في رواية الكُشميهني [ بالإفراد] ، والأكفاء جمع كُفء وهو بمعنى النَّظير والمساوي، ومنه الكفاءة في النِّكاح، وكرام جمع كريم، وهو الجامعُ لأنواع الخير والشَّرف والفضائل، والحاصل ربُّوني أمثال في أنسابهم، كرام في أحسابهم.

وظاهر هذا أنَّ مراد ابن عبَّاس بالمذكورين بنو أسدٍ رهط ابن الزُّبير، وكلام أبي مخنفٍ الإخباري يدلُّ على أنَّه أراد بني أميَّة، فإنَّه ذكر من طريقٍ أخرى أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا حضرته الوفاة بالطَّائف جمع بنيه فقال يا بنيَّ إنَّ ابن الزُّبير لمَّا خرج بمكَّة شددت

ج 19 ص 533

أزره، ودعوت النَّاس إلى بيعته وتركت بني عمِّنا من بني أميَّة الَّذين إن قبلونا قبلونا أكفَّاء، وإن ربُّونا ربُّونا كرامًا، فلمَّا أصاب مَّا أصاب جفاني.

ويؤيِّد هذا ما في أواخر الرِّواية الثَّالثة [خ¦4666] حيث قال «وإن كان لا بدَّ لأن يربني بنو عمِّي أحبُّ إليَّ من أن يربني غيرهم» ، فإنَّ بني عمِّه هم بنو أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف كما تقدم، وكان هاشم وعبد شمس شقيقين. قال الشَّاعر

~عَبْدُ شَمْسٍ كَانَ يَتْلُو هَاشما وَهُمَا بَعْدُ لِأُمٍّ وَأَبِ

وأصرح من ذلك ما في خبر أبي مخنف فإنَّ في آخره أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لبنيه فإذا دفنتموني فالحقوا ببني عمِّكم بني أميَّة. وأصرح من ذلك ما في رواية ابن قتيبة أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لابنه علي الحق بابن عمِّك، فإنَّ أنفك منك، وإن كان أجدع، فلحق عليٌّ بعبد الملك وكان أبرَّ النَّاس عنده.

(فَآثَرَ) بالمد والمثلثة على صيغة الماضي، من الأثرة؛ أي اختار ابن الزُّبير بعد أن دعوت له، وتركت بني عمِّي علي. ووقع في رواية الكُشميهني بتحتانية ساكنة ثم نون وهو تصحيفٌ، وفي رواية ابن قتيبة (( فشددت على عضده فآثر عليَّ فلم أرض الهوان ) ).

(التُّوَيْتَاتِ) بضم المثناة الفوقية وفتح الواو وسكون الياء، جمع تويت مصغَّر توت، وهو تويت بن أسد، ويُقال تويت بن الحارث بن عبد العزَّى (وَالأُسَامَاتِ) بضم الهمزة، جمع أسامة نسبةً إلى بني أسامة بن أسد بن عبد العزى (وَالْحُمَيْدَاتِ) نسبةً إلى بني حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى، فهؤلاء الثَّلاثة من بني عبد العزَّى.

فائدة قال الفاكهي حدَّثنا الزبير بن بكار عن محمد بن الضَّحَّاك في آخرين أن زهيرَ بن الحارث دُفن في الحِجر قال وحدَّثنا الزبير قال كان حميد بن زهير أوَّل من بنى بمكَّة بيتًا مربعًا، وكانت قريش تكرهُ ذلك لمضاهاة الكعبة، فلما بنى حميد بيته قال قائلهم

~الْيَوْمُ يُبْنَى لِحُمَيْدٍ بَيْتَهُ إِمَّا حَيَاتَهُ وَإِمَّا مَوْتَهُ

فلمَّا لم يُصبه شيءٌ تابعوه على ذلك.

(يُرِيدُ أَبْطُنًا) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم الطاء المهملة، جمع بطن، وهو ما دون القبيلة وفوق الفخذ، ويجمع على بطون أيضًا، ولم يقل بطونًا لأنَّ الأول جمع قلَّةٍ، فعبَّر به تحقيرًا لهم (مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ) كذا وقع [1] ، قال القاضي عياض صوابه من بني أسد بني تويت [2] ،

ج 19 ص 534

وكذا وقع في «مستخرج أبي نعيم» على الصَّواب، وفي رواية أبي مخنف (( أفخاذًا صغارًا من بني أسد بن عبد العزى ) )وهو صوابٌ.

(وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي حُمَيْدٍ) وتجتمع هذه الأبطن مع خويلد بن أسد جدِّ ابن الزبير (إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ) بكسر الهمزة، يعني عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص نسبه إلى جدِّ أبيه (بَرَزَ) أي ظهرَ (يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ) بضم القاف وفتح الدال المهملة وقد تضم أيضًا، وقد تُسكَّن، وكسر الميم وتشديد التحتانية. قال الخطَّابي وغيره معناها التَّبختر. وقال أبو عبيد يعني يمشي التَّبختر ضربه مثلًا لركوبه معالي الأمور وسعيه فيها.

وقال ابنُ قتيبة القدميَّة هي التقدمة، وقال ابنُ الأثير الَّذي في البخاري القدميَّة معناه تقدمه في الشَّرف والفضل، والَّذي جاء في كتب الغريب اليقدميَّة بزيادة تحتانية في أوَّله ومعناها اليقدمة، وقيل التَّقدُّم بالهمَّة والفعل.

وفي «المطالع» رواه بعض الناس اليقدمية _ بفتح الدال وضمها _ والضم صحَّ لنا عن شيخنا أبي الحسن، وفي رواية أبي مخنف مثل ما وقع في الصَّحيح.

(يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَإِنَّهُ) أي ابن الزُّبير، كما فسَّره بعد (لَوَّى) بتشديد الواو للمبالغة وبتخفيفها (ذَنَبَهُ) أي ثناه وصرفه، يُقال لوى فلانٌ ذنبه ورأسه وعطفه إذا ثنَّاه وصرفه، وكنّى بذلك عن تأخُّره وتخلُّفه عن معالي الأمور. وقيل كنَّى به عن الجبن وإيثار الدَّعة، كما تفعل السباع إذا أرادت النَّوم، وقيل هو مثلٌ لترك المكارم والرَّوغان عن المعروف، وإيلاء الجميلِ، والأولى هو الأوَّل، قال الشَّاعر

~مَشَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَتْ أُمَيَّةُ حَتَّى أَحْرَزُوا الْقَصَبَاتِ

وقال الدَّاودي المعنى أنَّه وقف فلم يتقدَّم ولم يتأخَّر، ولا وضع الأشياء مواضعها، فأدنى النَّاصح، وأقصى الكاشح.

وقال ابن التِّين معنى لوَّى ذنبه لم يتمَّ له ما أراده، وفي رواية أبي مخنفٍ وإنَّ ابن الزُّبير يمشي القهقرى، وهو المناسب لقوله في عبد الملك يمشي القدميَّة وكان الأمر، كما قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فإنَّ عبد الملك لم يزل في تقدُّمٍ من أمره إلى أن استنقذَ العراق من ابن الزُّبير، وقتل أخاهُ مصعبًا، ثمَّ جهَّز العساكر إلى ابن الزُّبير بمكَّة، وكان من الأمر ما كان

ج 19 ص 535

ولم يزل ابن الزُّبير في تأخُّرٍ إلى أن قُتلَ رضي الله عنه.

ويمكن أن يكون وجه المطابقة في هذا الحديث للتَّرجمة وفي الحديث الَّذي قبله كونهما من رواية عبد الله بن محمَّدٍ، ويكتفى بهذا المقدار على أنَّ فيهما ذكر أسماء وعائشة رضي الله عنهما في معرض فضليهما، وهما بنتا أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه.

وفي التَّرجمة الإشعار بفضلِ أبي بكر رضي الله عنه.

[1] في القسطلاني كذا في غير ما فرع من الفروع المقابلة على أصل اليونيني، هكذا رأيتها فيه (بني تويت) .

[2] وفي الفتح (وصوابه يريد أبطنًا من بني تويت بن أسد. .. إلى آخرهنبه على ذلك عياض) . وفي القسطلاني وقال الحافظ ابن حجر (ابن تويت) كذا وقع أي في روايات البخاري، وصوابه (بني تويت) فيه عليه عياض وهو في المستخرج (بني) على الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت