418 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيِّسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان القرشي المدني (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه. وقد أخرج هذا الحديث مسلم في الصلاة أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي الوقت (قَالَ هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟) هو استفهام إنكار لما يلزم منه، والمعنى أتحسبون أنِّي لا أرى إلا ما في هذه الجهة، لكون قبلتي فيها؛ لأنَّ من استقبل شيئًا استدبر
ج 3 ص 197
ما وراءه، لكن بيَّن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة، بقوله
(فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلاَ خُشُوعُكُمْ) يعني إذا كنتُ في الصلاة مستدبرًا لكم، والمراد بالخشوع هو السجود؛ لأنَّه غاية الخشوع، ويجوز أن يراد به أعم من ذلك، فيتناول جميع أفعالهم في الصلاة، وعلى هذا ذَكَرَ الركوع لكونه من أكبر أركان الصلاة؛ وذلك لأنَّ الرجل ما دام في القيام لا يتحقق أنَّه في الصلاة، فإذا ركع يتحقق أنَّه فيها.
(إِنِّي) بكسر الهمزة، في مقام التعليل، وقيل بفتح الهمزة؛ أي لأني (لأَرَاكُمْ) بفتح اللام للتأكيد (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) قد اختلف العلماء في ذلك.
فقال قوم المراد بهذه الرؤية العلم، إما بطريق أنَّه كان يوحى إليه بيان كيفية فعلهم، وإمَّا بطريق الإلهام، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه لو كان ذلك بطريق العلم ما كانت فائدة في التقييد بقوله (( من وراء ظهري ) )، فافهم.
وقال قوم المراد بها أنَّه يرى مَن عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفاتٍ يسير في بعض الأحوال، وهذا أيضًا ليس بشيء، وهو ظاهر.
وقال الجمهور وهو الصواب إنَّه من خصائصه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنَّ رؤيته رؤية حقيقية، انحرفت له فيها العادة، ولهذا أخرج البخاري _ رحمه الله _ هذا في علامات النبَّوة. وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره.
وفيه دليل للأشاعرة، حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، وجوَّزوا إبصار أعمى الصين بقعة أندلس؛ فإنه لا يشترط للرؤية عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب؛ فلذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافًا للمعتزلة في الرؤية مطلقًا، وللمشبهة والكرامية في خلوِّها عن المواجهة والمكان؛ فإنهم إنما جوَّزوا رؤية الله تعالى لاعتقادهم كونه تعالى في الجهة والمكان تعالى الله عن ذلك.
وأمَّا أهل السنة فأثبتوا رؤية الله تعالى بالنقل والعقل، كما ذكر في موضعه، وبينوا بالبرهان على أنَّ تلك الرؤية مبرَّأة عن الانطباع، والمواجهة، واتصال الشعاع بالمرئي.
هذا؛ ثم إنهم اختلفوا في كيفية رؤية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خلف ظهره، فقيل كانت له عين خلف ظهره، يرى بها من ورائه دائمًا، وقيل كانت بين كتفيه عينان، مثل سم الخياط، يعني مثل حرت [1] الإبرة يبصر بهما، لا يحجبهما ثوب ولا غيره، وقيل كانت صورهم تنطبع
ج 3 ص 198
في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة عكوس الأشياء، فيشاهد بذلك أفعالهم.
ومن فوائد هذا الحديث أنَّه ينبغي للإمام إذا رأى أحدًا مقصِّرًا في شيء من أمور دينه، أو ناقصًا للكمال منه أن ينهاه عن فعله، ويحضه على ما فيه جزيل الحظ، ألا ترى أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف وبَّخ في نقص كمال الركوع والسجود، ووعظهم في ذلك بأنَّه يراهم من وراء ظهره، كما يراهم من بين يديه.
[1] كذا في الأصل و (خ) ، ولعل الصواب (( خرق ) ).