فهرس الكتاب

الصفحة 6930 من 11127

(كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ما فارق مجلسه،

ج 20 ص 364

ومصدره الريم _ بالتحتانية _، وأمَّا رام بمعنى طلب فمصدره الرَّوم، وحذف في هذه الرِّواية مفعوله، ووقع في رواية صالح وفُليح ومَعمر وغيرهم مجلسه (وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ) أي الذين كانوا حينئذٍ حضورًا، ووقع في رواية أبي أسامة وأنزلَ الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته (حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ) بضم الموحدة وفتح الراء ثمَّ مهملة ثمَّ مد، هي شدَّة الحمَّى، وقيل شدَّة الكرب، وقيل شدَّة الحر. ومنه برح بي الهم إذا بلغ منِّي غايته، ووقع في رواية إسحاق بن راشد وهو العرق، وبه جزم الدَّاودي وهو تفسيرُ باللازم غالبًا؛ لأنَّ البُرحاء شدَّة الكرب، ويكون عنه العرق غالبًا، وفي رواية ابن حاطب وشخص بصره إلى السَّقف، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها عند الحاكم فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخذهُ السبل، وفي رواية ابن إسحاق فسُجِّي بثوب، ووضعت تحت رأسهِ وسادة من أدم.

(حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) ويُروى بالنون (مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ) بضم الجيم وتخفيف الميم، اللؤلؤ، قال الشاعر

~كَجُمَانَةُ الْبَحْرِيِّ جَاءَ بِهَا غَوَّاصُهَا مِنْ لُجَّةِ الْبَحْرِ

وقيل حبٌّ يُعمل من الفضَّة كاللؤلؤ، وقال الدَّاودي خرز أبيض، والأوَّل أولى.

(مِنَ الْعَرَقِ) شبهت قطرات عرقهِ صلى الله عليه وسلم بالجُمان لتشابههما في الصَّفاء والحسن (وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ) على البناء للمفعول، وثِقَل _ بكسر المثلثة وفتح القاف _، وزاد ابن جُريج في روايته قال أبو بكر فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخشى أن ينزلَ من السَّماء ما لا مردَّ له، وأنظرُ إلى وجه عائشة فإذا هو مُفِيق فيُطمعني ذلك فيها.

وفي رواية ابن إسحاق فأمَّا أنا فوالله ما فزعتُ قد عرفت أنِّي بريئة، وأنَّ الله غير ظالمي، فأمَّا أبواي فما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى ظننت

ج 20 ص 365

لتخرجنَّ أنفسهما فرقًا من أن يأتيَ من الله تحقيق ما يقول النَّاس، ونحوه في رواية الواقديِّ.

(قَالَتْ فَلَمَّا سُرِّيَ) بضم المهملة وكسر الراء المشددة؛ أي كُشف (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرِّيَ عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ) أي سرورًا، والجملة حالية (فَكَانَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (أَوَّلُ) لم تضبط اللام في «أوَّل» في الفرع ولا في أصله (كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ) بتشديد الميم (فَقَدْ بَرَّأَكِ) أي بالقرآن ممَّا قاله أهلُ الإفك فيك، وفي رواية صالح بن كيسان إذ قال (( يا عائشة ) )، وفي رواية فُليح (( أن قال لي [يا عائشة، يا عائشة، أحمدي الله فقد برأك] ) )، وفي رواية مَعمر (( أبشري ) )، وكذا في رواية هشام بن عروة، وعند التِّرمذي من هذا الوجه (( أبشري يا عائشة فقد أنزلَ الله براءتك ) )، وفي رواية عمر بن أبي سلمة (( فقال أبشري يا عائشة ) ).

(فَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أُمِّي) أي أم رومان (قُومِي إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم لأجل ما بشرك به (قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَقُلْتُ وَاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ) وفي رواية صالح (( فقالت لي أمي قومي إليه، فقلت والله لا أقوم إليه، فإنِّي لا أحمدُ إلَّا الله ) )، وفي رواية هشام بن عروة (( وكنت أشدُّ ما كنتُ غضبًا، فقال لي أبواي قومي إليه، فقلت لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمدُه، ولا أحمد إلَّا الله الذي أنزل براءتي ) ).

وفي رواية الطَّبري من هذا الوجه (( أحمد الله لا إيَّاكما ) )، وفي رواية ابن جُريج (( فقلت بحمد الله وذفِّكما ) )، وفي رواية أبي أويس (( نحمدُ الله لا نحمدكُم ) )، وفي حديث أمِّ رومان، وكذا في حديث أبي هريرة فقالت (( نحمدُ الله لا نحمدك ) )، ومثله في رواية عمر بن أبي سلمة، وكذا عند الواقدي، وفي رواية ابن حاطب (( نحمدُ الله لا نحمدك ولا نحمدُ أصحابك )

ج 20 ص 366

وفي رواية مقسم والأسود، وكذا في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا نحمدُك ولا نحمدُ أصحابك ) )، وزاد في رواية الأسود، عن عائشة رضي الله عنها وأخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانتزعتُ يدي منه، فنهرني أبو بكر رضي الله عنه وعُذْرها في إطلاق ذلك ما ذكر من الذي خامرهَا من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحقُّقهم حسن طريقتها، قال ابنُ الجوزي إنَّما قالت ذلك إدلالًا كما يدلُّ الحبيب على حبيبه.

وروى الطَّبري وأبو عَوَانة من طريق أبي حُصين عن مجاهد قال قالت عائشةُ رضي الله عنها لما نزل عذرها فقبَّل أبو بكر رضي الله عنه رأسها، فقلت ألا عذرتني، فقال أي سماء تُظلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقلُّني إذا قلتُ ما لا أعلم.

(وَأَنْزَلَ اللَّهُ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ ( {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ (الْعَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا) قال الحافظُ العسقلاني آخر العشرة {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ، وتعقَّبه القسطلاني بأن قال هي تسعة، ولعلَّه عدَّ قوله {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} رأس آية، وليس كذلك، بل تشبه فاصلة وليست بفاصلة كما نصَّ عليه غيرُ واحد من العادِّين، وحينئذٍ فآخر العشر {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفي رواية عطاء الخرساني عن الزُّهري فأنزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} إلى قوله {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

وقال الحافظُ العسقلاني وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية، فلعلَّ في قولها العشر الآيات مجازًا بطريق إلغاء الكسر، وتعقَّبه القسطلاني أيضًا بأنَّه بناه على عد أليم كما مرَّ، فالصَّواب أنها اثتنا عشرة آية، وتعقَّبه العيني أيضًا بأن قال هذا لا يصدر عن من له أدنى تأمُّل، فافهم.

ووقع في رواية الحكم بن عُتيبة مرسلًا عن الطَّبري لما خاض النَّاس في أمر عائشة رضي الله عنها فذكر الحديث مختصرًا، وفي آخره فأنزلَ الله خمس عشرة آية من سورة النُّور حتَّى بلغ {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور 26] .

قال الحافظُ العسقلاني وهذا فيه تجوُّز وعدد الآي إلى هذا الموضع ستَّ عشرة، ووقع في مرسل سعيد بن جُبير عند ابن أبي حاتم والحاكم في «الإكليل» فنزلت ثمان عشرة آية متوالية

ج 20 ص 367

كذَّبت من قذف عائشة رضي الله عنها {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا} إلى قوله {رِزْقٌ كَرِيمٌ} .

قال الحافظُ العسقلاني وفيه ما فيه أيضًا، وتحرير العدَّة سبع عشرة، انتهى.

وقال العينيُّ يمكن أن يُقال أنَّ كلًا منهم ذهبَ إلى ما انتهى علمه إليه، وروى على قدر ما أحاطَ به علمه على أنَّ التَّنصيص على عدد معيَّن لا يستلزم نفي الزِّيادة، هذا وتأمَّل أيُّها المتبصِّر هذا التَّشريف والإكرام النَّاشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت «ولَشأني في نفسي كان أحقر أن يتكلَّم الله فيَّ بوحي إلى آخره» ، فهذه صدِّيقة الأمَّة تعلم أنَّها بريئة مظلومة، وأنَّ قاذفيها ظالمون مفترون عليها، وهذا كان احتقارها لنفسها فما ظنُّك بمن صام يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين وقام ليلة أو ليلتين، وظهرَ عليه شيءٌ من الأحوال فجرأ باستحقاق الكرامات والمكاشفات، وإجابة الدَّعوات، وأنَّه ممَّن يتبرك بلقائهِ ويغتنم بصالح دعائه، ويتمسَّح بأثوابه، ويقبل ثرى أعتابه، فعجب من جهلهِ بنفسه، وغفل عن جرمه، واغترَّ بإمهال الله تعالى عليه، فينبغِي للعبد أن يستعيذَ بالله من أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عندَ الله حقير.

هذا وقال الزَّمخشري لم يقع في القرآن من التَّغليظ في معصية ما وقع في قصَّة الإفك بأوجزِ عبارة وأشبعها وأسيغها لاشتمالهِ على الوعيد الشَّديد، والعتاب البليغ، والزَّجر العنيف، واستعظام القول في ذلك واستشناعهِ بطرق مختلفة، وأساليب متفننة كل واحد منها كافٍ في بابه، بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلَّا ما هو دون ذلك، وما ذاك إلَّا لإظهار علوِّ منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهيرِ من هو منه بسبيل، وعند أبي داود من طريق حُميد الأعرج، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها جلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشفَ الثَّوب عن وجهه ثم قال (( أعوذُ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} ) )، وفي رواية ابن إسحاق ثمَّ خرج

ج 20 ص 368

إلى النَّاس فخطبهم وتلا عليهم، ويُجمع بأنَّه قرأ ذلك عند عائشة رضي الله عنها، ثمَّ خرج وقرأ على النَّاس.

(فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (هَذَا فِي بَرَاءَتِي) أي وأقيم الحدُّ على من أُقيم عليه (قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) رضي الله عنه يُؤخذ منه مشروعيَّة ترك المؤاخذة بالذَّنب ما دام احتمال عدمهِ موجودًا؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه لم يقطع نفقة مِسْطح إلَّا بعد تحقُّق ذنبه فيما وقع منه (وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ) لأنَّه كان ابن خالته (وَفَقْرِهِ) أي لأجلهما (وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ) وفي رواية زيادة لفظ ، وفي رواية هشام بن عروة فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفعَ مِسْطحًا بنافعة أبدًا.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {وَلاَ يَأْتَلِ} ) أي لا يحلف من الأليَّة وهي اليمين ( {أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} ) أي في الدِّين أو المال، والمراد أبو بكر رضي الله عنه ( {وَالسَّعَةِ} ) أي في المال أو في الرِّزق ( {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ) صفات لموصوفٍ واحدٍ وهو مِسْطح؛ لأنَّه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًّا (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) عنهم خوضهم في أمر عائشة رضي الله عنها ( {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} ) على عفوكُم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، والخطابُ لأبي بكر رضي الله عنه ( {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ) فتخلَّقوا بأخلاقه تعالى، قال مسلم حدَّثنا حبَّان بن موسى أنا عبد الله بن المبارك قال هذه أرجى آية في كتاب الله انتهى، وإلى ذلك أشار القائل

~فَإِنَّ قَدْرَ الذَّنْبِ مِنْ مِسْطَحٍ يَحُطُّ قَدْرَ النَّجْمِ مِنْ أُفُقِهِ

~وَقَدْ جَرَى مِنْهُ الَّذِي قَدْ جَرَى وَعُوتِبَ الصِّدِّيقُ فِي حَقِّهِ

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه لمَّا قرأ النَّبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية (بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي) وفي رواية هشام بن عروة (( بلى والله يا ربنا، إنَّا نحبُّ أن تغفرَ لنا ) ) (فَرَجَعَ) بالتخفيف (إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ) أي ردَّها إليه، وفي رواية فُليح فرجع إلى مِسْطح الذي كان يجري عليه، وفي رواية هشام

ج 20 ص 369

بن عروة وعاد له بما كان يصنعُ (وَقَالَ وَاللَّهِ وَاللَّهِ) وفي رواية مرَّة واحدة (لاَ أَنْزِعُهَا) ويُروى (مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ) بصيغة المضارع، وفي رواية أبي ذرٍّ بصيغة الماضي (زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ) وفي نسخة ؛ أي أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ يَا زَيْنَبُ مَاذَا عَلِمْتِ) أي على عائشة رضي الله عنها (أَوْ رَأَيْتِ) أي منها (فَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي) بفتح الهمزة من الحماية (سَمْعِي وَبَصَرِي) من أن أقولَ سمعت ولم أسمع، وأبصرتُ ولم أبصر (مَا عَلِمْتُ) أي عليها (إِلاَّ خَيْرًا، قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَهْيَ) أي زينب (الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) بضم الفوقية وبالمهملة، من السُّمو وهو العلو والارتفاع؛ أي تُعاليني، وتطلبُ من العلو والرِّفعة والحَظوةِ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أنَّ لها مثل الذي لي عنده صلى الله عليه وسلم.

وذهل بعض الشُّراح فقال إنَّه من سَوم الحقد، وهو حملُ الإنسان على ما يكرهُه، والمعنى تغايظني، وهذا لا يصحُّ فإنَّه لا يُقال في مثله سامى، ولكن ساوم.

(مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَهَا اللَّهُ) أي حفظها ومنعها (بِالْوَرَعِ) أي المحافظة على دينها، وبجانبه ما تخشى من سوء عاقبته أن تقول يقول أهلُ الإفك (وَطَفِقَتْ) بكسر الفاء وحُكي فتحها؛ أي جعلت أو شرعت (أُخْتُهَا حَمْنَةُ) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم بعدها نون فهاء تأنيث، وكانت تحت مصعب بن عُمير، وقُتل عنها يوم أحد فتزوَّجها طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه (تُحَارِبُ لَهَا) أي تجادل لأختها زينب وتتعصَّب وتحكي مقالةَ أهل الإفك؛ لتخفض منزلة عائشة رضي الله عنها، وتُعلي منزلة أختها زينب (فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإِفْكِ) أي حدَّت فيمن حدَّ، أو أثمت مع من أثمَ، زاد صالح

ج 20 ص 370

بن كيسان وفُليح ومَعمر وغيرهم، قال ابنُ شهاب فهذا الذي بلغنا من حديث هؤلاء الرَّهط.

زاد صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عروة قالت عائشةُ رضي الله عنها والله إنَّ الرَّجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط. وقد تقدَّم شرحه قبل.

قالت عائشة رضي الله عنها ثمَّ قُتل بعد ذلك شهيدًا، وقد تقدَّم الخلاف في سنة قتله، وفي الغزاة التي استُشهد فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث، ووقع في آخر رواية هشام بن عروة وكان الذي تكلَّم به مسطح وحسَّان بن ثابت، والمنافق عبد الله بن أُبيٍّ، وهو الذي كان يستوشيه وهو الذي تولَّى كِبْره وحَمْنة، وعند الطَّبري من هذا الوجه وكان الذي تولَّى كبرهُ عبد الله بن أبيٍّ ومِسْطح وحَمنة وحسَّان، وكان كبْر ذلك من قبل عبد الله بن أبيٍّ.

وعند أصحاب السُّنن من طريق محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عَمرة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقام حدَّ القذف على الذين تكلَّموا بالإفك لكن لم يُذكر فيهم عبد الله بن أُبي، وكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البزَّار، ووقع ذكره في رواية أبي أويس عن حسن بن زيد، عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه، أخرجه الحاكم في «الإكليل» .

وفيه ردٌّ على الماوردي حيث صحَّح أنَّه لم يحدهم مستندًا إلى أنَّ الحدَّ لا يثبت إلا ببيِّنة أو إقرار، قال وقيل إنَّه حدَّهم، وما ضعفه هو الصَّحيح المعتمد.

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم

جواز الحديث عن جماعة مُلفَّقًا مجملًا، وقد تقدَّم البحث فيه، وفيه مشروعيَّة القرعة حتَّى بين النِّساء، وفي المسافرة بهنّ، والسَّفر بالنِّساء حتَّى في الغزو، وجواز حكاية ما يقع للمرء من الفضل، ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمَّن ذلك إزالة توهم النَّقص عن الحاكي إذا كان بريئًا عند قصد نُصح

ج 20 ص 371

من يبلغه ذلك؛ لئلا يقعَ فيما وقع فيه من سَبْقٍ، وأنَّ الاعتباء السَّلامة من وقوع الغير بالإثمَّ أولى من تركه يقعُ في الإثم، وفيه استعمال التَّوطئة فيما يحتاجُ إليه من الكلام، وأنَّ الهودجَ يقومُ مقام البيت في حجب المرأة، وجواز ركوب الهودجِ على ظهر البعير، ولو كان ذلك ممَّا يشقُّ عليه حيث يكون مطيقًا لذلك، وفيه خدمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب.

وجواز تستُّر المرأة بالشَّيء المنفصلِ عن البدن، وتوجُّه المرأة لقضاء حاجتها وحدهَا بغير إذن خاصٍّ من زوجها، بل اعتمادًا على الإذن العام المستند إلى العرف العام، وجواز تحلِّي المرأة في السَّفر بالقلادة ونحوها، وصيانة المال ولو قلَّ، فإنَّ عقد عائشة رضي الله عنها لم يكن من ذهبٍ ولا جوهرٍ، وفيه شؤمُ الحرص على المال، وتوقُّف رحيلِ العسكر على إذن الأمير، واستعمال بعض الجيش ساقة ويكون أمينًا ليحمل الضَّعيفة، ويحفظُ ما يسقط وغير ذلك من المصالح، والاسترجاع عند المصيبة، وتغطية المرأة وجهها عن نظرِ الأجنبي، وإطلاق الظن على العلم كذا قيل وفيه نظرٌ، وقد تقدَّم [خ¦4721] ، وإغاثة الملهوف، وعون المنقطعِ، وإنقاذ الضَّائع، وإكرام ذوي القدر وإيثارهِم بالرُّكوب، وتجشُّم المشقَّة لأجل ذلك، وحُسن الأدب مع الأجانب خصوصًا النِّساء لا سيَّما في الخلوة، والمشي أمام المرأة ليستقرَّ خاطرها وتأمن ممَّا تتوهَّم من نظره لما عساهُ ينكشفُ عنها في حركة المشي.

وفيه ملاطفة الزَّوجة وحُسن معاشرتها، والتَّقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النَّقص وإن لم يتحقَّق، وفائدةُ ذلك أن تتفطَّن لتغير الحال فتعتذَّر أو تعترف، وأنَّه لا ينبغي لأهل المريض أن يُعلموه بما يُؤذي باطنه؛ لئلا يزيد ذلك في مرضهِ، وفيه السُّؤال عن المريض، والإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة، فإذا كان السَّبب محققًا فتترك أصلًا، وإن كان مظنونًا فتخفف، وإن كان مشكوكًا فيه أو محتملًا فيحسن التَّقليل منه لا العمل بما قيل، بل لئلا يظنَّ بصاحبه

ج 20 ص 372

عدم المبالاة بما قيل في حقِّه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة، وفيه أنَّ المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يُؤنسها أو يخدمها ممَّن يؤمن عليها، وفيه ذبُّ المسلم عن المسلم خصوصًا من كان من أهل الفضل وردع من يؤذيهم ولو كان منهم بسبيل، وبيان فضيلة أهل بدر، وإطلاق السَّبب على لفظ الدُّعاء بالسُّوء على الشَّخص، وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أُشيع وتُعْرف صحَّته أو فساده بالتَّنقيب على من قيل فيه هل وقع منه قبل ذلك ما يُشبهه أو يقرب منه.

واستصحابُ حال من اتُّهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير إذا لم يظهر عليه بالبحث ما يُخالفُ ذلك، وفيه فضيلة لأمِّ مِسْطح حيث لم تُحاب ولدها في وقوعهِ في حقِّ عائشة رضي الله عنها، بل تعمَّدت سبه على ذلك، وفيه تقوية لأحد الاحتمالين في قوله صلى الله عليه وسلم عن أهل بدر أنَّ الله قال لهم (( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) )، وأنَّ الرَّاجح أن المراد بذلك أن الذُّنوب تقع منهم، لكنَّها مقرونة بالمغفرة تفضيلًا لهم على غيرهم بسبب ذلك المشهد العظيم، ومرجوحه القول الآخر أنَّ المرادَ أنَّ الله عصمهم فلا يقع منهم ذنب، نبَّه على ذلك الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة، وفيه توقُّف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها، ولو كان إلى بيت أبويها، وفيه البحث عن الأمر المقول ممَّن قيل فيه، والتوقُّف في خبر الواحد ولو كان صادقًا، وطلب الارتقاء من مرتبة الظَّن إلى مرتبةِ اليقين، وأنَّ خبر الواحد إذا جاء شيئًا بعد شيءٍ أفاد القطع لقول عائشة رضي الله عنها أن استيقنَ الخبر من قِبَلهما، وأنَّ ذلك لا يتوقَّف على عدد معيَّن، وفيه استشارةُ المرء أهل بطانتهِ ممَّن يلوذُ به بقرابة وغيرها، وتخصيصُ من جُرِّبت صحَّة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب.

والبحث عن حال من اتهم بشيءٍ، وحكاية ذلك للتكشُّف عن أمره ولا يعد ذلك غيبة، وفيه استعمال لا نعلم إلا خيرًا، في التَّزكية، وأنَّ ذلك كافٍ في حقِّ من سبقت عدالته

ج 20 ص 373

ممَّن يُطلع على خفي أمره فيه، والتثبُّت في الشَّهادة، وفيه خطبة الإمام عند الحادث المهم، والاستنصار بالأخصاء على الأجانب، وتوطئة العذر لمن أراد إيقاع العذاب أو العتاب له، واستشارة الأعلى لمن هو دونه، واستخدام من ليس في الرِّقِّ، وأنَّ من استفسر عن حال شخصٍ فأراد بيان ما فيه من عيبٍ فليُقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلمه كما قالت بريرةُ عن عائشة رضي الله عنها حيث عاتبها بالنَّوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنَّها جارية حديثة السِّن.

وفيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحكمُ لنفسه إلَّا بعد نزولِ الوحي؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يجزم في القصَّة بشيءٍ قبل نزول الوحي، نبَّه عليه الشيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة، وأنَّ الحمية لله ورسوله لا تُذم، وفيه فضائل جمَّة لعائشة رضي الله عنها، ولأبويها رضي الله عنهما، ولصفوان وعلي بن أبي طالب وأسامة، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير رضي الله عنهم، وفيه أنَّ التَّعصُّب لأهل الباطل يُخرجُ عن اسم الصَّلاح، وجواز سبِّ من يتعرَّض للباطلِ ونسبته إلى ما يسوءه وإن لم يكن ذلك به على الحقيقةِ فيه، لكن إذا وقعَ منه ما يشبه ذلك جاز إطلاقُ ذلك عليه تغليظًا له، وإطلاق الكذب على الخطأ والقسم بلفظ لعمر الله، وفيه النَّدب إلى قطع الخصومة وتسكين ثائرة الفتنة، وسدِّ ذريعة ذلك.

واحتمال أخفِّ الضَّررين بزوال أغلظهما، وفضل احتمال الأذى، وفيه مباعدة من خالف الرَّسول ولو كان قريبًا حميمًا، وفيه أنَّ من آذى النَّبي صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل يُقتل؛ لأنَّ سعد بن معاذ رضي الله عنه أطلق ذلك ولم يُنكره النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مساعدة من نزلت به بلية بالتوجُّع والبكاء والحزن، وفيه تثبُّت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في الأمور؛ لأنَّه لم يُنقل عنه في هذه القصَّة مع تمادي الحال فيها

ج 20 ص 374

شهرًا كلمة فما فوقها إلَّا ما وردَ عنه في بعض طُرق الحديث أنَّه قال والله ما قيل لنا هذا في الجاهليَّة، فكيف بعد أن أعزَّنا الله بالإسلام، وقع ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الطَّبراني.

وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهمِّ بالتشهُّد والحمد والثَّناء، وقول أمَّا بعد، وتوقيف من نُقل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه، وأنَّ قول كذا وكذا يُكنَّى به عن الأحوال كما يُكنَّى به عن الأعداد، ولا يختصُّ بالأعداد، وفيه مشروعيَّة التَّوبة، وأنها تُقبلُ من المعترف المقلع المخلص، وأنَّ مجرَّد الاعتراف لا يُجزئ فيها، وأن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز، ولو عُرف أنه يصدق في ذلك، ولا يؤاخذ بما يترتَّب على اعترافه بل عليه أن يقول الحقَّ أو يسكت، وأنَّ الصَّبر يحمد عاقبته، ويغبط صاحبه، وفيه تقديم الكبير في الكلام، وتوقُّف من اشتبه عليه الأمر عن الكلام، وفيه تبشير من تجدَّدت له نعمة أو تدفعت عنه نقمة، وفيه الضَّحك والفرح والاستبشار عند وضوح ذلك، معذرة من انزعج عند وقوع الشدَّة لصغر سنٍّ ونحوه، وإدلال المرأة على زوجها وأبويها، وتدريجِ من وقع في مصيبة فزالت عنه؛ لئلا يهجم على قلبه الفرح من أوَّل وهلة فيُهلكه، يؤخذ ذلك من ابتداء النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي ببراءة عائشة رضي الله عنها بالضَّحك، ثمَّ تبشيرها، ثمَّ إعلامها ببراءتها مجملة، ثمَّ تلاوته الآيات على وجهها.

وقد نصَّ الحكماء على أنَّ من اشتد عليه العطش لا يُمكَّن من المبالغة في الريِّ بالماء؛ لئلا يفضي به ذلك إلى الهلاك، بل يجرَّع قليلًا قليلًا، وفيه أنَّ الشدَّة إذا اشتدت أعقبها الفرج، وفضل من يُفوض الأمر إلى ربِّه، وأنَّ من قوي على ذلك خف عنه الغم والهم، كما وقع في حالتي عائشة رضي الله عنها قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها والله المستعان، وفيه الحثُّ على الإنفاق في سبيلِ الخير خصوصًا في صلة الرَّحم، ووقوع المغفرة لمن أحسنَ

ج 20 ص 375

إلى من أساءَ إليه أو صفح عنه، وأنَّ من حلف أن لا يفعل شيئًا من الخير استحبَّ له الحنث، وجواز الاستشهاد بآي القرآن في النَّوازل، والتأسِّي بما وقع للأكابر من الأنبياء عليهم السَّلام وغيرهم، وفيه التَّسبيح عند التعجُّب واستعظام الأمر، وذمِّ الغيبة، وذمِّ سماعها، وزجرِ من يتعاطاها لا سيَّما إن تضمَّنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه، وذم إشاعة الفاحشة، وتحريم التَّشكك في براءة عائشة رضي الله عنها، وفيه تأخير الحدِّ عمَّن يُخشى من إيقاعهِ به الفتنة، نبَّه على ذلك ابن بطَّال مستندًا إلى أنّ عبد الله بن أُبي كان ممَّن قذف عائشة رضي الله عنها، ولم يقع في الحديث أنَّه قذفَ بل الذي ثبت أنَّه كان يستخرجه ويستوشيهِ.

وقال الحافظُ العسقلاني وقد ورد أنَّه قذف صريحًا في مرسل سعيد بن جُبير عند ابنِ أبي حاتم وغيره، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان عند الحاكم في «الإكليل» بلفظ في الفتح [فرماها عبد الله بن أبي، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني بلفظ أشنع من ذلك] ، وورد أيضًا أنَّه ممَّن جُلد الحدَّ وقع ذلك في رواية أبي أويس عن الحسن بن زيد، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما مرسلًا أخرجه الحاكم في «الإكليل» فإن ثبتا سقط السُّؤال، وإن لم يثبتا فالقول ما قال القاضي عياض، فإنَّه لم يثبت خبر بأنَّه قذف صريحًا ثمَّ لم يُحد.

وقد حكى الماوردي إنكار وقوع الحدِّ بالذين قذفوا عائشة رضي الله عنها أصلًا، واعتلَّ قائله بأنَّ حدَّ القذف لا يجبُ إلَّا بقيام بيِّنة أو إقرار، وزاد غيرُه أو بطلب المقذوف، قال ولم يُنقل ذلك كذا قال، وفيه نظرٌ يأتي إيضاحه في كتاب «الحدود» [خ¦6856] ، إن شاء الله تعالى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد ذكره البخاري مطولًا ومختصرًا في عدَّة مواضع كما مرَّ في كتاب «الشَّهادات» [خ¦2661] [خ¦2688] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت