4833 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدوي المدني مولى عمر رضي الله عنه (عَنْ أَبِيهِ) أسلم المخضرم مولى عمر رضي الله عنه، كان من سبي اليمن. وقال الواقدي أبو زيد الحبشي البجاري، من بجارة [1] _ بالموحدة والجيم والراء _ مات سنة ثمانين وهو ابنُ أربع عشرة ومائة سنة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) هذا السِّياق صورته الإرسال؛ لأنَّ أسلم لم يُدرك زمان
ج 21 ص 59
هذه القصة، لكنَّه محمولٌ على أنَّه سمعه من عمر رضي الله عنه بدليل قوله في أثنائه «قال عمر فحركتُ بعيري. .. إلى آخره» . وإلى ذلك أشار القابسيُّ، وقد جاء من طريقٍ أخرى «سمعتُ عمر» . أخرجهُ البزَّار من طريق محمد بن خالد بن عَثْمةَ عن مالك، ثمَّ قال لا نعلم رواه عن مالك هكذا إلَّا ابن عَثْمة وابن غزوان، انتهى.
وقال الدَّارقطني في «غرائب مالك» رواه عن مالك عن زيد عن أبيه عن عمر رضي الله عنهم متَّصلًا محمد بن خالد بن عَثْمةَ، وأبو الفرج [2] عبد الرَّحمن بن غزوان وإسحاق الحنيني ويزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب المكي، وأمَّا أصحاب «الموطأ» فرووهُ عن مالك مرسلًا، والمرادُ ببعض أسفارهِ هو عمرة الحديبية، وقد جاء كذلك في رواية من طريق عبد الرَّحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن السَّفر المذكور هو عُمرة الحديبية، وكذا في رواية مَعتمر عن أبيه عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه قال لما رجعنَا من الحديبية، وقد حيلَ بيننا وبين نسكنَا، فنحن بين الحزن والكآبة فنزلت. وسيأتي حديث سهل بن حنيف في ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦4844] .
(وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فُلَمْ يُجِبْهُ) يُستفاد منه أنَّه ليس لكلِّ كلامٍ جواب بل السُّكوت قد يكون جوابًا لبعض الكلام، وتكرير عمر رضي الله عنه السُّؤال إمَّا لكونه ظنَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعْه، أو لأنَّ الأمر الذي كان يسألُ عنه كان مهمًا عنده، ولعلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أجابه بعد ذلك، وإنَّما ترك إجابته أولًا لشغله بما كان فيه من نزولِ الوحي.
(فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني وهو بكسر الكاف، من الثُّكل وهو فقدان المرأةِ ولدها، وامرأة ثاكلةٌ وثكلى، ورجل ثاكل وثكلان، وما دعا عمر رضي الله عنه على نفسه حقيقة، وإنَّما هي من الألفاظ التي تُقال عند الغضب من غير قصد معناها، كقولهم تربتْ يداك، وقاتلكَ الله. وقيل [3] كان عمر رضي الله عنه دعا على نفسه حيث ألحَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج 21 ص 60
وقال ابن الأثير كأنَّه دعا على نفسه بالموت، والموت يعمُّ كلَّ أحدٍ، فإذًا الدعاء عليه كلا دعاء.
(نَزَرْتَ) بالنون وتخفيف الزاي وبالراء، ويُروى بتشديد الزاي، والتخفيف أشهر. قال أبو ذرٍّ سألتُ من لقيت من العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلَّا بالتخفيف، وكذا ذكره ثعلب وأهل اللُّغة، وبالتشديد ضبطها الأصيلي، وكأنَّه على المبالغة.
(رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ألححت عليه وبالغت في السُّؤال، قاله ابن فارس والخطَّابي. وقال ابنُ وهب أكرهتُه؛ أي أتيته بما يكره من السُّؤال، فأرادَ المبالغة، والنَّزر القلَّة، ومنه البئر النَّزور القليل الماء، وقال الدَّاودي معنى المثقَّل أقللتُ كلامه إذ سألته عمَّا لا يحب أن يجيبَ عنه، وأبعد من فسَّر نزرت براجعتُ.
(ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ) بالنصب (لاَ يُجِيبُكَ، فَقَالَ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ سقط لفظ (عُمَرُ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ) بتشديد الياء (الْقُرْآنُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون لام التَّعريف (فَمَا نَشِبْتُ) بكسر المعجمة وسكون الموحدة؛ أي فما لبثت ولا تعلَّقت بشيءٍ غير ما ذكرت (أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) أي بعد أن ردَّ السلام علي (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) اللام فيه للتَّأكيد (ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح 1] ) وإنما كانت أحب إليه من الدُّنيا لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح والنَّصر وإتمام النِّعمة وغيرها من رضى الله تعالى عن أصحاب الشَّجرة ونحوها، وقال ابنُ العربي أطلق المفاضلة بين المنزلة التي أُعطيها وبين ما طلعتْ عليه الشَّمس، ومن شرط المفاضلةِ استواء الشَّيئين في أصل المعنى، ثمَّ يزيد أحدهما على الآخر.
وأجاب ابن بطَّال بأنَّ معناه أنَّها أحبُّ إليه من كلِّ شيءٍ؛ لأنَّه لا شيء إلَّا الدنيا والآخرة،
ج 21 ص 61
فأخرج الخبر عن ذكر الشَّيء بذكر الدُّنيا إذ لا شيء سواها إلَّا الآخرة. وأجاب ابنُ العربي بما حاصله أنَّ أفعل قد لا يُراد بها المفاضلة، كقوله تعالى {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان 24] ولا مفاضلة بين الجنة والنَّار، أو الخطاب وقع على ما استقرَّ في أنفس أكثر النَّاس، فإنَّهم يعتقدون أنَّ الدُّنيا لا شيءَ مثلها، وأنَّها المقصود، فأخبر بأنَّها عنده خيرٌ ممَّا يظنون أنَّ لا شيءَ أفضل منه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد مضى في «المغازي» في باب «غزوة الحديبية» [خ¦4177] .
[1] في العمدة وتهذيب الكمال (البجاوي من بجاوة) .
[2] كذا في العمدة، وفي الفتح وتهذيب الكمال (أبو نوح) .
[3] في هامش الأصل عيني.