4786 - (وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام، وصله الذُّهلي عن أبي صالح عنه، وأخرجه ابنُ جرير والنَّسائي والإسماعيلي من رواية ابن وهب عن يونس كذلك (حَدَّثَنِي يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف رضي الله عنه (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أمر وجوب (بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وكنَّ يومئذٍ تسع نسوة خمس من قريش وأربع من غيرهم، وورد في سبب هذا التَّخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (( هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة ) )يعني نساءه، وفيه ثمَّ اعتزلهنَّ شهرًا، ثمَّ نزلت عليه هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} حتَّى بلغ {أَجْرًا عَظِيمًا} قال فبدأ بعائشة رضي الله عنها، فذكر نحو حديث الباب، وقد تقدَّم في «المظالم» من طريق عقيل [خ¦2468] ، ويأتي أيضًا في «النِّكاح» أيضًا [خ¦5191] من طريق شعيب كلاهما عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن عمر في قصَّة المرأتين اللَّتين تظاهرتا الحديث بطوله، وفي آخره (( فاعتزل النَّبي صلى الله عليه وسلم من أجلِ ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة رضي الله عنهما، وكان قد قال ما أنا بداخل عليهنَّ شهرًا من شدَّة موجدته عليهنّ حتَّى عاتبه الله، فلمَّا مضت تسع وعشرون دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأَ بها، فقالت له إنَّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدًا، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم الشَّهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة فأُنزلت آية التَّخيير، فبدأ بي أوَّل امرأة ) ).
قال الحافظُ العسقلاني
ج 20 ص 487
واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويُمكن الجمع بأنَّ تكون القصَّتان جميعًا سبب الاعتزال، فإنَّ قصَّة المتظاهرتين خاصَّة بهما، وقصَّة سؤال النفقة عامَّة في جميع النِّسوة، ومناسبة التَّخيير بقصَّة سؤال النَّفقة أليق منها بقصَّة المتظاهرتين.
(بَدَأَ بِي) إنَّما بدأ بها رضي الله عنها قبل غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم لفضلها؛ كما قال النُّووي أو لأنَّها كانت السَّبب في التَّخيير لأنها طلبت منه ثوبًا، فأمرهُ الله بالتَّخيير، رواه ابن مَرْدويه من طريق الحسن عن عائشة رضي الله عنها، لكن الحسن لم يسمع من عائشة رضي الله عنها فهو ضعيفٌ، والصَّحيح أنها لم تطلب شيئًا (فَقَالَ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي) بفتح الجيم وإسقاط السين؛ أي لا بأس عليك في التأنِّي وعدم العجلة (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي تطلبي منهما أن يُبينا لك رأيهما في ذلك.
ووقع في حديث جابر رضي الله عنه (( حتى تستشيري أبويك ) )زاد محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها (( إنِّي عارض عليك أمرًا فلا تفتاتي فيه بشيءٍ حتَّى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان ) )أخرجه أحمد والطَّبري، ويُستفاد منه أنَّ أم رومان كانت يومئذٍ موجودة، فيردُّ به على من زعم أنَّها ماتت سنة ستٍّ من الهجرة، فإن التَّخيير كان في سنة تسع، وقد سبق أيضًا [خ¦4785] .
(قَالَتْ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عزّ وجَلَّ) ويُروى (قَالَ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} إِلَى {أَجْرًا عَظِيمًا} قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا) أي ففي أيِّ الأمرين من هذا الذي ذكرته (أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) وفي رواية محمَّد بن عمرو (( قلت فإنِّي أريد الله ورسوله والدَّار الآخرة ولا أؤامر أبوي أبا بكر وأم رومان فضحك ) ). وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عند الطَّبري ففرح، وفيه أن صغر السِّن مظنَّة لنقص الرأي،
ج 20 ص 488
فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما فيه المصلحة، وما في مقابله من المفسدة، وقد وقع في رواية عمرة عن عائشة رضي الله عنها في هذه القصَّة عند الطَّبري والطَّحاوي (( وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثتي ) )، وفيه أيضًا منقبة عظيمة لعائشة رضي الله عنها، وبيان كمال عقلها، وصحَّة رأيها مع صغر سنِّها.
(قَالَتْ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) وفي رواية عقيل [خ¦2468] (( ثم خيَّر نساءه فقلنَ مثل ما قالت عائشة رضي الله عنها ) )، وزاد ابن وهب عن يونس في روايته فلم يكن ذلك طلاقًا حين قاله لهنَّ فاخترنه، أخرجه الطَّبري.
وفي رواية محمَّد بن عَمرو ثم استقرأ الحُجَر يعني حجر أزواجه فقال (( إنَّ عائشة قالت كذا، فقلنَ ونحن نقول مثل ما قالت ) )، وقوله «استقرأ» ؛ أي تتبع، والحُجَر _ بضم المهملة وفتح الجيم _ جمع حُجْرة بضم ثم سكون، والمراد مساكن أزواجه صلى الله عليه وسلم، وفي حديث جابر رضي الله عنه (( أنَّ عائشة رضي الله عنها لما قالت بل أختار الله ورسوله والدَّار الآخرة، قالت يا رسول الله، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، فقال لا تسألني امرأة منهنَّ إلَّا أخبرتها، إنَّ الله لم يبعثني متعنتًا، وإنَّما بعثني معلمًا ميسرًا ) ).
وفي رواية مَعمر عند مسلم قال معمر فأخبرني أيُّوب (( أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت لا تُخبر نساءك أنِّي اخترتك، فقال إنَّ الله أرسلني مبلغًا، ولم يرسلني متعنتًا ) )، وهذا منقطعٌ بين أيُّوب وعائشة رضي الله عنها، ويشهد لصحَّته حديث جابر رضي الله عنه وفيه أنَّ الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرَّأي والعقل على ارتكاب ما لا يليقُ بحالها لسؤالها النَّبي صلى الله عليه وسلم أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنَّه صلى الله عليه وسلم لما علم أنَّ الحامل لها على ذلك ما طُبع عليه النِّساء من الغَيرة، ومحبَّة الاستبداد دون ضَرائرها لم يُسعفها بما طلبت من ذلك.
وقد وقع في «النهاية» و «الوسيط» أنَّ عائشة رضي الله عنها
ج 20 ص 489
أرادت أن يختارَ نساؤه الفِراق، قال الحافظُ العسقلاني فإن كانا ذكراه ممَّا فهماه من السِّياق فذاك وإلَّا فلم أر في شيءٍ من طرق الحديث التَّصريح بذلك، وذكر بعضُ العلماء أنَّ من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجهِ، واستند إلى هذه القصَّة، ولا دَلالة فيها على الاختصاص. نعم، ادَّعى بعضُ من قال إنَّ التخيير طلاق في حقِّ الأمة، واختُصَّ هو صلى الله عليه وسلم بأن ذلك في حقِّه ليس بطلاق، والله تعالى أعلم.
(تَابَعَهُ) أي تابع اللَّيث (مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين ساكنة، الجزري _ بالجيم والزاي والراء _، أبو سعيد الحرَّاني (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، وصله النَّسائي من طريق محمَّد بن موسى بن أَعْيَن ثنا أبي، فذكره (وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همَّام اليماني (وَأَبُو سُفْيَانَ) محمَّد بن حميد السُّكري (الْمَعْمَرِيُّ) بفتح الميمين، نسبة إلى مَعمر لأنَّه رحل إليه، وروى له مسلم والنَّسائي أيضًا (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير.
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أمَّا رواية عبد الرَّزَّاق فوصلها مسلم وابن ماجه من طريقه، وأخرجها أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه، وقَصَّر من قَصَر تخريجها على ابنِ ماجه، وأمَّا رواية أبي سفيان المَعْمَري فأخرجها الذُّهلي في «الزُّهريات» وتابع معمرًا على عروة جعفر بن بُرْقان، ولعلَّ الحديث كان عند الزُّهري عنهما، فحدَّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا جنحَ التِّرمذي، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزُّهري عن عائشة رضي الله عنها بغير واسطة، ثمَّ إنه لو اختارت المخيرة نفسها وقعت طلقة بائنة عند الحنفيَّة، ورجعيَّة عند الشَّافعية.