4788 - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) أبو السُّكَين الطَّائي الكوفي، وقيل البلخي، وقد تقدَّم في «العيدين» [خ¦966] قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ هِشَامٌ) هو ابنُ عروة (حَدَّثَنَا) فيه تقديم المخبر على الصِّيغة، وهو جائز تقديره قال حدَّثنا هشام (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ كُنْتُ أَغَارُ) كذا وقع بالغين المعجمة، من الغَيرة، وهي الحميَّة والأنفة، وعند الإسماعيلي من طريق محمَّد بن بشر عن هشام بلفظ (( كانت تُعيِّر ) )بعين مهملة وتشديد التحتية.
(عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذا ظاهر في أنَّ الواهبة أكثر من واحدة منهنَّ خولة بنت حكيم، فعند ابنِ أبي حاتم من حديث عائشة رضي الله عنها التي وهبتْ نفسها للنَّبي صلى الله عليه وسلم هي خولةُ بنت حكيم، وسيأتي الكلام عليه في كتاب «النِّكاح» [خ¦5113] ، فإن البخاري أشار إليه معلَّقًا، ومنهنَّ أم شريك أخرج ابنُ أبي حاتم من طريق الشَّعبي قال من الواهبات أم شريك، ومنهنَّ زينب بنت خزيمة، كما سيأتي في «النكاح» إن شاء الله تعالى [1] ، ومنهنَّ فاطمة بنتُ شُرَيح، فعند أبي عبيدة مَعمر بن المثنَّى أنَّ من الواهبات فاطمة بنت شُريح، ومنهنَّ ليلى بنت الحطيم رواه بعضُهم قال هي ممَّن وهبتْ نفسها للنَّبي، ومنهنَّ ميمونة بنت الحارث رواه قتادة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو منقطعٌ.
ويأتي في «النِّكاح» [خ¦5135] حديث سهل بن سعد (( أنَّ امرأة قالت يا رسول الله، إنِّي وهبت نفسي لك ) )الحديث، وفيه قصَّة الرَّجل الذي طلبها، فقال التمس ولو خاتمًا من حديد. وفي حديث أنس رضي الله عنه (( أنَّ امرأةً أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ لي ابنة، فذكرت من جمالها فآثرتك بها، فقال قد قبلتها فلم تزل تذكر حتَّى قالت لم تُصدعْ قط، فقال لا حاجةَ لي في ابنتك ) )أخرجه أحمدُ، وهذه امرأة أخرى بلا شك.
وفي حديث سماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند الطَّبري بإسنادٍ حسنٍ (( لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبتْ نفسها له ) )والمراد
ج 20 ص 495
أنَّه لم يدخل بواحدة ممَّن وهبتْ نفسها له وإن كان مباحًا له؛ لأنَّه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} .
(وَأَقُولُ أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب 51] قُلْتُ مَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي ما أظنُّ (رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي إلَّا موجدًا لما تُريد بلا تأخير منزلًا لما تُحب وتختار، ثمَّ إنَّهم اختلفوا في تفسير قوله تعالى {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} أي تؤخرهنَّ، فقيل بغير قسم، وهذا قول الجمهور.
وأخرجه الطَّبري عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وغيرهم، وأخرج الطَّبري عن الشَّعبي قال كنَّ نساء وهبن أنفسهنَّ للنَّبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهنَّ، وأرجأ بعضهنَّ لم ينكحنَّ، وهذا شاذٌّ، والمحفوظ أنَّه لم يدخل بواحدة من الواهبات، كما تقدَّم.
وقيل المراد بقوله {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} . .. إلى آخره أنَّه كان هَمَّ بطلاق بعضهنَّ فقلنَ له لا تُطلِّقنا، واقسم لنا ما شئتَ، فكان يقسمُ لبعضهنَّ قسمًا متساويًا، وهنَّ اللَّاتي آواهنَّ، ويقسمُ للباقيات ما شاء وهنَّ اللَّاتي أرجأهنَّ، فحاصل ما نُقل في تأويل قوله تعالى {تُرْجِي} أقوال
أحدها تُطِّلقُ وتمسك، وثانيها تعتزلُ من شئت منهنَّ بغير طلاقٍ وتقسم لغيرها، وثالثها تقبل من شئت من الواهبات وتردُّ من شئتَ، وحديث الباب يؤيِّد هذا والذي قبله، واللَّفظ محتملٌ للأقوال الثَّلاثة، وظاهر ما حكته عائشة رضي الله عنها من استئذانهِ أنه لم يرجئ أحدًا منهنَّ بمعنى أنَّه لم يعتزل، وهو قول الزُّهري ما أعلم أنَّه أرجأ أحدًا من نسائه، أخرجه ابنُ أبي حاتم. وعن قتادة أطلق له أن يقسم كيف شاء، فلم يقسم إلَّا بالسَّوية.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في النِّكاح،
ج 20 ص 496
والنَّسائي فيه وفي عشرة النِّساء والتَّفسير.
[1] في الفتح (ومنهن زينب بنت خزيمة، جاء عن الشعبي وليس بثابت؛ وخولة بنت حكيم وهو في هذا الصحيح) .