فهرس الكتاب

الصفحة 6929 من 11127

4750 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير _ بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا _ المخزومي مَولاهم المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ)

ج 20 ص 323

أي ابن العوَّام رضي الله عنه (وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) بفتح التحتية وقيل بكسرها (وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ) اللَّيثي (وَعُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين مصغرًا (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) أي الكذب الشَّديد والافتراء المزيد (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) بما أنزله في كتابه، قال الزُّهري (وَكُلٌّ) أي من الأربعة (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ) أي بعضًا منه، فجميعه عن مجموعهم لا أنَّ جميعه عن كلِّ واحدٍ منهم، وهذا هو مقول الزُّهري ... إلى آخرهِ، وفي رواية ابنِ إسحاق قال الزُّهري كلٌّ حدَّثني بعض هذا الحديث، وقد جمعتُ لك كلَّ الذي حدَّثوني، ولما ضمَّ ابن إسحاق إلى رواية الزُّهري عن الأربعة روايته عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، عن عمْرة، وعن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه كلاهما عن عائشة رضي الله عنها قال دخل حديث هؤلاء جميعًا فحدَّث بعضهم ما لم يُحدِّث صاحبه، وكل كان ثقة، وكلٌّ حدَّث عنها ما سمع، فذكره.

وقال القاضي عياض انتقدوا على الزُّهري ما صنعَه من روايته لهذا الحديث ملفَّقًا عن هؤلاء الأربعة وقالوا كان ينبغي له أن يفردَ حديث كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر، انتهى.

وقال الحافظُ العسقلاني وقد تتبَّعت طرقه فوجدته من رواية عروة على انفرادهِ، ومن رواية علقمة بن وقَّاص على انفرادِهِ، وفي سياق كلٍّ منهما مخالفات ونقص وبعض زيادة لما في سياق الزُّهري عن الأربعة، فأمَّا رواية عروة فأخرجها المصنِّف في «الشَّهادات» [خ¦2661] من رواية فليح بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عقب رواية فُليح عن الزُّهري قال مثله ولم يسق لفظه، وبينهما تفاوت كثير فكان فُليحًا تجوَّز في قوله مثله، وقد علَّقها المصنِّف كما سيأتي قريبًا [خ¦4757] لأبي أسامة [عن هشام بن عروة عن ابيه بتمامه] [1] عن مقاتل بن حيَّان _ وهو بالمهملة والتحتانية _ مرسلًا أيضًا، وسيذكر في أثناء هذا الحديث ما في رواية هؤلاء من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى.

ج 20 ص 324

(وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) قال الحافظُ العسقلاني كأنَّه مقلوب، والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدِّق بعضًا، ويُحتمل أن يكون على ظاهرهِ، والمراد أنَّ بعضَ حديث كلٍّ منهم يدلُّ على صدق الرَّاوي في بقيَّة حديثهِ لحسن سياقه، وجودة حفظهِ (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى) أي أحفظ (لَهُ) أي للحديث المذكور خاصة (مِنْ بَعْضٍ) وهو إشارة إلى أنَّ بعضَ هؤلاء الأربعة أمتن في سياق الحديث من بعض من جهة حفظِ أكثره لا أنَّ بعضَهم أضبط من بعض مطلقًا، ولهذا قال «أوعى له» ، وزاد في رواية فُليح «وأثبت اقتصاصًا» ؛ أي سياقًا، وقد وعيت عن كلِّ واحدٍ منهم الحديث الذي حدَّثني عن عائشة رضي الله عنها؛ أي القدر الذي حدَّثني به ليطابق قوله وكلٌّ حدَّثني طائفة من الحديث.

وحاصله أنَّ جميع الحديث عن مجموعهم لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحدٍ منهم كما تقدَّم، ووقع في رواية أفلح وبعض القوم أحسنُ سياقًا، وأمَّا قوله في رواية الباب [خ¦4750] الذي حدَّثني عروة عن عائشة رضي الله عنها فهكذا في رواية اللَّيث عن يونس، وأمَّا رواية ابن المبارك وابن وهب وعبد الله النُّميري فلم يقل واحدٌ منهم عن يونس الذي حدَّثني عروة، وإنَّما قالوا عن عائشة رضي الله عنها، فاقتضت رواية اللَّيث أنَّ سياق الحديث عن عروة، ويُحتمل أن يكون المراد أول شيءٍ منه، ويُؤيِّده أنه تقدَّم في «الهبة» [خ¦2593] ، وفي «الشَّهادات» [خ¦2688] من طريق يونس عن الزُّهري عن عروة وحده عن عائشة رضي الله عنها أوَّل هذا الحديث وهو القرعة عند إرادة السَّفر.

وكذلك أفردها أبو داود والنَّسائي من طريق يونس، وكذا يحيى بن يمان، عن مَعمر، عن الزُّهري، عن عروة عند ابنِ ماجه، والاحتمال الأوَّل أولى لما ثبت أنَّ الرُّواة اختلفوا في تقديم بعضِ شيوخ الزُّهري على بعضٍ، فلو كان الاحتمال الثَّاني متعينًا لامتنعَ تقديم غير عروة على عروة، ولأشعر أيضًا أنَّ الباقين لم يرووا عن عطاء نفسه قصَّة القرعة، وليس كذلك فقد أخرج النَّسائي قصَّة القرعة خاصة من طريق محمَّد بن علي بن شافع، عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله وحدَهُ عن عائشة رضي الله عنها.

(الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ)

ج 20 ص 325

أي ابن الزُّبير رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، ليس المراد أنَّ عائشة تروي عن نفسها، بل معنى قوله «عن عائشة» ؛ أي عن حديث عائشة رضي الله عنها في قصَّة الإفك ثمَّ شرع يُحدِّث عن عائشة رضي الله عنها، فقال (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ) ووقع في رواية فُليح (( زعموا أنَّ عائشة قالت ) )، والزَّعم قد يقعُ موقع القول، وإن لم يكن فيه تردُّد لكن لعلَّ السر فيه أنَّ جميعَ مشايخ الزُّهري لم يُصرِّحوا له بذلك، كذا أشار إليه الكرمانيُّ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) زاد مَعمر عند ابن ماجه (( سفرًا ) )؛ أي إلى سفر، فهو منصوبٌ بنزع الخافض، أو ضمَّن يخرجُ معنى يُنشئُ فيكون سفرًا نصبًا على المفعولية، وفي رواية فُليح وصالح بن كَيسان (( كان إذا أراد سفرًا ) ) (أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ لا أنَّه واجب، وفيه مشروعيَّة القرعةِ والرَّد على من منعَ منها، وقد تقدَّم التَّعريف بها، وحكمها في أواخر كتاب «الشَّهادات» ، في باب «القرعة في المشكلات» [خ¦2688] .

(فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التأنيث، ووقع في رواية الأصيلي من طريق فُليح بغير مثناة، والأوَّل أولى (خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ) أي في السَّفر (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق، وصرَّح بذلك محمَّد بن إسحاق في روايته، وكذلك أفلح بن عبد الله عند الطَّبراني، وعنده في رواية أبي أويس فخرجَ سهم عائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وعند البزَّار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأصابت عائشة القُرعة في غزوة بني المصطلق، وفي رواية بكر بن وائل عند أبي عَوَانة ما يُشعرُ بأنَّ تسمية الغزوة في حديث عائشة رضي الله عنها مدرجٌ في الخبر.

(فَخَرَجَ سَهْمِي) وعند ابنِ إسحاق فخرجَ سهمي عليهنَّ، هذا يشعرُ بأنها كانت في تلك الغزوة وحدَها، لكن عند الواقدي من طريق عبَّاد بن عبد الله عنها أنَّها خرجت معه في تلك الغزوة أيضًا أم سلمة رضي الله عنها، وكذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو ضعيفٌ، ولم يقع لأمِّ سلمة رضي الله عنها في تلك الغزوة ذكر، ورواية

ج 20 ص 326

ابن إسحاق من طريق عبَّاد ظاهرةٌ في تفرُّد عائشة رضي الله عنها بذلك ولفظه (( فخرجَ سَهمي عليهنَّ فخرجَ بي معه ) ) (فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا نَزَلَ الْحِجَابُ) أي بعد ما نزلَ الأمر بالحجابِ، والمراد حجاب النِّساء عن رُؤية الرِّجال لهنَّ، وكنَّ قبل ذلك لا يُمنعنَ، وهذا الذي قالتْه كالتَّوطئة للسبب في كونها كانت متستِّرة بالهودجِ حتَّى أفضى ذلك إلى تحميلهِ، وهي ليست فيه وهم يظنونَ أنها فيه بخلاف ما كان قبل الحجاب، فلعلَّ النِّساء حينئذٍ كنَّ يركبنَ ظهور الرَّواحل بغيرِ هوادجٍ أو يركبنَ الهوادج غير متستِّرات، فما كان يقع لها الذي وقع، بل كان الذي يخدمُ بعيرها يعرف إن كانت ركبت أم لا (فَأَنَا أُحْمَلُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ) على البناء للمفعول أيضًا، وفي رواية ابن إسحاق (( فكنتُ إذا رَحَّلوا بعيري جلست في هودجي، ثمَّ يأخذون بأسفل الهَوْدَج ) )وهو بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة وآخره جيم، محمل له قبة تستر بالثِّياب ونحوها يوضع على ظهرِ البعير يركب فيه النِّساء ليكون أستر لهنَّ، ووقع في رواية أبي أويس بلفظ المِحَفَّة.

(فَسِرْنَا) إلى بني المصطلق (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ) فيه حذف تقديره فسرنا وغنمنا أموالهم وأنفسهم إلى أن فرغ، وإنَّما اختصرت لأنَّ مرادها سياق قصَّة الإفك خاصَّة، وإنَّما ذكرت ما ذكرت ذلك كالتَّوطئة لما أرادت اقتصاصَه، ويُحتمل أن تكون ذكرت جميع ذلك فاختصرَهُ الرَّاوي للغرض المذكور، ويُؤيِّده أنَّه قد جاء عنها في قصَّة غزوة بني المصطلق أحاديث غير هذا، ويُؤيِّد الأوَّل أنَّ في رواية الواقدي عن عبَّاد قلت لعائشة رضي الله عنها يا أُمَّتاه حدِّثينا عن قصَّة الإفك قال نعم، وعندَه فخرجنَا فغنَّمه الله أموالهم وأنفسهم ورجعنا.

(وَقَفَلَ) بقاف ثمَّ فاء؛ أي رجعَ من غزوته (وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ) أي راجعين؛ أي أنَّ قصَّتها وقعت حال رجوعهم من الغزوةِ قرب دخولهم المدينة (آذَنَ) بالمد والتخفيف، وبغير مد والتشديد كلاهما بمعنى؛ أي أعلم (لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ) وفي رواية

ج 20 ص 327

ابن إسحاق (( فنزلَ منزلًا فبات به بعضُ اللَّيل، ثم آذن بالرَّحيل ) )ثمَّ في رواية بعضهم (( الرَّحيل ) )بغير موحدة وبالنصب، وكأنَّه حكاية قولهم الرَّحيل بالنصب على الإغراء (فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ) أي لقضاء حاجتي منفردة (فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) أي الذي توجَّهت بسببهِ وفرغت من قضاءِ حاجتي، ووقع في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما خلاف ما في الصَّحيح، وأن سببَ توجُّهها لقضاء حاجتها أنَّ رحلَ أمِّ سلمة رضي الله عنها مال فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلَهَا، فقلت إلى أن يُصلحوا رحلَها قضيتُ حاجتي، فتوجَّهت ولم يعلموا فقضيتُ حاجتي، فانقطعتْ قِلادتي فأقمتُ في جمعها ونِظامها، وبعثَ القوم إبلهم ومضوا ولم يعلموا بنزولي، وهذا شاذٌّ منكر.

(أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي) أي رجعت إلى المكان الذي كنت نازلة فيه (فَإِذَا عِقْدٌ) بكسر العين، قلادةٌ تُعلَّق في العنق للتزيُّن بها (لِي) وفي رواية فُليح (( فلمستُ صدرِي فإذا عقدِي ) ) (مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ) الجَزْع _ بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة _ خرز معروف في سوادِهِ بياض كالعروق.

قال ابنُ القطَّاع هو واحدٌ لا جمعَ له، وقال ابنُ سيده هو جمع، واحده جَزْعة، وهو بالفتح، فأمَّا الجِزْع _ بالكسر _ فهو جانب الوادي، ونقل كُرَاع أنَّ جانب الوادي بالكسر فقط، وأنَّ الآخر يُقال بالفتح وبالكسر، وأغرب ابن التِّين فحكى فيه الضم أيضًا، قال السَّفاقسي يوجدُ في معادن العقيق، ومنه ما يُؤتى به من الصِّين، قال وليس في الحجارةِ أصلبُ جسمًا منه، ويزدادُ حُسْنه إذا طُبخ بالزَّيت لكنَّهم لا يتيمَّنون بلبسهِ، ويقولون من لبسه كَثُرت همومُه، ورأى منامات رديَّة، وإذا عُلِّق على طفلٍ سال لعابه، ومن منافعه أنَّه إذا أُمِرَّ على شعر المطلقة سهلت ولادتها.

وأمَّا ظَفَارِ _ بفتح المعجمة وبالفاء وبعد الألف راء مكسورة _ مبنيًا كحضار، كذا وقعَ في رواية الكُشميهني، وكذا في رواية مَعمر وصالح، وفي رواية بزيادة الهمزة في أوَّله وتنوين الراء، وكذا في رواية فُليح، وقال ابنُ بطَّال الرِّواية أَظْفار بألف، وأهل اللُّغة لا يعرفونَه بألف ويقولون ظِفَار، قال ابنُ قتيبة جَزْعٌ ظفاريّ.

ج 20 ص 328

وقال القُرطبي وقعَ في بعضِ روايات مسلم (( أظفار ) )، وهي خطأ، قال الحافظ العسقلاني لكنَّها في أكثر روايات أصحاب الزُّهري حتى إن في رواية صالح بن أبي الأخضر عند الطَّبراني (( جَزْع الأظافير ) )قال فأمَّا ظَفَار _ بفتح الظاء المعجمة ثم فاء بعدها راء مبنية على الكسر _ فهي مدينة باليمن، وقيل جبل، وسُميت به المدينة وهي في أقصى اليمن إلى جهة الهند، وفي المثل من دخلَ ظَفَار تحمَّر؛ أي تكلَّم بالحِمْيرية؛ لأنَّ أهلها كانوا من حِمْير، وإن ثبتت الرِّواية أنَّه من جَزْع أظفار، فلعلَّ عقدها كان من الظُّفر أحد أنواعِ القُسْط، وهو طيِّبُ الرَّائحة يُتبخَّر به فلعلَّه مثل الخرز، فأطلقت عليه جَزْعًا تشبيهًا به، ونظمتْه قلادة إمَّا لِحُسن لونهِ ولطيبِ رائحتهِ، وقد حكى ابن التِّين أنَّ قيمته كانت اثني عشر درهمًا، وهذا يُؤيِّد أنَّه ليس جَزعًا ظفاريًا إذ لو كان كذلك لكانت قيمتُه أكثر من ذلك، ووقع في رواية الواقدي (( وكان في عُنُقي عقدٌ من جَزْع ظَفَار كانت أمِّي أدخلتني به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق (( قد انسلَّ من عنقي وأنا لا أدري ) ) (فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي) وفي رواية فُليح (( فرجعتُ فالتمستُ ) )، وفي رواية ابن إسحاق (( فرجعتُ عَوْدي على بدئي إلى المكان الذي ذهبتُ إليه ) )، وفي رواية الواقدي (( وكنت أظنُّ أن القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتَّى أكونَ في هودجي ) ) (وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي طلبه (وَأَقْبَلَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (الرَّهْطُ) هو عددٌ من ثلاثة إلى عشرة، وقيل غير ذلك، كما تقدَّم في أوَّل الكتاب في حديث أبي سفيان الطَّويل [خ¦7] .

قال الحافظُ العسقلاني لم أعرف منهم هاهنا أحدًا إلَّا أنَّ في رواية الواقدي أنَّ أحدهم أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى عنه عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما حديثًا في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته، أخرجه أحمد وغيره.

قال البلاذُري شهد أبو مُوَيهبة غزوة المريسيع كان يخدمُ بعير عائشة رضي الله عنها، وكان من مولدي بني مزينة، وكأنَّه في الأصل أبو مَوهوبة ويُصغَّر، فيُقال

ج 20 ص 329

أبو مُوَيهبة.

(الَّذِي) ويُروى (كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي) بفتح أوله والحاء المهملة بينهما راء ساكنة مع التخفيف؛ أي يشدُّون الرَّحل على بعيري، يُقال رحلت البعير إذا شددتُ عليه الرحل، ووقع في رواية أبي ذرٍّ هنا بالتشديد في هذا، وفي «فرحلوه» ، وقوله «لي» في رواية مَعمر «بي» بالباء، وحكى النُّووي عن أكثر نسخ مسلم (( يرحلون لي ) )قال وهو أجودُ، وقال غيره بالباء أجود؛ لأنَّ المراد وضعها، وهي في الهودجِ، فشبهت الهودجَ التي هي فيه بالرَّحل الذي يوضعُ على البعير.

(فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ) أي وضعوهُ، وفيه تجوُّز، وإنَّما الرَّحل هو الذي يُوضع على ظهرِ البعير، ثمَّ يُوضع الهودج فوقَه (عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ) أي عليه (وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا) وهذا كالتَّفسير لقولها وهم يحسبونَ أنِّي فيه (لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ) من التَّثقيل، وفي رواية فُليح [خ¦2661] (( لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهنَّ اللَّحم ) )، قال ابنُ أبي جمرة ليس هذا تكرارًا؛ لأنَّ كلَّ سمين ثقيلٌ من غير عكسٍ؛ لأنَّ الهزيل قد يمتلئُ بطنُه طعامًا، فيثقلُ بدنه، فأشارتْ إلى أن الشَّيئين لم يكونا في نساءِ ذلك الزَّمان.

وقال الخطَّابي معنى قولها «لم يغشهنَّ» ؛ أي لم يكثر عليهنَّ فيركب بعضُه بعضًا، وفي رواية مَعمر لم يَهْبِلنَ، وضبطه ابن الخشَّاب فيما حكاه ابنُ الجوزي بفتح أوله وسكون الهاء وكسر الموحدة، وبمثله القُرطبي لكن قال وضم الموحدة قال لأنَّ ماضيه بفتحتين مخففًا، وقال النُّووي المشهور في ضبطه ضم أوله وفتح الهاء وتشديد الموحدة، وبفتح أوله وثالثه أيضًا، وبضم أوله وكسر ثالثه، من الرباعي يُقال هَبَّله اللَّحم وأَهْبله إذا أثقله، وأصبح فلان مُهَبَّلًا؛ أي كثير اللَّحم أو وارم الوجه، وفي رواية ابن جُريج لم يُهَبِّلهنَّ اللَّحم.

وحكى القُرطبي أنها في رواية لابنِ الحذَّاء في مسلم أيضًا، وأشار إليها ابنُ الجوزي، وقال المُهَبَّل الكثير اللَّحم الثَّقيل الحركة من السِّمَن، وفلان مُهَبَّل؛ أي مُهَيَّج كأنَّ به ورمًا.

(إِنَّمَا تَأْكُلُ) بنون المتكلِّم مع الغير، وهي رواية الكُشميهني،

ج 20 ص 330

وفي رواية غيره كما في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، وفي نسخة القسطلاني بالتاء؛ أي تأكلُ المرأة منهنَّ (الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) بضم المهملة وسكون اللام ثم قاف؛ أي القليل، قال القُرطبي كأنَّ المراد الشَّيء القليل الذي يُسكنُ الرَّمق، كذا قال، وقد قال الخليل العلقة ما فيه بلغة من الطَّعام إلى وقت الغداء، حكاه ابن بطَّال، قال وأصلها شجر يبقى في الشِّتاء تَتَبلَّغ به الإبل حتى يدخلَ زمن الرَّبيع.

(فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ) وقع في رواية فُليح ومَعمر (( ثقل الهودج ) )والأوَّل أصح؛ لأنَّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، كأنَّها كانت فيه لخفَّة جسمها بحيث إنَّ الذين يحملون الهودجَ لا فرقَ عندهم بين وجودها وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها (( وكنت جاريةُ حديثة السِّن ) )؛ أي أنها مع نحافتها صغيرة السِّن فذلك أبلغُ في خفتها، وقد وُجهت الرِّواية الأخرى بأنَّ المراد لم يستنكروا الثقل الذي اعتادوهُ؛ لأنَّ ثقله في الأصل إنما هو ممَّا ركب الهودجَ منه من خشب وحبالٍ وستور وغير ذلك، وأمَّا هي فلشدَّة نحافتها كان لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقلٍ.

والحاصل أنَّ الثِّقل والخفَّة من الأمور الإضافيَّة فيتفاوتان بالنِّسبة، ويُستفادُ من ذلك أيضًا أنَّ الذين كانوا يرحلون بعيرها كانوا في غاية الأدب معها، والمبالغةُ في ترك التَّنقيب عمَّا في الهودج بحيث إنَّها لم تكن فيه وهم يظنُّون أنها فيه، وكأنَّهم جوَّزوا أنها نائمة، وقد وقعَ في الفرع مكان «حين» ، ولعلَّها سبق قلمٍ، فإن الذي في اليونينية «حين» وهو الظَّاهر.

(وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) فإنها دخلت على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في شوال، ولها تسعُ سنين، وأكثر ما قيل في المريسيع كما سيأتي أنَّها عند ابن إسحاق كانت في شعبان سنة ستٍّ، فتكون لم تكمل خمس عشرة، فإن كانت المريسيع قبل ذلك فتكون أصغر من ذلك، وقد تقدَّم الإشارة إلى فائدة ذكرها ذلك، قيل ويُحتمل أن تكون أشارتْ بذلك إلى بيان عُذْرها فيما فعلتْه من الحرصِ

ج 20 ص 331

على العِقْد الذي انقطعَ، ومن استقلالها بالتَّفتيش عليه في تلك الحالة، وترك إعلام أهلها بذلك، وذلك لصغر سنِّها وعدمِ تجاربها للأمورِ بخلاف ما لو كانت ليست صغيرة لكانت تتفطَّن لعاقبة ذلك، وقد وقعَ لها بعد ذلك في ضياع العقد أيضًا أنها أعلمتِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمره، فأقامَ بالنَّاس على غيرِ ماء حتى وجدته ونزلت آية التَّيمم.

(فَبَعَثُوا الْجَمَلَ) أي أثاروه (وَسَارُوا) وهم يظنُّون أنها فيه (فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ) أي ذهبوا ماضين، وهو استفعل من مرَّ (فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ) التي كانوا نازلين بها (وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ) وفي رواية فُليح (( فجئت منزلهم وليس فيه أحدٌ ) ) (فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي) بالتخفيف؛ أي قصدت منزلي، وفي رواية أبي ذرٍّ هنا بتشديد الميم الأولى، قال الدَّاودي ومنه قوله تعالى {وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة 2] .

قال ابنُ التِّين هذا على أنَّه بالتخفيف، انتهى، وفي رواية صالح بن كَيسان فتيمَّمْت منزلي.

(الَّذِي كُنْتُ بِهِ) قبله، ويُروى (وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقَدُونِي) بفتح القاف، وفي رواية أبي ذرٍّ بنونين لعدم الناصب والجازم، والأولى لغة، وقال الحافظُ العسقلاني فإمَّا أن تكون حذفت تخفيفًا أو هي مثقَّلة (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ) ووقع في رواية مَعمر (( فيرجعوا ) )بغير نون، وكأنَّه على لغة من يحذفها مطلقًا.

وقال القاضي عياض الظَّن هنا بمعنى العلم، وتُعقِّب باحتمال أن يكون على بابه، رويَ أنهم أقاموا إلى وقت الظُّهر، ولم يرجع أحدٌ منهم إلى المنزل الذي كانت به، ولا نُقل أنَّ أحدًا لاقاها في الطَّريق، لكن يُحتملُ أن يكونوا استمرُّوا في السَّير إلى قريب الظُّهر، فلمَّا نزلوا اشتغلوا بحطِّ رحالهم وربطِ رواحلهم، واستصحبُوا حالهم في ظنِّهم أنَّها في هودجها لم يفقدوها إلى أنْ وصلت إلى قُرب، ولو فقدوها لرجعوا كما ظنَّته، وقد وقع في رواية ابن إسحاق (( وعرفتُ أن لو افتقدُوني لرجعوا إلي ) )، وهذا ظاهر في أنَّها لم تتبعهم.

ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما بخلاف ذلك فإن فيه (( فجئت فاتَّبعتهم حتَّى أعييتُ فقمتُ على بعض الطَّريق، فمرَّ بي صفوان ) )، وهذا السِّياق ليس بصحيحٍ لمخالفته لما في الصَّحيح، وأنَّها

ج 20 ص 332

أقامت في منزلها إلى أن أصبحتْ، وكأنَّه تعارض عندها أن تتبعهم فلا تأمن أن يختلف عليها الطَّريق فتهلك قبل أن تُدركهم، ولا سيَّما وقد كانت في اللَّيل، أو تقيم في منزلها لعلَّهم إذا فقدوها عادوا إلى مكانها الذي فارقوها فيه، وهكذا ينبغي لمن فقد شيئًا أن يرجعَ بفكرهِ القهقرى إلى الحدِّ الذي يتحقَّق وجودُه، ثمَّ يأخذ من هناك في التنقيب عليه، وأرادت بمن يفقدُها من هو منها ينتسب كزوجها أو أبيها والغالب الأوَّل؛ لأنَّه كان صلى الله عليه وسلم من شأنه أن يسايرَ بعيرها ويتحدَّث معها، فكأنَّ ذلك لم يتَّفق له في تلك اللَّيلة، ولما لم يتَّفق ما توقَّعته من رجوعهم إليها ساق الله إليها من حملها بغير حولٍ منها ولا قوَّة.

(فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ) يُحتمل أن يكون سبب النَّوم شدَّة الغم الذي حصل لها في تلك الحالة، ومن شأن الغم وهو وقوعُ ما يُكره غلبة النَّوم بخلاف الهم، وهو توقُّع ما يُكره، فإنَّه يقتضي السَّهر، أو لما وقع من برد السَّحر مع رُطوبة بدنها وصغر سنِّها، وعند إسحاق (( فتلففتُ بجلبابي، ثمَّ اضطجعتُ في مكاني ) )أو أنَّ الله تعالى لطفَ بها فألقى عليها النَّوم لتستريحَ من وحشة الانفراد في البرية باللَّيل.

(وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) بفتح الطاء المهملة المشددة (السُّلَمِيُّ) بضم المهملة (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثة _ بضم الموحدة وسكون الهاء بعدها مثلثة _ ابن سليم، وذكوان بطن من بني سُليم كان صحابيًا فاضلًا، أول مشاهده عند الواقدي الخندق، وعند ابن الكلبي المريسيع، وسيأتي في أثناء شرح هذا الحديث ما يدلُّ على تقدُّم إسلامه.

ويأتي أيضًا بعد ستَّة أبواب [خ¦4757] قول عائشة رضي الله عنها أنَّه قتل شهيدًا في سبيل الله، ومرادها أنَّه قتل بعد ذلك لا أنَّه قتل في تلك الأيَّام، وقد ذكر ابنُ إسحاق أنَّه استشهد في غزاة أرمينية في خلافة عمر رضي الله عنه سنة تسع عشرة، وقيل بل عاش إلى سنة أربع وخمسين، واستُشهد بأرض الرُّوم في خلافة معاوية رضي الله عنه.

(مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ)

ج 20 ص 333

وفي رواية مَعمر قد عرَّس من وراء الجيش، وعرَّس _ بمهملات مشددًا _؛ أي نزل. قال أبو زيد التَّعريس النزول في السَّفر في أي وقت كان، وقال غيره أصله النُّزول في آخر اللَّيل في السَّفر للراحة، ووقع في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما بيان سبب تأخُّر صفوان، ولفظه (( وكان صفوان سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلَه على السَّاقة، وكان إذا رحل النَّاس قام يصلِّي ثمَّ اتبعهم فمن سقطَ له شيءٌ أتاه به ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وكان صفوان يتخلَّف عن النَّاس فيصيبُ القدح والإداوة والجراب ) )، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان فيحملُه فيقدم به فَيُعَرِّفه في أصحابه، وكذا في مرسل سعيد بن جُبير نحوه.

(فَأَدْلَجَ) بسكون الدال المهملة؛ أي سار من أوَّل اللَّيل، وبتشديدها من آخره، فعلى هذا ينبغِي أن يكون هنا بالتَّشديد؛ لأنَّه كان في آخر اللَّيل لكن التخفيف هو الذي رُوي هنا، وقيل هو؛ أي أدلج _ بالتخفيف _ كادَّلج _ بالتشديد _، وكذا قال الحافظ العسقلاني (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي) فكأنَّه تأخَّر في مكانه حتى قربَ الصُّبح، فركب ليظهر له ما سقطَ من الجيش ممَّا يُخفيه اللَّيل، ويُحتمل أن يكون سبب تأخُّره ما جرت به عادته من غلبة النوم عليه، ففي «سنن أبي داود» والبزَّار وابن سعد و «صحيح» ابن حبَّان والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد أنَّ امرأة صفوان بن المعطَّل جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله! إنَّ زوجي يضربني إذا صلَّيت، ويفطِّرني إذا صمت، ولا يُصلِّي صلاة الفجر حتَّى تطلع الشَّمس، قال وصفوان عنده، فسأله فقال أمَّا قولها «يضربني إذا صلَّيت» ، فإنها تقرأ بسورتي وقد نهيتها عنها، وأمَّا قولها (( يفطِّرني إذا صمتُ فأنا رجلٌ شاب لا أصبر، وأمَّا قولها إنِّي لا أصلي حتى تطلعَ الشَّمس، فإنَّا أهل بيت قد عُرِف لنا ذلك، فلا نستيقظ حتَّى تطلعَ الشمس ) ). الحديث.

قال البزَّار هذا الحديث كلامه منكرٌ، ولعلَّ الأعمش أخذَه عن غير ثقةٍ، فدلَّسه، فصار ظاهر سنده الصحَّة،

ج 20 ص 334

وليس للحديث عندي أصلٌ، انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني وما أعلَّه به ليس بقادحٍ؛ لأنَّ ابن سعد صرَّح في روايته بالتَّحديث بين الأعمش وأبي صالح، وأمَّا رجاله فرجال الصَّحيح، ولمَّا أخرجه أبو داود قال بعده رواه حمَّاد بن سلمة عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذه متابعة جيِّدة تؤذن بأنَّ للحديث أصلًا، وغفل من جعل هذه الطَّريقة الثانية علة للطَّريق الأولى، وأمَّا استنكار البزَّار ما وقع في متنه، فمراده أنَّه مخالفٌ للحديث الآتي قريبًا [خ¦4757] من رواية أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنه في قصَّة الإفك، قالت فبلغ الأمر ذلك الرَّجل فقال سبحان الله، والله ما كشفتُ كنفَ أنثى قط؛ أي ما جامعتُها.

والكَنَف _ بفتحتين _ الثَّوب السَّاتر، ومنه قولهم أنت في كنفِ الله؛ أي في سترهِ، والجمع بينه وبين حديث أبي سعيد رضي الله عنه على ما ذكر القُرطبي أنَّ مراده بقوله ما كشفتُ كنفَ أُنثى قط؛ أي بزنا.

قال الحافظُ العسقلاني وفيه نظرٌ؛ لأنَّ في رواية سعيد بن أبي هلال عن هشام بن عروة في قصَّة الإفك أن الرَّجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغه الحديث، قال والله ما أصبتُ امرأة قط حلالًا ولا حرامًا، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الطَّبراني (( وكان لا يقرب النِّساء ) )، فالذي يظهرُ أنَّ مراده بالنَّفي المذكور ما قبل هذه القصَّة، ولا مانعَ أن يتزوَّج بعد ذلك، فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه إلَّا بما جاء عن ابن إسحاق أنَّه كان حصورًا لكنَّه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصَّحيح.

ونقل القُرطبي أنَّه هو الذي جاءت امرأته تشكوهُ ومعها ابنان لها منه، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لهما (( أشبه به من الغراب بالغرابِ ) ). قال الحافظُ العسقلاني ولم أقفْ على مستند القُرطبي في ذلك، وسيأتي في كتاب «النِّكاح» [خ¦5825] أنَّ المقول فيه ذلك غير صفوان، وهو المعتمدُ إن شاء الله تعالى.

(فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ) السَّواد لفظ ضدُّ البياض، يُطلق على الشَّخص أيَّ شخص كان،

ج 20 ص 335

وكأنها قالت رأى شخص آدمي لكن لا يظهر أهو رجلٌ أم امرأة (فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي) هذا يُشعرُ بأنَّ وجهها لما نامت انكشفَ؛ لأنَّه قد تقدَّم أنها تلففت بجلبابها ونامتْ، فلمَّا انتبهتْ باسترجاع صفوان بادرتْ إلى تغطيةِ وجهها (وَكَانَ يَرَانِي) وفي رواية أبي ذرٍّ (قَبْلَ الْحِجَابِ) أي قبل نزول آية الحجاب، وهذا يدلُّ على قدم إسلام صفوان، فإن الحجاب كان في قول أبي عبيدة وطائفة في ذي القعدة سنة ثلاث، وعند آخرين سنة أربع وصحَّحه الدِّمياطي، وقيل بل كان فيها سنة خمس، وهذا ممَّا تناقض فيه الواقدي فإنَّه ذكر أنَّ المريسيع كانت في شعبان سنة خمس، وأنَّ الخندق كانت في شوال فيها، وأنَّ الحجاب كان في ذي القعدة منها مع روايته حديث عائشة رضي الله عنها هذا، وتصريحها فيه بأنَّ قصَّة الإفك التي وقعت في المريسيع كانت بعد الحجاب، وسلم من هذا ابنُ إسحاق، فإنَّ المريسيع عنده في شعبان لكن سنة ستٍّ، وسلم الواقدي من التَّناقض في قصَّة سعد بن معاذ الآتي ذكرها، نعم وسلم منه ابن إسحاق فإنه لم يذكر سعد بن معاذ في القصَّة أصلًا.

وممَّا يؤيد صحَّة ما وقع في هذا الحديث [أن الحجاب كان قبل قصة الإفك قول عائة أيضًا في هذا الحديث] [2] أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سأل زينبَ بنت جحشٍ عنها وفيه وهي التي كانت تُساميني من أزواجِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه وطفقتْ أختُها حَمَنة تُحاربُ لها فكلُّ ذلك دالٌّ على أنَّ زينب كانت حينئذٍ زوجته، ولا خلاف أنَّ آية الحجاب نزلتْ حين دخوله صلى الله عليه وسلم بها، فثبت أنَّ الحجاب قبل قصَّة الإفك.

(فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ) وهو قوله إنَّا لله وإنا إليه راجعون، وقد صرَّح به ابنُ إسحاق في روايته (حِينَ عَرَفَنِي) وكأنَّه شقَّ عليه ما جرى لعائشة رضي الله عنها، أو خشيَ أن يقعَ ما وقع، أو أنَّه اكتفى بالاسترجاع رافعًا به صوته عن مخاطبتها بكلام آخر صيانةً لها عن المخاطبة في الجملة، وقد كان عمرُ رضي الله عنه يستعملُ التَّكبير عند إرادة الإيقاظ، وفيه دَلالة على فطنةِ صفوان وحُسْن أدبه.

(فَخَمَّرْتُ) بتشديد الميم؛

ج 20 ص 336

أي غطَّيت (وَجْهِي بِجِلْبَابِي) بكسر الجيم، تعني الثَّوب الذي كان عليها (وَاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة الواو (مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً) كذا في رواية أبي ذرٍّ بصيغة المضارع إشارة إلى أنَّه استمرَّ منه ترك المخاطبة لئلا يُفهم أن لو عبَّرت بصيغة الماضي، كما في رواية غير أبي ذرٍّ اختصاص النَّفي بحالِ الاستيقاظ فعبَّر بصيغة المضارع.

(وَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً) ويُروى (غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حِيْنَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي، وفي رواية الكشميهني مكان حين. ووقع في رواية فُليح (( حتَّى ) )للأصيلي و للباقين، وكذا عند مسلم عن مَعمر، وعلى التَّقديرين فليس فيه نفي أنَّه كلمها بغير الاسترجاع؛ لأنَّ النَّفي على رواية «حين» ، مقيَّد بحال الإناخة، فلا يمنعُ ما قبل الإناخة ولا ما بعدها، وعلى رواية (( حتَّى ) )معناها بجميع حالاته إلى أن أناخَ، ولا يمنعُ ما بعد الإناخةِ، وقد فهم كثير من الشُّراح أنَّها أرادت بهذه العبارة نفيَ المكالمة البتَّة، فقالوا استعمل معها الصَّمت اكتفاء بقرائن الحال مبالغة منه في الأدبِ، وإعظامًا لها وإجلالًا، انتهى.

وقد وقع في رواية ابنِ إسحاق أنَّه قال لها ما خلفك، وأنَّه قال لها اركبي واستأخرَ. وفي رواية أبي أويس فاسترجعَ، وأعظم مكاني؛ أي حين رآني وحدِي، وقد كان يعرفني قبل أن يُضربَ علينا الحجاب، فسألني عن أمري فسترتُ وجهِي بجلبابي وأخبرتُه بأمرِي فقرب بعيرهُ، فوطئ على ذراعهِ، فولَّاني قفاهُ فركبت، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الطَّبراني وابن مَرْدويه فلمَّا رآني ظنَّ أني رجل، فقال يا نومان قمْ فقد سار النَّاس.

وفي مرسل سعيد بن جُبير عند ابنِ أبي حاتم فاسترجعَ ونزلَ عن بعيره، وقال ما شأنك يا أمَّ المؤمنين فحدَّثته بأمر القلادة.

(فَوَطِئَ عَلَى يَدَهَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ بالإفراد، وفي رواية غيره بالتثنية، وذلك ليكون أسهل لركوبها، ولا يحتاج

ج 20 ص 337

إلى مسِّها عند ركوبها، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فغطَّى وجهه عنها، ثمَّ أدنى بعيره منها ) ) (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ) حال كونه (يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ) هكذا وقع في جميع الرِّوايات إلَّا في مرسل مقاتل بن حيَّان عند الحاكم في «الإكليل» فإنَّ فيه أنَّه ركب معها مردفًا لها، والذي في الصَّحيح هو الصحيحُّ [3] .

(حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حال كونهم (مُوغِرِينَ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة؛ أي نازلين في وقت الوَغْرة _ بفتح الواو وسكون الغين _ وهي شدَّة الحرِّ لما تكون الشَّمس في كبد السَّماء، ومنه أُخذ وغر الصَّدر، وهو توقُّده من الغيظِ بالحقد، وأوغرَ فلان؛ أي دخلَ في ذلك الوقت كأصبحَ وأمسى، وقد وقع عند مسلم عن عبد بن حميد قال قلت لعبد الرَّزَّاق ما قوله «موغرين» ، قال الوَغْرة شدَّة الحر، ووقع في مسلم من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان موعزين _ بعين مهملة وزاي _، قال القُرطبي كأنَّه من وَعَزْت إلى فلان بكذا؛ أي تقدَّمت، والأوَّل أولى قال وصحَّفه بعضُهم بمهلتين وهو غلط.

قال الحافظُ العسقلاني ورُوي بتقديم الغين المعجمة وتشديد الواو، والتَّغوير النُّزول وقت القائلة، ووقع في رواية فُليح مُعَرِّسين _ بفتح العين المهملة وتشديد الراء ثمَّ سين مهملة _، والتَّعريس نزول المسافر في أواخر اللَّيل كما تقدَّم.

(فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) بالحاء المهملة، والظَّهِيرة _ بفتح المعجمة وكسر الهاء _ تأكيد لقوله «موغرين» ، فإن نحر الظَّهيرة أولها وهو وقت شدَّة الحرِّ، ونَحْر كلِّ شيء أوَّله كأنَّ الشَّمس لما بلغت غايتها في الارتفاع كأنَّها وصلت إلى النَّحر الذي هو أعلى الصَّدر، ووقع في رواية ابن إسحاق فوالله ما أدركنا النَّاس، ولا افتقدت حتَّى نزلوا واطمأنوا طلع الرَّجل يقودُني (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) في شأني بسبب الإفك، زاد صالح (( في شأني ) )، وفي رواية أبي أويس (( فهنالك قال فيَّ وفيه أهل الإفك ما قالوا ) )، فأبهمت القائل وما قال، وأشارت بذلك إلى الذين تكلَّموا بالإفك، وخاضوا في ذلك، فأمَّا أسماؤهم فالمشهور في الرِّوايات الصَّحيحة

ج 20 ص 338

عبد الله بن أُبيٍّ، ومِسْطح بن أُثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحَمْنة بنت جحش، وقد وقع في «المغازي» من طريق صالح بن كيسان عن الزُّهري [خ¦4141] قال قال عروة لم يُسمَّ من أهل الإفك إلَّا عبد الله بن أُبيٍّ، وحسَّان بن ثابت، ومِسْطح بن أُثاثة، وحَمْنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنَّهم عُصْبة كما قال الله تعالى، انتهى.

والعصبة من ثلاثة إلى عشرة، وقد يطلقُ على الجماعة من غير حصر في عدد، وزاد أبو الرَّبيع بن سالم فيهم تبعًا لأبي الخطَّاب بن دحية عبد الله وأبا أحمد ابنا جحش، وزاد فيهم الزَّمخشري زيد بن رِفاعة، قال الحافظُ العسقلاني ولم أره لغيره، وعند ابن مَرْدويه من طريق ابن سيرين حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفقَ على شخصين كانا عنده خاضا في أمرِ عائشة رضي الله عنها أحدهما مِسْطح، انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على تسمية رفيق مِسْطح، وأمَّا القول فوقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقال عبد الله بن أُبيٍّ [فجر بها ورب الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة، وشاع ذلك في العسكر، وفي مرسل سعيد بن جبير وقذفها عبد الله بن أبي] [4] فقال ما برئتْ عائشة من صفوان ولا برئ منها، وخاض بعضُهم وبعضهم أعجبه.

(وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) ويُروى ؛ أي تصدَّى لذلك، وتقلَّده وكبره؛ أي كبر الإفك، وكبر الشَّيء معظمه، وهو في قراءة الجمهور بكسر الكاف، وقرأ يعقوب وحميد الأعرج بضمها، قال الفرَّاء وهي قراءة جيدة في العربية، وقيل المعنى الذي تولى إثمه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) بالتنوين (ابْنَ سَلُولَ) صفة لعبد الله، وسَلول _ بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث _، اسم أمه، وقد اقتصر بعضهم من قصَّة الإفك على هذه القصَّة، كما تقدَّم في الباب الذي قبل هذا [خ¦4749] ، وسيأتي بعد أربعة أبواب [خ¦4754] نقل الخلاف في المراد بالذي تولى كِبْره في الآية، ووقع في «المغازي» [خ¦4141] من طريق صالح بن كيسان، عن الزُّهري، عن عروة قال أُخبرت أنَّه كان يُشاعُ ويُتحدَّث به عنده فيُقِرُّه _ بضم أوله وكسر القاف _ ويستمعه

ج 20 ص 339

ويَسْتوشيه _ بمهملة ثمَّ معجمة _؛ أي يستخرجه بالبحث عنه والتَّفتيش، ومنهم من ضبطه يَقُره _ بفتح أوله وضم القاف _، وفي رواية ابن إسحاق وكان الذي تولى كِبْر ذلك عبد الله بن أبي في رجال من الخزرج.

(فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) أي مرضتُ (حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ) بضم الياء، من الإفاضة؛ أي يخوضون في القول، يُقال أفاضَ في القول، إذا أكثر منه (فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) وفي رواية ابن إسحاق وقد انتهى الحديثُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبويَّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك، وفيه أنَّها مرضت بضعًا وعشرين ليلة، وهذا فيه ردٌّ على ما وقع في مرسل مُقاتل بن حيَّان أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول أهل الإفك وكان شديد الغَيرة قال لا تدخل عائشة رَحْلي، فخرجتْ تبكي حتَّى أتت أباها فقال أنا أحقُّ أن أُخرجك، فانطلقتْ تجولُ لا يؤويها أحدٌ حتَّى أنزلَ الله عذرها. وذلك باطلٌ، نبَّه عليه الحافظ العسقلاني، وقال وإنَّما ذكرته مع ظهور نكارتهِ لإيراد الحاكم له في «الإكليل» ، وتبعه بعض من تأخَّر غير متأمِّل لما فيه من النَّكارة والمخالفة للحديث الصَّحيح من عدة أوجه.

هذا ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما فشاع ذلك في العسكر، وبلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قدموا المدينة أشاع عبد الله بن أُبيٍّ ذلك في النَّاس، فاشتدَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(وَهْوَ يَرِيبُنِي) بفتح أوله، من الرَّيب، ويجوز الضم من الرُّباعي، يُقال رابه وأرابه بمعنى التَّشكيك؛ أي يشككني ويوهمني (فِي وَجَعِي أَنِّي) بفتح الهمزة (لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ) بضم أوله وسكون ثانيه وبفتحهما لغتان، والمراد الرِّفق، ووقع في رواية ابن إسحاق (( أنكرت بعض لطفه ) ) (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ) بكسر المثناة

ج 20 ص 340

الفوقية، وهي للمؤنث مثل ذاكم للمذكَّر، وفي رواية ابن إسحاق (( وكان إذا دخل قال لأمِّي وهي تمرضني كيف تيكُم ) )، واستدلَّت عائشة رضي الله عنها بهذه الحالة على أنها استشعرتْ منه بعض جفاءٍ، ولكنَّها لا تدري السَّبب ولا تبالغُ بالتَّنقيب عن ذلك حتَّى عرفته، ووقع في رواية أبي أويس إلَّا أنه يقول وهو مار (( كيف تيكُم؟، ولا يدخلُ عندي ولا يعودني، ويسأل عنِّي أهل البيت ) )، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( وكنتُ أرى منه جفوةً ولا أدري من أيِّ شيء ) ).

(ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ) الذي يقوله أهل الإفك، وسقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ (حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ) بفتح القاف وقد تكسر والأوَّل أشهر؛ أي أفقت من مرضي ولم تكمل لي الصِّحة، والناقِه _ بكسر القاف _ [الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته، وقيل إن الذي بكسر القاف] [5] بمعنى فهمت، لكنه هنا غير متوجه؛ لأنها ما فهمتْ ذلك إلَّا فيما بعد، وقد أطلق الجوهريُّ وغيره أنَّ فتح القاف وكسرها لغتان في برأ من المرض، وهو قريبُ العهد لم يرجع إليه كمال صحَّته (فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملة، واسمها سلمى (قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة المَنَاصع _ بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان _ صعيد أفيح خارج المدينة، وفي رواية أبي أويس (( فقلت يا أمَّ مسطح خُذِي الإداوةَ فأملئيها ماءً فاذهبي بنا إلى المناصع ) ).

(وَهْوَ مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الراء قبل الزاي، موضع التبرُّز، وهو الخروج إلى البراز، وهو الفضاء، وكله كناية عن الخروج إلى قضاء الحاجة (وَكُنَّا لاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) بضمتين، جمع كنيف وهو السَّاتر، والمراد به هنا المكان المتَّخذ لقضاء الحاجة، ويُروى بالنون ونصب الكنف، وفي رواية ابن إسحاق (( الكنف التي تتخذها الأعاجم ) ) (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ)

ج 20 ص 341

بضم الهمزة وتخفيف الواو، صفة العرب، وبفتح الهمزة وتشديد الواو صفة الأمر، قال النَّووي كلاهما صحيحٌ، تريد أنهم لم يتخلَّقوا بأخلاق العجم، وقد ضبطه ابنُ الحاجب بالوجه الثَّاني، وصرَّح بمنع وصف الجمع باللَّفظ الأوَّل، ثمَّ قال إن ثبتت الرِّواية خُرِّجت على أن العرب اسم جمعٍ تحته جموعٌ فتصير مفردة بهذا التَّقدير.

(فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ) وفي رواية فُليح [خ¦2661] (( في البَرِّية ) )بفتح الموحدة وتشديد الراء ثمَّ التحتانية «أو في التنزه» بمثناة ثمَّ نون ثمَّ زاي ثقيلة، هكذا على الشَّك، والتَّنزه طلب النَّزاهة، والمراد البُعد عن البيوت خارجًا عن المدينة بعيدًا عن المنازل (فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم (وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ) بضم الراء وسكون الهاء، واسم أبي رُهْم أُنيس (ابْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) كذا هنا، ولم ينسبه فليح، وفي رواية صالح (( بنت أبي رهم بن عبد المطَّلب بن عبد مناف ) )وهو الصَّواب، كذا قال الحافظُ العسقلاني (وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ) أي ابن كعب بن سعد بن تيم، من رهط أبي بكر رضي الله عنه (خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله عنه، اسمها رائطة، حكاه أبو نُعيم.

(وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ) بضم الهمزة ومثلثتين مخففتين بينهما ألف، ابن عبَّاد بن المطَّلب، فهو مطلبي من أبيه وأمه، والمِسطح عود من أعواد الخباء، وهو لقبٌ، واسمه عوف، وقيل عامر، والأوَّل هو المعتمد، وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال أبو بكر يُعاتب مسطحًا في قصَّة عائشة رضي الله عنها

يا عوف ويحك، هلَّا قلت عارِفةً من الكلام، ولم تبتغ به طمعًا

الأبيات، وكان هو وأمُّه من المهاجرين الأوَّلين، وكان أبوه مات وهو صغيرٌ، فكفلَه أبو بكر رضي الله عنه (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ) بكسر القاف؛ أي جهة (بَيْتِي وَقَدْ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بدون الواو (فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ)

ج 20 ص 342

بالمهملة والمثلثة (أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم؛ أي كسائها، وهو من صوف أو خزٍّ أو كتَّان أو إزار، وفي رواية مِقْسم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها وَطِئت على عظم أو شوكة، وهذا ظاهرهُ أنَّها عثرت بعد أن قضتْ عائشة رضي الله عنها حاجتها ثمَّ أخبرتها الخبرَ بعد ذلك، لكن في رواية هشام بن عروة الآتية قريبًا [خ¦4757] (( أنَّها عثرتْ قبل أن تقضيَ عائشة رضي الله عنها حاجتها ) )، وأنَّها لما أخبرتها الخبر رجعتْ كأن الذي خرجتْ له لا تجد منه قليلًا ولا كثيرًا.

وكذا وقع في رواية ابن إسحاق قالت (( فوالله ما قدرتُ أن أقضيَ حاجتي ) )، وفي رواية أبي أويس (( فذهبَ عنِّي ما كنتُ أجد من الغائط، ورجعتُ عَودي على بدئي ) )، وفي حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما (( فأخذَتْني الحمَّى، وتقلَّص ما كان منِّي ) )، ويُجمع بينهما بأنَّ معنى قولها «وقد فرغنا من شأننا» ؛ أي من شأنِ المسير لا قضاء الحاجة، ووقع في رواية هشام بن عروة أيضًا [خ¦4757] أنَّها عثرت ثلاث مرَّات.

(فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ) بفتح المثناة الفوقية وكسر العين المهملة وبفتحها أيضًا، وبه قيَّده الجوهري، وكلام ابن الأثير يقتضي أن الأعرف كسرها وبعدها سين مهملة؛ أي كُبَّ لوجههِ، أو هلكَ، أو لزمه الشر، أو بَعُدَ، أقوال (فَقُلْتُ) أي قالت عائشة رضي الله عنها فقلت (لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا) وفي رواية هشام بن عروة [خ¦4757] (( أنَّها عثرتْ ثلاث مرَّات كل ذلك تقول تعس مِسْطح ) )، وأنَّ عائشة رضي الله عنها تقول لها أيْ أم أتسبِّين ابنَك، وأنَّها انتهرتها في الثالثة، فقالت والله ما أسبُّه إلَّا فيك، وعند الطَّبراني فقلت أتسبِّين ابنكِ وهو من المهاجرين الأوَّلين، وفي رواية ابنِ حاطب عن علقمة بن وقَّاص فقلت أتقولين هذا لابنك وهو صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلت مرَّتين، فأعدتُ عليها، فحدَّثتني الخبر، فذهبَ عني الذي خرجت له حتَّى ما أجدُ منه شيئًا.

قال أبو محمَّد بن أبي جمرة يُحتملُ أن يكون قول أم مِسْطح هذا عمدًا لتتوصل إلى إخبارِ عائشة

ج 20 ص 343

رضي الله عنها بما قيل فيها وهي غافلةٌ، ويُحتمل أن يكون اتِّفاقًا أجراهُ الله على لسانها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت