4778 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيد الجعفي الكوفي، نزيل مصر، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنهما المدني، نزيل عسقلان (أَنَّ أَبَاهُ) محمَّد بن زيد (حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيحُ) بوزن مصابيح، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بوزن مصباح.
(الْغَيْبِ) أي خزائن الغيب (خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم ( {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان 34] ) الآية؛
ج 20 ص 468
أي إلى آخر الآية، وقد تقدَّم في تفسير «سورة الرعد» [خ¦4697] ، وفي «الاستسقاء» [خ¦1039] من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلَّا الله لا يعلم ما في غدٍ إلَّا الله ) )الحديث هذا السِّياق في الخَمسْ [خ¦] ، وفي «تفسير الأنعام» [خ¦4627] من طريق الزُّهري عن سالم عن أبيه بلفظ (( مفاتح الغيب خمس {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} إلى آخر السورة ) ). وأخرجه الطَّيالسي في «مسنده» عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري بلفظ (( أُوتي نبيكم مفاتح الغيب إلَّا الخمس، ثمَّ تلا الآية ) ).
قال الحافظُ العسقلاني وأظنُّه دخل له متن في متن، فإن هذا اللَّفظ أخرجه ابن مَرْدويه من طريق عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه. قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي حمزة عبَّر بالمفاتح لتقريب الأمر على السَّامع؛ لأنَّ كلَّ من جعل بينك وبينه حجاب غُيِّب عنك، فالتوصُّل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أُغلق الباب احتيج إلى المفتاح، وإذا كان الشَّيء الذي لا يطَّلع على المغيَّب إلَّا بتوصيله لا يَعرف موضعه، فكيف يعرف المغيب انتهى ملخصًا.
وروى أحمد والبزَّار وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم من حديث بُريدة رفعه قال (( خمس لا يعلمهنَّ إلا الله {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية ) )، وقد تقدَّم في كتاب «الإيمان» [خ¦50] بيان جهة الحصر في قوله (( لا يعلمها إلا الله ) )، ويراد هنا أن ذلك يُمكن أن يستفادَ من الآية الأخرى، وهي قوله تعالى {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل 65] فالمراد بالغيب المنفي فيها هو المذكور في هذه الآية التي في لقمان.
وأمَّا قوله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن 26 - 27] الآية، فيُمكن أن يُفسَّر بما في حديث الطَّيالسي، وأمَّا ما ثبت بنصِّ القرآن أنَّ عيسى عليه السَّلام قال إنَّه يُخبرهم بما يأكلون وما يدَّخرون، وأنَّ يوسف عليه السَّلام قال إنَّه ينبئهم بتأويلِ الطَّعام قبل أن يأتيَ إلى غير ذلك ممَّا ظهرَ من المعجزات والكرامات، فكلُّ ذلك يُمكن أن يستفادَ من الاستثناء في قوله {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن 27] فإنه يقتضي اطلاع الرَّسول على بعضِ الغيب،
ج 20 ص 469
والولي التَّابع للرَّسول عن الرَّسول يأخذ وبه يُكرَّم، والفرق بينهما أن الرَّسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها، والولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام أو إلهام، والله تعالى أعلم.
ونقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّه أنكرَ على الطَّبري دعواه أنَّه بقي من الدُّنيا من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نصف يوم وهو خمسمائة عامٍ قال وتقوم السَّاعة ويعودُ الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير الباري تعالى فلا يبقى غير وجهه، فردَّ عليه بأن وقت السَّاعة لا يعلمه إلَّا الله، فالذي قاله مخالف لصريح القرآن والحديث، ثمَّ تعقَّبه من جهة أخرى وذلك أنَّه توهَّم من كلامه أنَّه يُنكر البعث، فأقدمَ على تكفيرهِ، وزعم أنَّ كلامه لا يحتمل تأويلًا، وليس كما قال، بل مراد الطَّبري أنه يصيرُ الأمر؛ أي بعد فناء المخلوقات كلها على ما كان عليه أولًا، ثمَّ يقعُ البعث والحساب هذا الذي يجب حمل كلامه عليه، وأمَّا إنكاره عليه استخراج وقت السَّاعة فهو معذورٌ فيه، ويكفي في الردِّ عليه أنَّ الأمر وقع بخلاف ما قال، قد مضت خمسمائة ثم ثلاثمائة وزيادة، لكن الطَّبري أخذ بحديث أبي ثعلبة رفعه (( لن يَعْجِز هذه الأمَّة أن يُؤخرها الله نصف يوم ) )الحديث أخرجه أبو داود وغيره، لكنه ليس صريحًا في أنَّها لا تُؤخَّر أكثر من ذلك، والله تعالى أعلم.