فهرس الكتاب

الصفحة 7051 من 11127

4814 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة، (أَبِي) حفص بن غياث بن طلق النَّخعي الكوفي قاضيها (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني وهما نفخةُ الإماتةُ ونفخة البعث.

(أَرْبَعُونَ. قَالُوا) أي أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه، ولم يُعرف اسم أحد منهم (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (أَبَيْتُ، قَالَ) أي السَّائل (أَرْبَعُونَ سَنَةً، قَالَ) أي أبو هريرة (أَبَيْتُ، قَالَ) أي السَّائل (أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ) أي أبو هريرة (أَبَيْتُ) أي امتنعت من تعيين ذلك بالأيَّام والسِّنين والشُّهور؛ يعني لا أدري الأربعين الفاصلة بين النَّفختين أأيام أم سنون أم شهور، وعند ابن مَرْدويه من طريق أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش في هذا الحديث فقال أعييتُ من الإعياء، وهو التَّعب، وكأنَّه أشار إلى كثرةِ من يسأله عن تبيين ذلك فلا يُجيبُه، وعند ابن مَرْدويه أيضًا

ج 20 ص 577

من طريق زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بين النَّفختين أربعون، قالوا أربعون ماذا؟ قال هكذا سمعت، وقال ابنُ التِّين ويحتملُ أن يكون علم ذلك لكن سكتَ ليخبرهم في وقتٍ أو اشتغل عن الإعلام حينئذٍ.

قال الحافظُ العسقلاني وزعمَ بعض الشُّراح أنَّه وقع عند مسلم أربعين سنة، قال ولا وجودَ لذلك، نعم أخرج ابن مَرْدويه من طريق سعيد بن الصَّلت عن الأعمش في هذا الإسناد أربعون سنة وهو شاذٌّ، ومن وجه ضعيفٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال بين النَّفخة والنَّفخة أربعون سنة. ذكره في أواخر سورة ص، وكأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يسمعها إلَّا مجملة، ولهذا قال لمن عينها له أبيت، وفي «جامع» ابن وهب أربعون جمعة. وسنده منقطعٌ، وعند ابنِ المبارك عن الحسن مرفوعًا (( بين النَّفختين أربعون سنة الأولى يميتُ الله بها كلَّ حي، والأخرى يحيي الله بها كلَّ ميِّت ) ).

(وَيَبْلَى) بفتح أوله؛ أي يفنى، وفي نسخة من بَلي الثَّوب يَبْلَى بِلًى بكسر الباء، فإن فتحتها مددتها، ويُقال أبليت الثَّوب (كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلاَّ عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ) وفي رواية مسلم (( ليس من الإنسان شيء لا يَبْلى إلا عظمًا واحدًا ) )الحديث، وأفرد هذا القدر من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ (( كل ابن آدم يأكله التُّراب إلا عَجْب الذَّنب منه خُلِق ومنه يُرَكَّب ) )، وله من طريق همَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إنَّ للإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا أي عظم هو؟ قال عَجْبُ الذَّنب ) ).

والعَجْب _ بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة _، ويُقال لها عجم _ بالميم بدل الباء _، ونظيرهُ لازمٌ ولازبٌ، وهو أصل الذَّنب، وهو عظمٌ لطيف في أصل الصُّلب، وهو رأسُ العُصْعص بين الإليتين، وهو مكان رأس الذَّنب من ذوات الأربع، وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدُّنيا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّه مثل حبَّة خردلٍ، وهو أوَّل مخلوقٍ من الآدمي ) ).

قال ابنُ الجوزي قال ابنُ عقيل لله عزَّ وجلَّ في هذا سرٌّ لا نعلمه؛ لأنَّ من يُظهر الوجود من العدم لا يحتاجُ إلى شيءٍ يبني عليه، فإن علل هذا يجوز أن يكون الباري جلَّت عظمته جعل ذلك علامة للملائكة على إحياء كلِّ إنسانٍ بجواهره، ولا يحصلُ العلم للملائكة بذلك إلَّا بإبقاء عظم كلِّ شخصٍ ليعلم أنَّه أراد بذلك إعادة

ج 20 ص 578

الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزءٌ منها، وهذا كما أنَّه تعالى لما مات عُزيرًا عليه السَّلام وحماره أبقى عظام الحمار، فكساها ليعلم أنَّ ذلك المنشئ ذلك الحمار لا غيره، ولولا إبقاء شيءٍ لجوزت الملائكة أن تكون الإعادة للأرواحِ إلى أمثال الأجساد لا إلى أعيانها، فإن قيل في الصَّحيح يبلى كلُّ شيءٍ من الإنسان، وهنا يبلى إلَّا عجب الذَّنب.

فالجواب أنَّ هذا ليس بأوَّل عام خصَّ، ولا بأوَّل مجملٍ فصل، وقد قال العلماء هذا عامٌّ يخصُّ منه الأنبياء عليهم السَّلام؛ لأنَّ الأرض لا تأكلُ أجسادهم، وألحق ابنُ عبد البر بهم الشُّهداء، والقُرطبي المؤذن المحتسب، وقال القاضي عياض فتأويلُ الخبر وهو كلُّ ابن آدم يأكله التُّراب؛ أي كل ابن آدم ممَّا يأكله التراب، وإن كان التُّراب لا يأكل أجسادًا كثيرة كالأنبياء، ثمَّ الحكمة في تخصيصِ العجب بعدمِ البلى دون غيره أنَّه قاعدة بدء الإنسان وأسِّه الذي يبنى عليه، فهو أصلبُ من الجميع كقاعدةِ الجدار، وإذا كان أصلبُ كان أدوم بقاءً.

قال الحافظُ العسقلاني وقوله «يبلى كلُّ شيءٍ من الإنسان» ، يحتمل أن يريدَ به يفنى؛ أي تُعدم أجزاؤه بالكليَّة، ويحتمل أن يُرادَ به يستحيلُ فتزولُ صورتُه المعهودة فيصيرُ على صفة جسم التُّراب، ثم يُعادُ إذا رُكبت إلى ما عُهدَ، وقوله «إلَّا عجبُ ذنبه» ، أخذ بظاهرهِ الجمهور، فقالوا لا يبلى عجب الذَّنب، وقال الحافظُ العسقلاني وزعم بعض الشُّراح أنَّ المراد بأنَّه لا يبلى؛ أي يطولُ بقاؤه لا أنَّه لا يبلى أصلًا، وهذا مردودٌ لأنَّه خلاف الظَّاهر بغير دليل، انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّ المراد ببعض الشُّراح شارح «المصابيح» الذي يُسمَّى شرحه بـ «المظهر» ، وليس هو شارح البخاري، ومع ذلك ليس هو بمنفرد بهذا القول، بل قال به المزني أيضًا، فإنَّه قال «إلَّا» هنا بمعنى الواو؛ أي وعجبُ الذَّنب أيضًا يبلى، وقد أثبتَ هذا المعنى الفرَّاء والأخفش،

ج 20 ص 579

فقالا ترد إلَّا بمعنى الواو، ولكن هذا خلافُ الظَّاهر، وكيف لا وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه من طريق همَّام عنه (( أنَّ للإنسان عظمًا لا تأكلُه الأرض أبدًا فيه يُرَكَّب يوم القيامة، قالوا أيُّ عظمٍ هو؟ قال عجبُ الذَّنب ) )رواه مسلم، وقد ذكرناهُ من قبل.

ثمَّ قوله في رواية الأعرج «منه خُلق» يقتضي أنَّه أوَّل شيءٍ يُخلق من الآدمي، ولا يُعارضه حديث سلمان رضي الله عنه (( إنَّ أوَّل ما خُلق من آدم رأسه ) )لأن يُجمع بينهما بأن هذا في حقِّ آدم عليه السَّلام، وذاك في حقِّ بنيه، أو المراد بقول سلمان نفخ الرُّوح في آدم لا خلق جسدِهِ، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث اشتماله على النَّفخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت