فهرس الكتاب

الصفحة 6789 من 11127

3 - ( {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود 84] ) أي أرسلنا إلى أهلِ مدين أخاهُم من أنفسهم شعيبًا، وهو بدلٌ من «أخاهم» الذي هو منصوبٌ بأرسلنا المقدَّر، وشعيبٌ منصرف؛ لأنَّه علم عربي، وليس فيه علَّة أخرى.

وفي «صحيح ابن حبَّان» (( أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذرٍّ ) )، وكان لسانه العربية، أرسله الله إلى مدين بعد إبراهيم عليه السَّلام، وفي اسم أبيه أقوالٌ، والمشهور شعيب بن يوبب بن مدين بن إبراهيم عليه السَّلام، وقيل شعيب بن ميكيل بن يشجر بن [عنقًا بن] مدين، ومدين لا ينصرفُ للعلميَّة والعجمة، ثمَّ صار اسمًا للقبيلة، ثمَّ إنَّ مدين لما بنى بلدةً قريبةً من أرض معان من الأطراف بالشَّام ممَّا يلي ناحية الحجاز سمَّاها باسمه مدين.

(إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ) أراد أن معنى قوله {إِلَى مَدْيَنَ} إلى أهل مدين (لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ) فلا يمكن الإرسال إليه، ولا يكون الإرسال إلَّا إلى أهلها، فلذلك قدر المضاف، فليتأمَّل.

(وَمِثْلُهُ) أي ومثل {إِلَى مَدْيَنَ} قوله تعالى ( {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف 82] ) لأن معناه واسأل أهل القرية؛ لأن السُّؤال عن القرية لا يتصوَّر، وكذلك قوله (((وَاسأل العِيرَ ) )) تقديره وسلْ أصحاب العير، والعِير _ بكسر العين _ الإبل بأحمالها من عار يعيرُ إذا سار، وقيل هي قافلةُ الحمير فكثرت حتَّى سُمِّيت بها كلُّ قافلة، وإلى هذين التَّقديرين أشار بقوله (يَعنِي أَهْلَ القَرْيَةِ وَالعِيرِ) وهذا من كلام أبي عُبيدة. قال وقوله تعالى {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود 84] مدين لا ينصرف؛ لأنَّه اسم بلد مؤنَّث، ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير؛ أي وإلى أهل مدين، ومثله {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أهل القرية

ج 20 ص 16

{وَالْعِيرَ} [يوسف 82] أي من في العير.

( {وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا} تَقُولُ لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيهِ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ الرَّجلُ حاجَتَهُ ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلتَنِي ظِهْرِيًّا) أشار به إلى قوله تعالى {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [هود 92] ، وفسَّر قوله {ظِهْرِيًّا} بقوله «لم تلتفتوا إليه» ؛ أي جعلتُم أمر الله خلفَ ظهوركم تعظمون أمرَ رهطي، وتتركونَ تعظيمَ الله ولا تخافونه، وهو تفسير بالمعنى الغائي؛ لأن معنى قوله {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} جعلتموهُ وراءَ ظُهوركم، وجعل الشَّيء وراء الظَّهر عدم الالتفات إليه، وترك تعظيمه. والظِّهري منسوب إلى الظَّهر، وكسرة الظاء من تغييرات النَّسب. وقوله و «يقال إذا لم يقض الرَّجل حاجته» ؛ أي حاجة زيد مثلًا «ظهرت بحاجتي، وفي رواية أبي ذرٍّ باللام بدل الموحدة، كأنَّه استخفَّ بها وجعلها بظهرهِ، ولم يلتفت إليها (( وجعلتني ) )وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الفوقيَّة ظهريًا؛ أي خلفَ ظهره.

(وَالظِّهْرِيُّ هَاهنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ) عند الحاجة، إن أرادَ بقوله هاهنا تفسير الظِّهري الذي في القرآن، فلا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ تفسير الظِّهري هو الذي ذكره أولًا، وقال الزَّمخشري معنى قوله تعالى {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [هود 92] نسيتُموه وجعلتُموه كالشَّيء المنبوذ وراء الظَّهر لا يُعبأ به. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يريد ألقيتموهُ خلف ظُهوركم، وامتنعتُم من قتلي مخافةَ قومي، والله أكبر وأعزُّ من جميع خلقه. فالظِّهري بهذا المعنى غير المعنى الذي ذكره المفسِّرون في الآية الكريمة، نعم جاء الظِّهري أيضًا بهذا المعنى.

قال الجوهري الظِّهري _ بالكسر _ العُدَّة للحاجة إن احتيج إليه، وهذا يُؤيِّد المعنى الذي قاله، ومنه يُقال بعير ظَهِير بيِّن الظَّهارة إذا كان قويًا، وناقةٌ ظَهِيرة، قالَه الأصمعي. وقوله (( تستظهرُ به ) )أي تستعينُ به، ومنه يُقال فلان ظهرني على فلان، وأنا ظهرتك على هذا الأمر بمعنى الإعانة.

( {أَرَاذِلُنَا} سُقَّاطُنَا) بضم المهملة وتشديد القاف، وفي اليونينية بتخفيفها، وفي نسخة جمع سَقَط _ بفتحتين _ وهو الرَّديء الدَّنيء الخسيس. والأراذل جمع أرذل، وهو الرَّديء من كلِّ شيءٍ، وقيل جمع أرذُل _ بضم الذال _ جمع رَذْل، مثل كَلْب وأَكْلُب وأَكَالب، وقد أشار به إلى قوله تعالى في قصَّة نوح عليه السَّلام وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ

ج 20 ص 17

أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود 27] وهذا كلُّه من قوله {إِلَى مَدْيَنَ} [هود 84] إلى هنا ثابت في رواية الكُشميهني، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قولهم < {أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} > [هود 84] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت