فهرس الكتاب

الصفحة 6964 من 11127

4769 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، واسمه عبدُ الله الأصبحي المدني، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (أَخِي) هو عبدُ الحميد بن أبي أويس (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ) عليه الصَّلاة والسَّلام (أَبَاهُ) آزر، وزاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3350] (( يوم القيامة وعلى وجهِ آزرَ قترة وغبرة، فيقولُ له إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام

ج 20 ص 425

ألم أقلْ لك لا تعصني؟ فيقول أبوه فاليوم لا أعصيَكَ )) ، وفي رواية النَّسائي (( وعليه الغبرة والقترة، فقال له قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال لكنِّي لا أعصيك اليوم ) )، الحديث (فَيَقُولُ) أي إبراهيم عليه السَّلام (يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ) هكذا أورده هنا مختصرًا، وقد ساقَه في ترجمة «إبراهيم عليه السَّلام من أحاديث الأنبياء» تامًّا [خ¦3350] ، وزاد فيه (( يلقى إبراهيمُ أباه آزرَ ) )، وهذا موافقٌ لظاهر القرآن في تسميةِ والد إبراهيم عليه السَّلام آزر.

وحكى الطَّبري من طُرق ضعيفة عن مجاهد أنَّ آزر اسم الصَّنم وهو شاذٌّ، وزاد فيه أيضًا وعلى وجه آزر قترة وغبرة، وهذا موافقٌ لظاهر القرآن أيضًا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ*تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس 40 - 41] أي تغشاها وتعلوها قترة.

قال الحافظُ العسقلاني فالذي يظهرُ أنَّ الغبرةَ الغبار من التُّراب، والقترة السَّواد الكائنُ من الكآبة. وزاد فيه أيضًا بعد قوله «يوم تبعثون» فأي خزي أخزى من أبي الأبعد وصف نفسه بالأبعد على طريقِ الفرض إذا لم يقبل شفاعتهِ في أبيه، وقيل الأبعدُ صفة أبيه؛ أي أنَّه شديد البعد من رحمة الله تعالى؛ لأنَّ الفاسق بعيدٌ منها، فالكافرُ أبعد، وقيل الأبعدُ بمعنى البعيد، والمراد الهالكُ.

ويؤيِّد الأوَّل أنَّ في رواية إبراهيم بن طهمان (( وإن أخزيت أبي فقد أخزيت الأبعدَ ) )، وفي رواية أيُّوب (( يلقى رجلٌ أباه يوم القيامة فيقول له أيُّ ابن كنت لك؟ فيقول خيرُ ابن، فيقول هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول نعم فيقول خذْ بإزرتي فيأخذُ بإزرته، ثمَّ ينطلقُ حتى يأتي ربَّه وهو يعرضُ الخلقَ، فيقول الله يا عبدي إدخل من أيِّ أبواب الجنَّة شئت، فيقول أي ربِّ أبي معي، فإنَّك وعدَّتني أن لا تخزني، فيقول الله إنِّي حرمت الجنَّة على الكافرين، _ [في حديث أبي سعيد] _ فيُنادى إنَّ الجنَّة لا يدخلها مشركٌ ) ).

وزاد فيه أيضًا (( ثمَّ يقال يا إبراهيمُ ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخٍ

ج 20 ص 426

متلطِّخٍ، فيؤخذُ بقوائمهِ فيلقى في النَّار )) ، وفي رواية إبراهيم بن طَهْمان (( فيُؤخذ فيقول يا إبراهيم أين أبوك؟ قال أنت أخذته منِّي، قال انظرْ أسفلَ فينظر، فإذا ذيخ يتمرَّغُ في نتنهِ ) )، وفي رواية أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الحاكم (( فيمسخ الله أباه ضبعًا، فيأخذُ بأنفه، فيقول يا عبدِي أبوك هو؟ فيقول لا وعزَّتك ) ).

وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند البزَّار والحاكم (( فيحوَّل في صورة قبيحةٍ، وريحٍ منتنةٍ في صورة ضِبْعان ) )، زاد ابن المنذر من هذا الوجه (( فإذا رآه كذلك تبرَّأ منه، قال لست أبي ) )، والذِّيْخ _ بكسر الذال المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم خاء معجمة _ ذكر الضِّبَاع، وقيل لا يُقال له ذيخ إلَّا إذا كان كثير الشَّعر، والضِّبعان لغة في الضَّبْع.

وقوله (( متلطِّخ ) )، قال بعض الشُّراح أي في رجيعٍ أو دمٍ أو طينٍ. وقد عيَّنت الرِّواية الأخرى المراد، وأنَّه الاحتمال الأوَّل حيث قال (( فيتمرَّغ في نتنه ) )، قيل الحكمة في مسخه أن ينفرَ إبراهيم عليه السَّلام منه، وأن لا يبقى في النَّار على صورته فيكون فيه غضاضة على الخليل عليه السَّلام، وفي مسخه ضبعًا أنَّ الضَّبع من أحمق الحيوان، وآزرُ كان من أحمق البشر؛ لأنَّه بعد أن ظهرَ له من ولده من الآيات البيِّنات أصرَّ على الكفر حتى مات، واقتصرَ في مسخه على هذا الحيوان؛ لأنَّه وسط في التَّشويه بالنسبة إلى ما دونه كالكلبِ والخنزير، وإلى ما فوقه كالأسد مثلًا، ولأنَّ إبراهيم عليه السَّلام بالغَ في الخضوع له، وخفضَ الجناح فأبى واستكبرَ، وأصرَّ على الكفرِ، فقوبلَ بصفة الذُّل يوم القيامة.

وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله، وطعنَ في صحَّته فقال بعد أن أخرجَه هذا خبر في صحَّته نظر من جهة أنَّ إبراهيم عليه السَّلام عالم بأنَّ الله لا يخلفُ الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزيًا له مع علمهِ بذلك، وقال غيره هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة 114] انتهى، والجواب عن ذلك أنَّ أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرَّأ إبراهيم عليه السَّلام

ج 20 ص 427

فيه من أبيه، فقيل كان ذلك في الحياة الدُّنيا لمَّا مات آزر مشركًا.

وهذا أخرجه الطَّبري من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وإسنادهُ صحيح، وفي رواية فلمَّا مات لم يستغفر له، ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحو ذلك، وقيل إنَّما تبرَّأ منه يوم القيامة لما آيس منه حين مُسخَ على ما صُرِّح به في رواية ابن المنذر.

وهذا أخرجه الطَّبري أيضًا من طريق عبد الملك بن أبي سليمان سمعت سعيد بن جُبير يقول إنَّ إبراهيم عليه السَّلام يقول يوم القيامة ربِّ والدي، ربِّ والدي، فإذا كان الثالثة أخذَ بيده فيلتفتُ إليه وهو ضِبعان فيتبرَّأ منه.

ومن طريق عُبيد بن عُمير قال يقول إبراهيم عليه السَّلام لأبيه إنِّي كنت آمرك في الدُّنيا وتعصيني، ولست تاركك اليوم، فيأخذ بضبعيهِ فيُمسخ ضبعًا، فإذا رآه إبراهيم عليه السَّلام مُسخ تبرَّأ منه.

ويمكن الجمع بين القولين بأنَّه تبرَّأ منه لما مات مشركًا، فترك الاستغفار له، لكن لمَّا رآه يوم القيامة أدركتْه الرَّأفة والرِّقة فسأل فيه، فلمَّا رآه مُسخ يئس منه حينئذٍ وتبرَّأ تبرءًا أبديًا، وقيل إنَّ إبراهيم عليه السَّلام لم يتيقَّن موته على الكفر؛ لجواز أن يكون آمنَ في نفسه ولم يطَّلع إبراهيم عليه السَّلام على ذلك، ويكون وقت تبرئه بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث.

وقال الكرماني فإن قلت إذا أدخل الله أبَّاه النَّار فقد أخزاهُ؛ لقوله تعالى {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران 192] وخزي الوالد خزي الولد، فيلزم الخُلف في الوعد، وهو محالٌ ولو لم يدخل النَّار لزم الخُلف في الوعيد، وهو المراد بقوله إنَّ الله حرَّم الجنَّة على الكافرين.

فالجواب أنَّه إذا مُسخ في صورة ضبع، وأُلقي في النَّار لم تبق صورته التي هي سببُ الخزي، فهو عمل بالوعد والوعيد، وقد يُجاب بأنَّ الوعد كان مشروطًا بالإيمان،

ج 20 ص 428

وإنَّما استغفر له وفاءً بما وعدَه، فلمَّا تبيَّن له أنَّه عدو لله تبرَّأ منه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت