فهرس الكتاب

الصفحة 7118 من 11127

4850 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسندي قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ)

ج 21 ص 91

هو ابنُ هَمَّام _ بتشديد الميم وفتح الهاء _ قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) أي تخاصمتا بلسان الحال أو المقال، ولا مانع من أنَّ الله تعالى يجعل لهما تمييزًا يدركان به فيتحاجَّان، ولا يلزم من هذا التَّمييز دوامه فيهما.

(فَقَالَتِ النَّارُ أُوثِرْتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، بمعنى اختصصت (بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ) قيل هما مترادفان لغة، فالثاني تأكيدٌ لسابقه، وقيل المتكبِّر هو المتعظِّم بما ليس فيه، والمتجبِّر الممنوع الذي لا يوصل إليه، وقيل هو الَّذي لا يكترث بأمر ضعفاء النَّاس وسقطهم.

(وَقَالَتِ الْجَنَّةُ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ) وهم الَّذين لا يلتفت إليهم أكثر النَّاس لضعف حالهم ومسكنتهم (وَسَقَطُهُمْ) بفتحتين؛ أي المحتقرون بين الناس، السَّاقطون [1] من أعينهم، هذا بالنِّسبة إلى ما عند الأكثر من النَّاس، وأمَّا بالنِّسبة إلى ما عند الله تعالى فهم عظماء رفعاء الدَّرجات، لكنَّهم بالنِّسبة إلى ما عند أنفسهم لعظمة الله عندهم وخضوعهم له في غاية التَّواضع لله والذلَّة في عباده، فوصفهم بالضَّعف والسَّقط بهذا المعنى صحيحٌ، وأمَّا الحصر فبالنَّظر إلى الأغلب فإنَّ أكثرهم الفقراء والمساكين والبُلْه وأمثالهم، وأمَّا غيرهم من أكابر الدَّارين فهم قليلون وهم أصحاب الدَّرجات العلى.

وأمَّا قوله (( وغَرَثهم ) )بعد قوله (( وسقطهم ) )في رواية مسلم فهم أهل الحاجة والفاقة والجوع، وهو بفتح الغين المعجمة والراء وبالثاء المثلثة، والغرث في الأصل الجوع. وروي (( وعَجَزهم ) )بفتح العين المهملة والجيم، جمع عاجز. وروي (( وغِرَّتهم ) )بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وبالمثناة الفوقية، وهم البُلْه الغافلون الذين ليس لهم فكرٌ وحذقٌ في أمور الدنيا.

(قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى) وفي رواية أبي ذرٍّ (لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني

ج 21 ص 92

وسمَّاها رحمة؛ لأنَّ بها تظهر رحمته تعالى، كما قال (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وإلَّا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفًا (وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي، وفي رواية غيره ، ويُروى (أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) بالهاء في الفرع وأصله، وفي نسخة بالكاف.

(مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ) وفي رواية مسلم (( حتَّى يضع الله رجلَه ) )والأحاديث يُفسِّر بعضُها بعضًا، وسيأتي الكلام في الرِّجل (فَتَقُولُ) أي النَّار إذا وضع فيها رجله (قَطٍ قَطٍ قَطٍ) ثلاثًا بتنوينها مكسورة ومسكنة، وفي رواية أبي ذرٍّ مرتين (فَهُنَالِكَ) وفي نسخة بدون اللام (تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى) بضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمفعول؛ أي يضم (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) فتجتمع وتلتقي على من فيها، ولا ينشئ الله لها خلقًا.

(وَلاَ يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) لم يعمل شيئًا [2] ، وقالت المعتزلةُ إنَّ نفي الظُّلم عن من لم يذنب دليلٌ على أنَّه إن عذَّبهم كان ظلمًا، وهو عينُ مذهبنا، والجواب أنَّا وإن قلنا إنَّه تعالى وإن عذَّبهم لم يكن ظالمًا فإنَّه لم يتصرَّف في ملك غيره، لكنَّه تعالى لا يفعلُ ذلك لكرمه ولطفهِ مبالغة فنفي الظُّلم إثبات الكرم.

(وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا) لم يعمل خيرًا حتَّى تمتلئَ، وفي رواية مسلم من حديث أنس رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يبقى من الجنَّة ما شاء الله تعالى أن يبقى، ثمَّ يُنشئُ الله لها خلقًا ممَّا يشاء ) )وفي رواية له (( ولا يزال في الجنَّة فضل حتَّى يُنشئ الله لها خلقًا فيسكنُهم فضلَ الجنة ) )، قال النوويُّ هذا دليل لأهل السُّنَّة أنَّ الثَّواب ليس متوقِّفًا على العمل، فإنَّ هؤلاء يخلقون حينئذٍ ويعطون في الجنَّة ما يُعطون بغير عملٍ، ومثله أمر الأطفال والمجانين الَّذين

ج 21 ص 93

لم يعملوا طاعة قط، وكلُّهم في الجنَّة برحمة الله تعالى وفضله، وفيه دليلٌ أيضًا على عظم سعة الجنَّة فقد جاء في الصحيح أنَّ للواحد فيها مثل الدُّنيا عشرة أمثالها، ثمَّ يبقى فيها شيءٌ لخلقٍ يُنشئهم الله تعالى لها. وفي «التوضيح» ويُروى أنَّ الله لمَّا خلقَها، قال لها امتدِّي فهي تتَّسع دائمًا أسرع من النَّبل إذا خرج من القوس.

واعلم أنَّ هذه الأحاديث من مشاهير أحاديث الصِّفات، والعلماء فيها على مذهبين

أحدهما مذهب المفوِّضة وهو الإيمان بأنَّها حقٌّ على ما أراد الله تعالى، ولها معانٍ تليقُ بها، وظاهرها غير مرادٍ، وعليه جمهور السَّلف وطائفة من المتكلِّمين.

والآخر مذهبُ المؤولة وهو مذهبُ جمهور المتكلِّمين، فقد اختلفوا في تأويل القدم والرِّجل في هذه الأحاديث، فمنهم من قال المراد إذلالُ جهنَّم إذلال من يوضع تحت الرِّجل، وليس المراد حقيقة القدم والرِّجل كما تقدَّم. ومنهم من قال المراد بالقدم الفرط السَّابق؛ أي يضع الله فيها ما قدَّمه لها من أهل العذاب. وقال الإسماعيليُّ القدمُ قد يكون اسمًا لما قدم كما يُسمَّى ما خبط من الورق خبطًا. فالمعنى ما قدَّموا من عمل، فعلى هذا من لم يقدم إلَّا كفرًا أو معاصي على العناد والجحود فذاك قدمه. ومنهم من قال المراد بالقدمِ قدم بعض المخلوقين، فالضَّمير لمخلوق معلوم، أو يكون هناك مخلوق اسمه قدم. ومنهم من قال المراد بالقدم الأخير؛ لأنَّ القدم آخر الأعضاء، فيكون المعنى حتى يضعَ الله في النار آخر أهلها، ويكون الضَّمير للمزيد.

وقال ابن حبَّان في «صحيحه» بعد إخراجه هذا من الأخبار التي أُطلقت بتمثيل المجاورة، وذلك أنَّ يوم القيامة يُلقى في النَّار من الأممِ والأمكنةِ التي عُصي الله عليها فلا تزال تستزيد حتَّى يضعَ الربُّ فيها موضعًا من الأمكنة المذكورة فتمتلئ؛ لأنَّ العرب تُطلقُ القدم على الموضع، قال تعالى {قَدَمَ صِدْقٍ} [يونس 2] يريد موضعَ صدق. وزعم ابنُ الجوزي أنَّ الرواية التي جاءت بلفظ الرِّجل تحريف من بعض الرواة لظنِّه أنَّ المراد بالقدم الجارحة فرواها بالمعنى فأخطأ. ثمَّ قال ويحتمل أن يكون المراد بالرِّجل إن كانت محفوظة الجماعة، كما تقول رجلٌ من جراد،

ج 21 ص 94

فالتَّقدير يضع فيها جماعة، وأضافهم إليه إضافة اختصاصٍ.

وبالغ ابنُ فورك فجزم بأنَّ الرواية بلفظ الرِّجل غير ثابتةٍ عند أهل النَّقل وهو مردودٌ لثبوتها في «الصَّحيحين» وقد أوَّلها غيره بنحو ما تقدَّم في القدم، فقيل رجل بعض المخلوقين، وقيل إنَّها اسم مخلوق من المخلوقين. وقيل إنَّ الرِّجل تُستعملُ في الزَّجر، كما تقول لشيءٍ تريد محوه وإبطاله وضعته تحت رجلي، وقيل إنَّها تُستعملُ في طلب الشَّيء على سبيل الجدِّ، كما يُقال قامَ في هذا الأمر على رجل.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل تعالى الله عن أنَّه لا يعمل أمره في النَّار حتَّى يستعينَ عليها بشيءٍ من ذاته أو صفاتهِ، وهو القائلُ {كُوْنِي بَرْدًا وَسَلَامًا} [الأنبياء 69] فمن يأمر نارًا أججها غيره أن تنقلبَ عن طبعها، وهو الإحراق فتنقلب هل يحتاج في نار يؤجِّجها هو إلى استعانة، انتهى.

وجوابه يُفهم من التَّفصيل الواقع في ثالث أحاديث الباب [خ¦4850] حيث قال فيه (( ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤها، فأمَّا النَّار ) )فذكر الحديث، وقال فيه (( ولا يظلم الله من خلقه أحدًا ) )، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الجنَّة يقعُ امتلاؤها بمن يُنشئهم الله تعالى لأجل ملئها، وأمَّا النَّار فلا يُنشئ الله تعالى لها خلقًا بل يفعلُ فيها شيئًا عبَّر عنه بما ذُكر يقتضي لها أن ينضمَّ بعضها إلى بعضٍ فتصير ممتلئةً، ولا تحتملُ مزيدًا.

ومنهم من أنكر هذه الأحاديث كلها وكذَّبها، وهذا طعنٌ في الثِّقات، وإفراطٌ في ردِّ الصِّحاح. ومنهم من روى بعضها وأنكر أن يتحدَّث ببعضها، وقيل هو مالك روى حديث النُّزول وأوَّله، وأنكر أن يتحدَّث باهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه. ومنهم من تأوَّلها تأويلًا يكاد يُفضي فيه إلى القول بالتَّشبيه.

وقال محيي السُّنَّة القدم والرِّجل في هذا الحديث من صفات الله تعالى المنزهة عن التَّكييف والتَّشبيه، فالإيمان بها فرضٌ، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التَّسليم، والخائضُ فيها زائغٌ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، وليس كمثله شيء.

هذا، ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه يتضمَّن

ج 21 ص 95

امتلاء جهنَّم بوضع الرجل، كما يتضمَّن حديث أنس رضي الله عنه امتلاءها بوضع القدم. وقد أخرجه مسلم أيضًا.

[1] في هامش الأصل يعني لتواضعهم لربهم وذلتهم له. منه.

[2] عند القسطلاني سوءًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت