فهرس الكتاب

الصفحة 6972 من 11127

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {أُولِي الْقُوَّةِ} لاَ يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ) أي قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص 76] وفسَّر قوله {أولي القوة} بقوله «لا يرفعها العصبة من الرِّجال» ، والعصبةُ ما بين العشرة إلى خمسة عشر، قاله مجاهد. وعن قتادة ما بين العشرة إلى أربعين، وعن أبي صالح أربعون رجلًا، وقيل ستُّون، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، وروي عنه أيضًا أنَّه كان يحملُ مفاتح قارون أربعون رجلًا أقوى ما يكون من الرِّجال، وروي عنه أيضًا حمل المفاتح على نفس المال، فقال وكانت خزائنه يحملها أربعون رجلًا أقوياء.

( {لَتَنُوءُ} لَتُثْقِلُ) وفسَّر قوله {لَتَنُوءُ} بقوله «لتُثقِل» ، وقيل لتميل، يُقال ناء به الحِمْل؛ أي أثقله وأماله؛ أي لتثقل المفاتح العصبة، والباء في بالعصبة للتَّعدية.

( {فَارِغًا} إِلاَّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى) أشار به إلى قوله تعالى {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص 10] وفسَّر {فارغًا} بقوله «إلَّا من ذكر موسى» ، وفي التَّفسير أي ساهيًا لاهيًا من كلِّ شيءٍ إلَّا من ذكر موسى عليه السَّلام وهمه، وعن الكسائيِّ {فارغًا} أي ناسيًا، وعن أبي عبيدة أي فارغًا من الحزن لعلمها بأنَّه لم يغرق، وقال البيضاوي والزَّمخشري صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون.

( {الْفَرِحِينَ} الْمَرِحِينَ) أشار به إلى قوله تعالى {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص 76] وفسَّره بقوله «المرحين» ، هكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقال مجاهد يعني

ج 20 ص 445

الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله تعالى على ما أعطاهُم، والفرح بالدُّنيا مذمومٌ مطلقًا؛ لأنَّه نتيجة حبِّها والرِّضا بها، والذُّهول عن ذهابها، فإنَّ العلم بأنَّ ما فيها من اللَّذة مُفارق لا محالةَ يوجب التَّرح، وما أحسن قول المتنبِّي

~أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالًا

( {قُصِّيهِ} اتَّبِعِي أَثَرَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص 11] وفسَّره بقوله «اتَّبعي أثرهُ» من قولهم قصصت آثار القوم؛ أي اتَّبعتها، وصله ابنُ أبي حاتم من طريق القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال في قوله تعالى {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} قُصِّي أثره، وقال أبو عبيدة في قوله {قصِّيه} اتَّبعي أثره، يقال قصصت آثار القوم (وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلاَمَ) وفي نسخة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ) أراد به أن قصَّ يكون أيضًا من قصِّ الكلام، كما في قوله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} [يوسف 3] ومنه قص الرُّؤيا إذا أخبر بها.

( {عَنْ جُنُبٍ} عَنْ بُعْدٍ، عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ، وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا) أشار به إلى قوله تعالى {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص 11] وفسَّر {عن جنب} بقوله «عن بُعْد» ؛ أي بَصُرَت أختُ موسى بموسى؛ أي أبصرته عن بُعْد؛ أي عن مكان بعيد مستخفيةً، والحال أنَّهم لا يشعرون؛ أي لا يعلمون أنها أختُ موسى عليه السَّلام، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الجنب أن يسمو بصرُ الإنسان إلى الشَّيء البعيد، وهو إلى جنبهِ لا يشعرُ به. وعن قتادة جعلت أخت موسى عليه السَّلام تنظرُ إليه كأنَّها لا تريده، وقوله «عن جنابة» ، أراد به أن معنى عن جنابة عن بُعدْ أيضًا، وقوله «واحدٌ» ؛ أي معنى {عن جُنُبٍ} وعن جنابةٍ واحدٌ، وكذلك معنى عن اجتناب.

والحاصل أنَّ كلَّ ذلك بمعنى واحد وهو البعدُ، ومنه الجنب سُمِّي به؛ لأنَّه بعيدٌ عن تلاوة القرآن، وقرئ قوله (( عن جَنْب ) )بفتح الجيم وسكون النون، [وبفتحهما، وبضم الجيم وسكون النون] و (( عن جانب ) )

ج 20 ص 446

وكلها شاذَّة والمعنى واحدٌ، وقال أبو عَمرو بن العلاء أي عن شوق وهي لغة جذام، يقولون جنبت إليك؛ أي اشتقتُ.

( {يَبْطِش} وَيَبْطُش) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} [القصص 19] وبيَّن أنَّ فيه لغتين كسر الطاء وضمها، والضم قراءة أبي جعفر، وفي نسخة كلاهما بالنون وهو الذي في اليونينية.

( {يَأْتَمِرُونَ} يَتَشَاوَرُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص 20] وفسَّر {يأتمرون} بقوله «يتشاورون» بسببك، وقيل معناه يأمرُ بعضهم بعضًا، وقال البيضاوي وإنَّما سُمِّي التشاور ائتمارًا؛ لأنَّ كلًا من المتشاورين يأمرُ الآخر ويأتمرُ، والقائل لموسى عليه السَّلام بذلك هو حزقيل مؤمن من آل فرعون، وكان ابن عمِّ فرعون و {الملأ} الجماعةُ، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي من قوله ... إلى هنا، وثبت في رواية غيرهما.

(الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ) بفتح المهملة وتخفيف الدال، وفي نسخة بضم العين، وفي أخرى بكسرها، ولم يضبط في الفرع كأصله (وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص 28] وبيَّن أن معنى هذه الألفاظ الثَّلاثة واحدٌ، وهو التَّجاوز عن الحقِّ، والقائل بهذا هو شعيب عليه السَّلام.

( {آنَسَ} أَبْصَرَ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص 29] وفسَّر قوله {آنس} بقوله «أبصر» ؛ أي أبصر من الجهة التي تلي الطُّور نارًا، وكان في البرية في ليلة مظلمة مثلجة.

(الْجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ) أي في رأسها نار (لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ) أشار به إلى قوله تعالى {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص 29] وفسَّر الجِذْوة بقوله «قطعة ... إلى آخره» ، وقال مقاتل وقتادة الجذوة العود الذي احترقَ بعضُه، وقيل الجِذْوة العودُ الغليظُ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وليس المراد هنا إلَّا ما في رأسهِ نار؛ لقوله تعالى {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}

ج 20 ص 447

والجيم في جذوةٍ مثلثة وهي لغات وقراءات، ومعنى {تَصْطَلُونَ} تستدفئون.

(وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ) أشار به إلى قوله تعالى في سورة النَّمل [النمل 7 ِ] {أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} وفسَّر الشهاب بأنَّ فيه لهبًا، وذكره تتميمًا للفائدة، وقال الجوهريُّ الشِّهاب شعلةُ نارٍ ساطعة، وقال اللَّهب لهب النَّار، وهو لسانها.

( {كَأَنَّهَا جَانٌّ} وَفِي آَيَةٍ أُخْرَى كَأَنَّهَا حَيَّةٌ) ثبت هذا في رواية النَّسفي فقط، وأشار بقوله {كَأَنَّها جَانٌّ} إلى قوله تعالى في هذه السورة {فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا} [القصص 31] وبقوله كأنَّها حيَّة، في سورة طه {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه 20] وفي الشُّعراء {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء 32] ولم يذكره البخاري مع أنَّه من أجناسِ الحيَّات.

(وَالْحَيَّاتُ) جمع حيَّة، وهي اسمُ جنس يقعُ على الذَّكر والأنثى، والصَّغير والكبير (أَجْنَاسٌ الْجَانُّ، وَالأَفَاعِي، وَالأَسَاوِدُ) وكذا الثُّعبان، وقد ذكر الله تعالى في القرآن الحيَّة والجان والثُّعبان، فالحيَّة تشملُ الجان والثُّعبان، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما صارت حيَّة صفراء بغلظِ الإصبع لها عرف كعرفِ الفرس، وجعلت تتورَّم حتى صارتْ ثعبانًا، وهي أكبرُ ما يكون من الحيَّات، فلذلك قال في موضع آخر (( كأنَّها جَانَ ) )وهي أصغرُ الحيَّات، وفي موضع آخر (( ثعبان ) )، وهو أعظمها، فالجانُّ ابتداء حالها، والثُّعبان انتهاء حالها، ويُقال كان ما بين لحيي الحيَّة أربعون ذراعًا.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لما انقلبت الحيَّة ثعبانًا ذكرًا صار يبتلعُ الصَّخر والحجر، وقيل كانت في ضخامةِ الثُّعبان وجلادةِ الجان، ولذلك قال {كَأنَّهَا جَانّ} هذا والأفاعي جمع أفعى _ بالتنوين _ والأفعوان ذكر الأفاعي، والأساود جمع أسود، وهو العظيمُ من الحيَّات، وفيه سواد.

وقال الجوهريُّ الجمعُ الأساود؛ لأنَّه اسم، ولو كان صفة لجمع على فُعْل، يُقال أسود سالخ غير مضاف؛ لأنَّه يسلخ جلده كلَّ عامٍ، والأنثى أسودة، ولا توصف بسالخة.

( {ردءًا} مُعِينًا) أشار به إلى قوله تعالى

ج 20 ص 448

{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص 34] وفسَّر {ردءًا} بقوله «معينًا» ، يُقال فلان ردء فلان إذا كان ينصره ويشدُّ ظهره، ويُقال أردأت الرجل أعنته، وهو في الأصل اسم ما يُعانُ به كالدِّفء بمعنى المدفوء به، فهو فعل بمعنى مفعول، ونصب على الحال (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لِكَي {يُصَدِّقُنِي} ) أي قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} لكي يُصدِّقني، وهو تصويرُ المعنى لا تقدير الإعراب، وقد قرأ حمزة وعاصم (( يَصدقني ) )بالرفع على الاستئناف، أو الصِّفة لردءًا أو الحال من هاء (( أرسله ) )أو من الضَّمير في (( ردءًا ) )؛ أي مصدقًا، وقرأ الباقون بالجزم جوابًا للأمر؛ يعني إن أرسلتَه يصدقني، وليس الغرضُ بتصديق هارون أن يقولَ له صدقت، أو يقول النَّاس صدق موسى، وإنَّما هو أن يلخص بلسانه الحقَّ، ويبسطُ القول فيه، ويجادلُ به الكفَّار، ويجيبُ عن الشُّبهات، كما يقول الرَّجل الفصيح المنطق ذو المعارضة.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما ( {سَنَشُدُّ} سَنُعِينُكَ، كُلَّمَا عَزَّزْتَ) بعين مهملة وزايين؛ أي قويت من عزّ فلان أخاه إذا قوَّاه، ومنه قوله تعالى {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس 14] يخفف ويشدد؛ أي قوَّينا وشددنا (شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا) أشار به إلى قوله تعالى {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بأخيك} [القصص 35] ، وفسَّر قوله {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} بقوله «سنعينُك» ، وهو من باب الاستعارة شبَّه حالة موسى عليه السَّلام بالتَّقوي بأخيهِ بحالة اليد المتقوية بالعضدِ، فجعل كأنَّه يد مستندة بعضد شديد، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي من قوله ... إلى هنا.

(مَقْبُوحِينَ مُهْلَكِينَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص 42] وفسَّره بقوله «مُهلكين» ، وهكذا فسَّره أبو عبيدة، وقال غيره أي من المتعدين الملعونين من القُبح، وهو الإبعادُ، وقال ابنُ زيد يُقال قبَّح الله فلانًا قبحًا وقبوحًا؛ أي أبعده من كلِّ خير، وقال الكلبي سواد الوجه وزرقة العين،

ج 20 ص 449

وعلى هذا يكون بمعنى المقبحين، وسُمي ضدُّ الحسن قبيحًا؛ لأنَّ العين تنبو عنه؛ أي تطرده، ووقع في رواية النَّسفي قبل قوله {مقبوحين} مهلكين.

الشَّاطئ والشَّط واحدٌ وهما صفتا وعدوتا الوادي، وقد قال أبو عبيدة في قوله تعالى {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ} [القصص 30] الشَّط والشَّاطئ واحدٌ وهما ضفتا الوادي وعدوتاهُ، ووقع في روايته أيضًا تأجرني ويأجر فلانًا يُعطيه أجرًا، ومنه التَّعزية آجرك الله، قال أبو عبيدة في قوله {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص 27] من الإجارة، يقال فلان تأجَّر فلانًا، ومنه في التَّعزية آجرك الله.

( {وَصَّلْنَا} بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص 51] وفسَّر قوله {وَصَّلْنا} بقوله «بيَّناه وأتممناه» ، وهو قول أبي عبيدة أيضًا، وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا، وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق السُّدي في قوله و {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} قال بيَّنا لهم القول؛ أي بيَّنا لكفار مكَّة في القرآن من خبر الأمم الماضية كيف عُذِّبوا بتكذيبهم، وقيل أتبعنا بعضَهم بعضًا فاتَّصل، وهذا قول الفرَّاء، وقال ابنُ زيد وصلنا لهم خبر الدُّنيا بخبر الآخرة حتَّى كأنهم عاينوا الآخرة في الدُّنيا، وقال الزَّجَّاج أي فصَّلناه بأن وصلنا ذكر الأنبياء، وأقاصيصَ من مضى بعضها ببعض.

( {يُجْبَى} يُجْلَبُ) أشار به إلى قوله تعالى {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص 57] وفسَّر {يُجْبَى} من الجباية بقوله يُجْلبُ؛ أي إليه، يعني إلى الحرم، والمعنى تجلب وتحملُ من النَّواحي (( ثمرات كلِّ شيءٍ رزقًا من لدنا ) )؛ أي من عندنا، قرأ نافع (( تجبى ) )بالتاء المثناة الفوقية، والباقون بالمثناة التحتية.

( {بَطِرَتْ} أَشِرَتْ) أشار به إلى قوله تعالى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص 58] وفسَّر قوله {بَطِرَتْ} بقوله «أشرت» ؛ أي طغتْ وبغت، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي أشِرت وطغت وبغت، والمعنى بطِرت في معيشتها؛ أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتَّى أشروا فدمَّر الله عليهم، وخرَّب ديارهم. وقال ابنُ فارس البطر تجاوز الحد في المرح، وقيل هو الطُّغيان بالنِّعمة.

ج 20 ص 450

( {فِي أُمِّهَا رَسُولًا} أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا) أشار به إلى قوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص 59] الآية، وذكر أنَّ المراد بأمِّ القرى مكَّة وما حولها سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الأرض دُحيت من تحتها، وقال أبو عبيدة أم القرى مكَّة في قول العرب، وفي آية أخرى {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى 7] ، ولابنِ أبي حاتم من طريق قتادة نحوه، ومن وجه آخر عن قتادة وعن الحسن (( في قوله في أمِّها ) )قال في أوائلها.

( {تُكِنُّ} تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ) بالهمزة وضم التاء، وفي بعضها بفتح التاء (وَكَنَنْتُهُ) بترك الهمزة من الثلاثي وضم التاء وفتحها أيضًا (أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص 69] وفسَّر قوله {تُكِنُّ} بقوله «تُخفي من أكننتُ الشَّيء» بمعنى «أخفيته» ، ثم ذكر أنَّ كَنَنْتُه من الثلاثي بمعنى خفيته بدون الهمزة؛ أي أظهرته.

قال ابنُ فارس أخفيتُه سترته، وخفيتُه أظهرتُه. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} أي تُخفي، يقال أكننتُ ذلك في صدرِي بألف، وكننتُ الشَّيء خفيته وهو بغير ألف، وقال في موضع آخر أكننتُ وكَنَنتُ واحد، وقال أيضًا أكننتُه إذا أخفيتُه وأظهرته، وهو من الأضداد، ووقع في بعض الأصول أخفيته في الموضعين بالهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف الألف في الثاني.

( {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [القصص 82] يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} الآية، وفسَّر قوله {ويكأن الله} بقوله مثل {ألم تر} ... إلى آخره، وكذا فسَّره أبو عُبيدة قال في قوله تعالى {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} أي ألم تر أنَّ الله.

وقال عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة في قوله {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} أي أو لا يعلم أنَّ الله، وقال الزَّمخشري وي مفصولةٌ عن كأنَّ، وهي كلمة تنبُّهٍ على الخطأ، وهو مذهبُ

ج 20 ص 451

الخليل وسيبويه، وعند الكوفيين إن ويك بمعنى ويلك، وأنَّ المعنى ألم تعلم أنَّه لا يفلحُ الكافرون، ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي، وأنَّه بمعنى لأنَّه، واللام لبيان ما لأجلهِ هذا القول؛ أي لأنَّه لا يفلحُ الكافرون، وقد سقطَ في رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي قوله < {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} > ... إلى آخره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت