4862 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عَمرو المنقري المقعد البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختياني (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ)
ج 21 ص 139
أي وسجد معه المشركون (وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ) إنما أعاد الجنَّ والإنس مع دخولهم في المسلمين لنفي توهُّم اختصاص ذلك بالإنس، وسيذكر ما فيه من الكلام على الحديث الآتي بعده.
قال الكرمانيُّ سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنَّها أوَّل سجدةٍ نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصدٍ، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم. وقال الحافظ العسقلانيُّ والأوَّل من الاحتمالات الثَّلاثة للقاضي عياض، وأمَّا الاحتمال الثَّاني فيخالفه سياقُ ابن مسعودٍ رضي الله عنه حيث زاد فيه أنَّ الَّذي استثناهُ منهم أخذ كفًّا من حصى، فوضعَ جبهته عليه، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في القصد. والاحتمال الثالث أبعد إذ المسلمون حينئذٍ كانوا خائفين من المشركين لا العكس.
وتعقَّبه العينيُّ بأن ما ذكره من مخالفة سياق ابن مسعود رضي الله عنه غير دافع لبقاء الاحتمال في عدم القصد من الَّذي أخذ كفًّا من حصى فوضع جبهتَه عليه.
وبأنَّ الَّذي ذكره أبعد ممَّا قاله؛ لأنَّ المسلمين كانوا خائفين من المشركين وقت سجودهم لم يكونوا يتمكَّنون من السُّجود؛ لأنَّ السُّجود وضع الجبهة على الأرض، ومن يتمكَّن من ذلك ووراءه من يخافُ منه خصوصًا أعداء الدين، وقصدهم هلاك المسلمين. انتهى فليتأمل.
قال الإمام القسطلانيُّ والظَّاهر أنَّ سبب سجودهم ما أخرجه ابنُ أبي حاتم والطَّبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر، عن ابن جُبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النَّجم، فلمَّا بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى*وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم 19 - 20] ألقى الشَّيطان في أمنيته؛ أي تلاوته، تلك الغرانيق [1] العُلى، وإنَّ شفاعتهم لترتجى فقال المشركون ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجدَ وسجدوا، فنزلت آية {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج 52] الآية.
وقد رُوي ذلك من طرق ضعيفةٍ ومنقطعةٍ، لكنَّ كثرة الطُّرق تدلُّ على أنَّ له أصلًا مع أنَّ له طريقين مرسلين رجالهما على شرطِ الصَّحيح يحتجُّ بهما من يحتجُّ بالمرسل، وكذا من لا يحتجُّ به لاعتضاد بعضها
ج 21 ص 140
ببعضٍ، وحينئذٍ يتعيَّن تأويل ما ذكر، وأحسن ما قيل في تأويله إنَّ الشَّيطان قال ذلك محاكيًا نغمة النَّبي صلى الله عليه وسلم عندما سكتَ صلى الله عليه وسلم بحيث سمعها من دنا إليه، فظنَّ أنَّها من قوله صلى الله عليه وسلم وأشاعها. ويؤيِّده تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما {تَمَنَّى} بتلا.
وأمَّا قول الكرماني ما قيل أنَّ ذلك كان سببًا لسجودهم لا صحَّة له عقلًا ولا نقلًا، فهو مبنيٌّ على القول ببطلان القصَّة من أصلها، وأنَّها موضوعةٌ، وقد سبق ذكر ما هو الصَّواب في هذه المسألة في تفسير «سورة الحج» [خ¦4741 قبل] ، والله الموفق.
(تَابَعَهُ) أي تابع عبد الوارث (ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء، وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْ أَيُّوبَ) عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى آخره، وأخرج الإسماعيليُّ هذه المتابعة من طريق حفص بن عبد الله النَّيسابوري عن ابن طَهْمان بلفظ أنَّه قال حين نزلت السورة التي يذكر فيها النَّجم سجد لها الإنسُ والجنُّ، وقد تقدَّم ذكرها في «سجود التِّلاوة» [خ¦1071] .
(وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم المهملة وفتح اللام والتحتية المشددة، هو إسماعيلُ، وعليَّة أمُّه (ابْنَ عَبَّاسٍ) أراد به أنَّه حدَّث به عن أيوب فأرسله، وأخرجه ابنُ أبي شيبة عنه، وهو مرسلٌ وليس ذاك بقادح لاتفاق ثقتين عن أيوب على وصله، وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طهمان.
[1] في هامش الأصل الغروق الشاب الناعم، والجمع الغرانق والغرانيق والغرانقة. منه.