4795 - (حَدَّثَنَا) ويُروى بالإفراد (زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن صالح البلخي الحافظ الفقيه، وله شيخ آخر هو زكريا بن يحيى بن عمر أبو السُّكين الطَّائي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ) بنت زمعة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ) على البناء للمفعول (لِحَاجَتِهَا) وقد تقدَّم في «الطَّهارة» [خ¦146] أنَّه كان قبل الحجاب، قال الكرماني لعلَّه وقع مرَّتين، وقيل الحجاب الأوَّل غير الحجاب الثَّاني، قاله الحافظ العسقلاني، وذكره العيني وأقرَّه، وتعقَّبه القسطلاني بأنَّه ليس في الحديث ما يدلُّ لذلك قال بل ولا أعلم أحدًا قال بتعدُّد الحجاب.
نعم يحتمل أن يكون مراده بالحجاب الثَّاني بالنَّظر لإرادة عمر رضي الله عنه أن يحتجبنَ
ج 20 ص 509
في البيوت فلا يبدينَ أشخاصهنَّ، فوقع الإذن لهنَّ في الخروج لحاجتهنَّ دفعًا للمشقَّة، وليس المراد نزول الحجاب مرَّتين.
(وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً، لاَ تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ يَا سَوْدَةُ، أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وبعدها ألف، حرف استفتاح، ويكثرُ قبل القسم، وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف الألف (وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ) ولعلَّه قصدَ المبالغة في احتجاب أمَّهات المؤمنين بحيث لا يُبدينَ أشخاصهنَّ أصلًا ولو كنَّ مستترات (قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ) بالهمزة، قال القُرطبي وهو الصَّواب قال ووقع لبعض الرُّواة انكفت بحذف الألف، فكأنَّه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة فلقيها ساكن فحذفت؛ أي انقلبت، وانصرفت حال كونها (رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ فإنه بالفاء.
(لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت بإسقاط الواو (عَرْقٌ) بفتح العين وسكون الراء ثمَّ قاف العظم الذي عليه اللَّحم (فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الهمزة على البناء للمفعول (ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ) على البناء للمفعول؛ أي رفع عنه ما يلقاه وقت نزول الوحي عليه (وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ) جملة حالية (مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ إِنَّهُ) أي الشَّأن (قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ) دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحرج، وفيه تنبيه على أنَّ المراد بالحجاب التَّستر حتى لا يبدو من جسدهنَّ شيءٌ لا حجب أشخاصهنَّ في البيوت، والمراد بالحاجة البراز، والحاصل أنَّ عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطِّلاع الأجانب على الحريم النَّبوي حتى صرَّح بقوله احجبْ نساءك، وأكَّد ذلك إلى أنَّ نزلت آية الحجاب، ثمَّ قصدَ بعد ذلك أن لا يبدينَ أشخاصهنَّ أصلًا ولو كنَّ مستترات، فبالغ في ذلك فمنع منه، وأذن لهنَّ في الخروج لحاجتهنَّ دفعًا للمشقَّة ورفعًا للحرج.
قيل إيراد هذا الحديث في هذا الباب ليس بمطابق، بل إيراده في عدم الحجاب أولى.
ج 20 ص 510
وأُجيب بأنَّه أحال على أصل الحديث كعادته، فكأنَّه أشار إلى أنَّ الجمع بين الحديثين ممكنٌ، هذا وقد وقع في رواية مجاهد عن عائشة رضي الله عنها لنزول آية الحجابِ سببٌ آخر أخرجه النَّسائي بلفظ (( كنتُ آكلُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم حَيْسًا في قَعْب، فمرَّ عمرُ فدعاه فأكلَ فأصاب إصبعه إصبعي فقال حسِّ _ أو أوْهِ _ لو أُطاع فيكنَّ ما رأتكنَّ عينٌ، فنزلَ الحجابُ ) ).
ويمكن الجمع بأنَّ ذلك وقع قُبيل قصَّة زينب فلقربهِ منها أطلقتْ نزولَ الحجابِ بهذا السَّبب، ولا مانعَ من تعدُّد الأسباب، وقد أخرج ابن مَرْدويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( دخلَ رجلٌ على النَّبي صلى الله عليه وسلم فأطالَ الجلوس، فخرجَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مرَّات ليخرجَ فلم يفعلْ، فدخلَ عمر رضي الله عنه فرأى الكراهيةَ في وجهه، فقال للرَّجل لعلَّك آذيت النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعلْ، فقال له عمر رضي الله عنه يا رسولَ الله لو اتَّخذت حجابًا، فإنَّ نساءك لسنَ كسائرهنَّ وذلك أطهرُ لقلوبهم فنزلت آية الحجاب ) ).