4772 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قال أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ) هو المسيَّب بن حَزْن _ بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون _ ولأبيه صُحبة، عاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنه (قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) أي علامتها، وإلَّا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعْه الإيمان لو آمنَ، ويدلُّ على ذلك ما وقع من المراجعة بينه وبينهم، قاله الكرماني.
وقال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أقرَّ بالتَّوحيد ولو في تلك الحالة أنَّ ذلك ينفعُه بخصوصهِ، وتسوغ فيه شفاعته لمكانه منه، ولهذا قال أُجادل لك بها، وأشهدُ لك بها وأشفعُ لك، ويؤيِّد الخصوصية أنَّه بعد أن امتنعَ من الإقرار بالتَّوحيد، وقال هو على ملَّة عبد المطَّلب، ومات على ذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الشَّفاعة، بل شفع له حتَّى خُفِّف عنه العذاب بالنِّسبة إلى غيره، وكان ذلك من الخصائصِ في حقِّه، وقد تقدَّمت الرِّواية بذلك في «السيرة النَّبوية» [خ¦4675] .
(جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهِ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) قال الحافظ العسقلاني يحتمل أن يكون المسيَّب حضر هذه القصَّة، فإن المذكورين من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثَّلاثة يومئذٍ كفَّارًا، فمات أبو جهل على كُفْره، وأسلم الآخران، وأمَّا قول بعضِ الشُّراح هذا الحديث من مراسيل الصَّحابة فمردودٌ؛ لأنَّه استدلَّ بأنَّ المسيَّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكري ممن بايعَ تحت الشَّجرة، قال فأيًّا ما كان فلم يشهد وفاةَ أبي طالب؛ لأنَّه توفي هو وخديجة رضي الله عنها في أيَّام متقاربة في عامٍ واحدٍ، وللنَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 20 ص 440
يومئذٍ نحو الخمسين، انتهى.
ووجه الرَّد أنَّه لا يلزم من كون المسيَّب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب كما شهدهَا عبدُ الله بن أبي أميَّة وهو يومئذٍ كافر، ثمَّ أسلمَ بعد ذلك، وعجب من هذا القائل كيف يعزو كون المسيَّب كان ممَّن بايع تحت الشَّجرة إلى العسكري، ويغفلُ عن كون ذلك ثابتًا في هذا الصَّحيح الذي شرحَه، كما مرَّ في «المغازي» [خ¦4164] واضحًا.
(فَقَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب (أَيْ) حرف نداءٍ (عَمِّ) منادى مضاف، ويجوز فيه إثبات الياء وحذفها (قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من لا إله إلَّا الله، أو الاختصاص، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ (أُحَاجُّ) بضم الهمزة وتشديد الجيم، من المحاجَّة، وهي مفاعلةٌ من الحجَّة، والجيم مفتوحة على الجزم جواب الأمر، والتَّقدير أن تقل أحاج، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبر لمبتدأ محذوفٍ (لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) ووقع في رواية مَعمر عن الزُّهري بهذا الإسناد في «الجنائز» [خ¦1360] (( أشهد ) )بدل (( أُحاج ) )، وفي رواية مجاهد عند الطَّبري (( أجادل عنك بها ) )، وزاد الطَّبري من طريق سفيان بن حسين، عن الزُّهري قال (( أي عمِّ إنَّك أعظم النَّاس عليَّ حقًّا، وأحسنُهم عندي يدًا، اجعلْ كلمة تجب لي بها الشَّفاعة فيك يوم القيامة ) ).
(فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) لأبي طالب (أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) يُقال رغبَ عن الشَّيء إذا لم يرده، ورغبَ فيه إذا أرادَهُ (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا) بفتح أوله وكسر الراء؛ أي كلمة التَّوحيد، وفي رواية الشَّعبي عند الطَّبري فقال له ذلك مرارًا (وَيُعِيْدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ) أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، وهي قولهما «أترغبُ» ، وكأنَّه كان قد قارب أن يقولها فيردانه، ووقع في رواية معمر (( فيعودان له بتلك المقالة ) )وهي أوضحُ، وقال البرماويُّ كالزَّركشي صوابه (( يعيدان له تلك المقالة ) )، وتعقَّبه صاحب «المصابيح» فقال
ج 20 ص 441
ضاق ذهن الزَّركشي عن توجيهِ اللَّفظ على الصحَّة، فجزمَ بخطئه.
ويمكن أن يكون الضَّمير المنصوب عائدًا إلى الكلام، ويكون قوله «بتلك المقالة» ظرفًا مستقرًا منصوب المحل على الحالية من الضَّمير المنصوب العائد إلى الكلام، والباء للمصاحبة؛ أي يعيدان الكلام حال كونه متلبسًا بتلك المقالة، وإن بنينا على جواز إعمال ضمير المصدر كما ذهب إليه بعضهم في مثل مروري بزيد حسن، وهو بعمرو قبيح، فالأمر واضح، وذلك بأن يجعل الضمير المنصوب عائدًا على التكلم المفهوم من السِّياق، والباء متعلقة بنفس الضمير العائد إليه؛ أي يعيدان التكلُّم بتلك المقالة.
(حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ) نصب على الظرفية (مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو على ملَّة، وفي رواية معمر هو على ملَّة عبد المطَّلب، وأرادَ بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال أنا، فغيَّرها الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحًا للفظ المذكور، وهي من التصرُّفات الحسنة، ووقع في رواية مجاهد قال يا ابن أخي ملَّة الأشياخ.
ووقعَ في حديث أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم والتِّرمذي والطَّبري قال لولا أن تُعيرني قريش، يقولون ما حمله عليه إلَّا جزع الموت لأقررت بها عينك، وفي رواية الشَّعبي عند الطَّبري قال لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعلَ.
(وَأَبَى) أي امتنع (أَنْ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) قال الحافظ العسقلاني هو تأكيدٌ من الرَّاوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنَّه استندَ في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحالة، وهذا القدر هو الذي يمكن إطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
(قَالَ) أي المسيَّب (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، قال الزَّين ابنُ المنير
ج 20 ص 442
ليس المراد طلبُ المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشِّرك، وإنَّما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبينًا في حديث آخر، وقال الحافظُ العسقلاني وهي غفلةٌ شديدة منه، فإنَّ الشَّفاعة لأبي طالب بتخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم يُنه عنه، وإنَّما وقعَ النَّهي عن طلب المغفرة العامَّة، وإنَّما ساغ ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم اقتداءً بإبراهيم عليه السَّلام في ذلك، ثمَّ ورد نسخ ذلك، كما سيأتي بيانه واضحًا.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ ( {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة 113] ) أي ما ينبغي لهم ذلك وهو خبر بمعنى النَّهي، وزاد في نسخة < {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الآية>، هكذا وقع في هذه الرِّواية، وروى الطَّبري من طريق شبل عن عَمرو بن دينار قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( استغفرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ، فلا أزالُ أستغفرُ لأبي طالب حتَّى ينهاني عنه ربِّي، فقال أصحابه لنستغفرنَّ لآبائنا كما استغفر نبينا لعمِّه ) )فنزلت، وهذا فيه إشكال لأنَّ وفاة أبي طالب كانت بمكَّة قبل الهجرة بغير خلاف، وقد ثبت أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أتى قبرَ أمه لمَّا اعتمر فاستأذن ربَّه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرار النُّزول.
وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيُّوب بن هانئ، عن مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومًا إلى المقابر فاتَّبعناه، فجاءَ حتى جلسَ إلى قبر منها فناجاه طويلًا ثمَّ بكى فبكينا لبكائه، فقال (( إنَّ القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإنِّي استأذنت ربِّي في الدُّعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة 113] ) ).
وأخرج أحمدُ من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه (( نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ) )، ولم يذكر نزول الآية، وفي رواية الطَّبري من هذا الوجه لما قدم مكَّة أتى رسم قبر. ومن طريق فُضيل بن مَرْزوق عن عطيَّة
ج 20 ص 443
لمَّا قدم مكَّة وقفَ على قبر أمِّه حتى سخنت عليه الشَّمس رجاء أن يُؤذنَ له فيستغفرَ لها فنزلت. وللطَّبراني من طريق عبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحو حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه وفيه لمَّا هبطَ من ثنيَّة عسفان، وفيه نزول الآية في ذلك، فهذه طُرق يعضدُ بعضُها بعضًا، وفيها دَلالة على تأخُّر نزول الآية عن وفاةِ أبي طالب.
ويؤيِّده أيضًا أنَّه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحدٍ بعد أن شُجَّ وجهه (( اللَّهمَّ اغفرْ لقومي فإنَّهم لا يعلمون ) )، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصًّا بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتملُ أن يكون نزول الآية تأخَّر وإن كان سببها تقدَّم، ويكون لنزولها سببان متقدِّم وهو أمرُ أبي طالب، ومتأخِّر وهو أمرُ أمِّه، ويؤيِّد تأخر النُّزول ما تقدَّم في «تفسير براءة» [خ¦4670] من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين حتَّى نزل النَّهي عن ذلك، فإنَّ ذلك يقتضي تأخر النُّزول وإن تقدم السَّبب، ويُشيرُ إلى ذلك أيضًا قوله في حديث الباب وأنزلَ الله في أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} لأنَّه يُشعرُ بأنَّ الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، والثانية نزلت فيه وحدَهُ، ويُؤيِّد تعدُّد السَّبب ما أخرج أحمدُ من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليٍّ رضي الله عنه قال سمعتُ رجلًا يستغفرُ لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فأنزلَ الله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآية، وروى الطَّبري من طريق ابنِ أبي نجيح عن مجاهد قال قال المؤمنون ألا نستغفرُ لآبائنا كما استغفرَ إبراهيم لأبيه، فنزلت، ومن طريق قتادة قال ذكر لنا أنَّ رجالًا، فذكر نحوه.
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص 56] ) وفي الحديث أنَّ من لم يعملْ خيرًا قط إذا خُتم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حُكم بإسلامه، وأُجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نُطق لسانه عقد قلبه نفعَه ذلك عندَ الله تعالى
ج 20 ص 444
بشرط أن لا يكون وصل إلى حدِّ انقطاعِ الأمل من الحياة، والعجزِ عن فهم الخطاب، وردِّ الجواب وهو وقتُ المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ} [النساء 18] والله تعالى أعلم.