فهرس الكتاب

الصفحة 6755 من 11127

4668 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة (أَبُو مُحَمَّدٍ) العسكري الفرائضي نزيل البصرة، قال (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الملقَّب بغُنْدر الهذلي مولاهم البصري (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابنُ مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هو عُقْبة _ بضم العين وسكون القاف _ ابن عمرو البدري الأنصاري، أنَّه قال (لَمَّا أُمِرْنَا) على البناء للمفعول (بِالصَّدَقَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الضمير، وقد تقدم في «الزكاة» [خ¦1415] بلفظ لما نزلت آية الصَّدقة (كُنَّا نَتَحَامَلُ) أي نتكلَّف بالحمل يُقال تحاملت الشَّيء؛ أي تكلَّفته، ومنه تحامل على فلانٍ؛ أي كلَّفه ما لا يُطيق، قاله صاحب «المحكم» . وقيل معناه يحمل بعضُنا لبعضٍ بالأجرة.

وقال البرماوي كالكرماني أي نتكلَّف في الحمل من حطبٍ وغيره، وزاد البرماوي وصوابه كنَّا نحامل كما تقدم في «الزكاة» [خ¦1415] من وجهٍ آخر عن شعبة بلفظ نحامل؛ أي نؤاجر أنفسنا في الحمل.

(فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين المهملة وكسر القاف (بِنِصْفِ صَاعٍ) أي من تمرٍ، وفي «الزَّكاة» [خ¦1415] (( بصاع ) )فيحتمل أنَّه غير أبي عقيل، أو هو هو ويكون أتى بنصفٍ ثمَّ بنصف. وقال الكرماني لا منافاة بين الشَّيء ونصفه، وهو من قبيل مفهوم العدد انتهى. واسمه حَبْحَاب _ بفتح الحائين المهملتين بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى _. وذكر السُّهيلي أنَّه رآه بخط بعض الحفَّاظ مضبوطًا بجيمين.

وقال الذَّهبي في «تجريد الصحابة» أبو عقيل صاحب الصَّاع الَّذي لمزه المنافقون، قال قتادة اسمه حبحاب. وقال أبو عمر في كتاب «الاستيعاب» قال ابن إسحاق أبو عقيل صاحب الصَّاع أحد بني أنيف الأرياشي حليف بني عَمرو بن عوف، أتى بصاع تمرٍ فأفرغه في الغرفة فتضاحك به المنافقون، وقالوا إنَّ الله لغنيٌّ عن صاع أبي عقيل.

وروى ابن جرير

ج 19 ص 539

بإسناده عن ابن أبي عقيل عن أبيه قال قلت يا نبيَّ الله بِتُّ أجرُّ الجرير [1] ؛ _أي الحبل_ على صاعين من تمر، فأمَّا صاعٌ فأمسكته لأهلي، وأمَّا صاع فهو هذا.

وفي رواية قال (( بِتُّ أجرُّ الجرير على ظهري صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرَّب به إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته فقال انثره في الصَّدقة، قال فسخر القوم؛ أي المنافقون، وقالوا لقد كان الله غنيًّا عن صدقة هذا المسكين ) ). وفي رواية (( فقال المنافقون إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، فأنزل الله تعالى {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة 79] الآيتين ) ).

وكذا رواه الطَّبراني من حديث زيد بن حباب به، وروى الطَّبراني في «الأوسط» وابنُ منده من طريق سعيد بن عثمان البلوي أنَّ صاحب الصَّاع الَّذي لمزه المنافقون هو سهلُ بن رافع، وكذا ذكر ابن الكلبي أنَّ سهل بن رافعٍ هو صاحب الصَّاع الَّذي لمزه المنافقون. وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة قال في قوله تعالى {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة 79] هو رفاعة بن سهل، ووقع عند ابن أبي حاتم رفاعة بن سعد، فيحتمل أن يكون تصحيفًا، ويحتمل أن يكون اسم أبي عقيل سهلًا، ولقبه حبحاب، أو هما اثنان.

وفي «الصحابة» أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلوي، بدريٌّ لم يسمِّه موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق، وسمَّاه الواقدي عبد الرحمن قال واستُشهد باليمامة، وكلام الطَّبري يدلُّ على أنَّه هو صاحب الصَّاع عنده، وتبعه بعض المتأخِّرين، والأوَّل أولى على ما قاله الحافظ العسقلاني.

وقد ثبت في حديث كعب بن مالكٍ في قصَّة توبته قال وجاء رجلٌ يزول به السَّراب، فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كن أبا خيثمة ) )فإذا هو أبو خيثمة، وهو صاحب الصَّاع الَّذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة من بني سالم من الأنصار، فهذا يدلُّ على تعدُّد من جاء بالصَّاع.

ويؤيِّد ذلك أنَّ أكثر الرِّوايات فيها أنَّه جاء بصاعٍ، وكذا تقدم في «الزكاة» [خ¦1415] . وجزم الواقدي بأنَّ الَّذي تصدَّق بماله هو زيد بن أسلم العجلاني، والَّذي جاء

ج 19 ص 540

بالصَّاع هو عُليَّة بن زيد الحارثي، ومن الَّذين قالوا إنَّ هذا مراء وإنَّ الله غنيٌّ عن صدقة هذا، مُعَتِّب بن بشير وعبد الله بن نَبْتَل.

(وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ) وتقدم في «الزكاة» [خ¦1415] بلفظ (( وجاء رجلٌ بشيءٍ كثيرٍ ) )وروى البزَّار من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( تصدَّقوا فإنِّي أريد أن أبعث بعثًا ) )قال فجاء عبد الرَّحمن بن عوف فقال يا رسول الله، عندي أربعة آلافٍ ألفين أقرضهما ربِّي، وألفين أمسكهما لعيالي فقال (( بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكت ) ).

وأخرج الطَّبري من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة والمعنى واحدٌ، قال وحثَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصَّدقة_يعني في غزوة تبوكٍ_فجاء عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه بأربعة آلافٍ فقال يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها، وأمسكت نصفها، فقال (( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيتَ ) )فبارك الله له حتَّى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف [2] الثَّمن على ثمانين ألف درهمٍ، وتصدَّق يومئذٍ عاصم بن عدي بمائة وسق [3] من تمر.

وأخرج الطَّبري أيضًا من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال جاء عبد الرَّحمن بن عوفٍ بأربعين أوقيةً من ذهب. وعند عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال جاء عبد الرَّحمن بن عوفٍ بأربعمائة أوقيةٍ من ذهب فقال إنَّ لي ثمانمائة أوقيةٍ من ذهب ... الحديث.

وأخرج عبد الرَّزاق عن معمر عن قتادة فقال ثمانية آلاف دينارٍ، ومثله لابن أبي حاتم من طريق مجاهد.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا اختلافٌ شديدٌ في القدر الَّذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحُّ الطُّرق فيه ثمانية آلاف درهم، وكذلك أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ عن أنسٍ رضي الله عنه أو غيره، والله تعالى أعلم.

ووقع في «معاني القرآن» أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حثَّ النَّاس على الصَّدقة، فجاء عمرُ رضي الله عنه بصدقة،

ج 19 ص 541

وعثمان رضي الله عنه بصدقةٍ عظيمة، وبعضُ أصحاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني عبد الرَّحمن بن عوف، ثمَّ جاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر فقال المنافقون ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلَّا رياءً، وأمَّا أبو عقيل فإنَّما جاء بصاعه ليذكر بنفسه ليُعطى من الصَّدقات فنزلت، أي أراد أن يذكر بنفسه ليعطى من الصَّدقات (فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلاَّ رِئَاءً، فَنَزَلَتْ {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة 79] ) وهم الَّذين يغزون بغير استعانةٍ برزق من سلطان أو غيره.

( {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} ) معطوف على {المُطَّوِّعين} ، وأخطأ من قال إنَّه معطوفٌ على {الَّذين يَلْمزُون} ؛ لاستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال معطوفٌ على (( المؤمنين ) )؛ لأنَّه يُفهم منه أنَّ الَّذين لا يجدون إلَّا جهدهم ليسوا بمؤمنين؛ لأنَّ الأصلَ في العطف المغايرة، فكأنَّه قيل الَّذين يلمزون المطوعين من هذين الصِّنفين المؤمنين، والَّذين لا يجدون إلَّا جهدهم، فكأن الأوَّل مطوعين مؤمنين، والثَّاني مطوعين غير مؤمنين، وليس بصحيحٍ، فالحقُّ أنَّه معطوفٌ على {المُطَّوِّعين} .

وحاصله أنَّهم يعيبون المياسير والفقراء، ويكون من عطف الخاصِّ على العام، والنُّكتة فيه التَّنويه بالخاص؛ لأنَّ السُّخرية من المقل أشدُّ من المكثر غالبًا، والله تعالى أعلم.

(الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وتمامها {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} يستهزئون بهم {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} جازاهم في سخريتهم كقوله {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة 15] . {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي على كفرهم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.

وقد مضى في كتاب «الزكاة» في باب (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) ) [خ¦1415] .

[1] في هامش الأصل والجرير حبل يُجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة والزمام، «قاموس» . الجرير حبل يجر به البعير يريد أنه كان يستقي الماء للناس بحبل كل يوم على أجرة صاعين من تمر، منه.

[2] في كتب السيرة (ربع الثمن) .

[3] في هامش الأصل الوسق ستون صاعًا أو حمل بعير، «قاموس» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت