فهرس الكتاب

الصفحة 7179 من 11127

4886 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكندي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي النَّخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) هو ابنُ قيس (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ)

ج 21 ص 194

هو ابنُ مسعود رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ) بالشين المعجمة، جمع واشمة، من الوشم وهو أن يغرزَ إبرة أو مسلة ونحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة حتَّى يسيل منه الدم، ثمَّ يُحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة أو نيل، فيصير أخضر، ففاعل هذا واشم وواشمة.

(وَالْمُوتَشِمَاتِ) جمع موتشمة، وهي التي يُفعل بها ذلك، ويُقال أيضًا موشومة، فإن طلبت فعل ذلك فهي مستوشمة، وهو حرامٌ على الفاعل والمفعول بها باختيارها، والطَّالبة له فإن فعل ذلك بطفلهِ فالإثم على فاعله لا على الطِّفل لعدم التَّكليف حينئذٍ.

وقال النَّووي قال أصحابنا الموضع الذي وشم يصير نجسًا تجبُ إزالته إن أمكن بالعلاج، وإن لم يُمكن إلَّا بجرح يخاف منه التَّلف أو فوات عضو، أو منفعتهِ، أو شين فاحشٍ في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وإذا تاب لم يبق عليه إثمٌ، وإن لم يخف شيئًا من ذلك لزمه إزالته، ويعصي بتأخيرهِ، ولا يصح الاقتداءُ به ما دام الوشم باقيًا، وكان الواشم متعديًا أو أمكنه إزالته من غير ضررٍ. وقالت الحنفيَّة يصح الاقتداء به وإن كان متمكنًا من إزالتهِ.

(وَالْمُتَنَمِّصَاتِ) جمع مُتنمِّصَة، بضم الميم الأولى وكسر الثانية مشددة بينهما فوقية ونون والصاد مهملة. والتنمُّصُ هو إزالة الشَّعر من الوجه بالنَّتف ونحوه مأخوذٌ من المِنْماص _ بكسر الميم الأولى _ وهو المنقاش، والمتنمِّصة هي الطَّالبة إزالة شعر وجهها، والنَّامصة هي الفاعلة ذلك؛ أي المزيلة.

وعن ابنِ الجوزي بعضهم يقول المنتمصة بتقديم النون، والمضبوط عن الأشياخ في كتاب أبي عبيد بتقديم التاء مع التشديد. قال النَّووي وهو حرامٌ إلَّا إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب فلا يحرم، بل يستحبُّ عندنا، والنَّهي إنَّما هو في الحواجب وما في أطراف الوجهِ. وقال ابنُ حزم لا يجوز حلقُ لحيتها ولا عنفقتَها ولا شاربها ولا تغيير شيءٍ من خلقها بزيادةٍ ولا نقصٍ. انتهى. وسواءٌ في هذا كله الرجل والمرأة.

ج 21 ص 195

(وَالْمُتَفَلِّجَاتِ) جمع متفلِّجة بالفاء والجيم، من الفلج وهي فرجةٌ بين الثَّنايا والرُّباعيات، والتَّفلج هو بردُ الأسنان؛ أي الثَّنايا والرُّباعيات، وتفعل ذلك العجوز غالبًا إظهارًا للصِّغر وحسن الأسنان؛ لأنَّ هذه الفرجة اللَّطيفة بينها تكون للصِّغار، فإذا كبرت سنَّها وتوحَّشت تبردها بالمبرد لتصير لطيفةً حسنة المنظر، وهو حرامٌ على الفاعلة والمفعول بها؛ لأنَّه تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس وذلك إذا كانت طلبًا للحُسن، أمَّا لو احتاجت إليه لعلاج أو عيبٍ في السنِّ فلا، ولذلك قال (لِلْحُسْنِ) أي لأجل التَّحسين، والأظهرُ أن اللام متعلِّقة بالمتفلِّجات، ويجوز تعلقها بالأفعال المذكورة (الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ) يشمل ما ذكر قبله كله، ولذلك قال المغيِّرات، بدون الواو؛ لأنَّ ذلك كله تغيير لخلقِ الله، فهو كالتَّعليل لوجوب اللَّعن، وقيل هو صفةٌ لازمة للتَّفلج.

(فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ) قال الحافظُ العسقلاني لا يعرف اسمها، وقد أدركها عبد الرَّحمن بن عابس، كما في الطَّريق التي بعده (فَجَاءَتْ) أي إلى ابن مسعود رضي الله عنه (فَقَالَتْ) أي له (إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ) يعني المؤتشمات إلى آخره.

(فَقَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيه دليلٌ على جواز الاقتداءِ به صلى الله عليه وسلم في إطلاق اللَّعن معينًا كان أو غير معيَّن؛ لأنَّ الأصل أنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يلعنُ إلَّا من يستحقُّ ذلك عنده.

فإن قيل يعارضُه قوله صلى الله عليه وسلم (( اللَّهمَّ ما من مسلم سببتُه أو لعنتُه، وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا ) ).

فالجواب أنه لا يعارضه؛ لأنه عنده مستحقٌّ لذلك، وأمَّا عند الله عزَّ وجلَّ فالأمر موكول إليه يفهم ذلك من قوله (( وليس لذلك بأهلٍ ) )يعني في علمك لا في علمي، إمَّا أن يتوب مما صدر منه،

ج 21 ص 196

أو يقلع عنه، وإن علم الله منه خلاف ذلك كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم عليه زيادة في شقوته.

(وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) عطف على من لعنه وتقديره ما لي لا ألعن من هو في كتاب الله ملعون. فإن قيل أين في القرآن لعنتهن؟ أجيب بأن فيه وجوب الانتهاء عمَّا نهى الرَّسول عنه لقوله تعالى {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر 7] وقد نهى عنه، ففاعله ظالم، وقد قال تعالى {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِيْنَ} [هود 18] .

(فَقَالَتْ) أي أم يعقوب (لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ) يعني القرآن، والمراد باللَّوحين المصحف، أو أرادت باللَّوحين الَّذي يُسمَّى بالرجل الذي يوضع المصحف عليه فهو كنايةٌ أيضًا عن القرآن. وقال إسماعيل القاضي وكانت قارئة للقرآن (فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ) من اللَّعن على المذكورات (قَالَ لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ) ويروى وهو على الأصل، ووجه الأوَّل أنَّ فيه إشباع الكسرة بالياء، وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي.

(لَقَدْ وَجَدْتِيهِ) واللام في «لئن» موطئة للقسم، والثانية لجوابه الذي سدَّ مسدَّ جواب الشرط (أَمَا قَرَأْتِ) بتخفيف الميم ( {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر 7] . قَالَتْ بَلَى) أي قرأته (قَالَ فَإِنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (قَدْ نَهَى عَنْهُ) بفتح الهاء على البناء للفاعل، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها أموال الفيءِ فلفظها عام يتناولُ كل ما أمر به الشَّارع صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه، ولذا استنبطَ ابن مسعود رضي الله عنه منها ذلك، ويحتملُ أن يكون سمع اللَّعن من النَّبي صلى الله عليه وسلم كما في بعض طُرق الحديث.

(قَالَتْ) أي أمُّ يعقوب لابن مسعود رضي الله عنه (فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ) أرادت به زينب بنت عبد الله الثَّقفية (يَفْعَلُونَهُ) وفي رواية مسلم (( فقالت إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك ) ) (قَالَ) أي ابن مسعودٍ رضي الله عنه (فَاذْهَبِي) أي إلى أهلي (فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ) إليها (فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا) أي التي ظنَّت أنَّ زوج ابن مسعود رضي الله عنه كانت تفعله (شَيْئًا) فعادت

ج 21 ص 197

إليه وأخبرته. وقيل كانت المرأة رأت ذلك حقيقة، وإنّما ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه أنكر عليها فأزالتْه، فلهذا دخلتْ المرأة فلم تر ما كانت رأت قبل ذلك.

(فَقَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (لَوْ كَانَتْ) أي زينب (كَذَلِكَ) أي تفعلُ الذي ظننته (مَا جَامَعَتْنَا) بفتح الميم والعين وسكون الفوقية؛ أي ما صاحبتنا، ويحتمل أن يكون المراد الوطء، كذا في رواية الكُشمِيهني، وفي رواية الإسماعيلي (( ما جامعتني ) ). وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي أي ما وطئتها، وكلاهما كناية عن إيقاع الطلاق، والمعنى الأول أبلغ.

وفي الحديث أنَّ المعين على المعصية يشارك فاعلها في الإثم.

ومطابقته للترجمة في قوله «أما قرأت {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر 7] » .

وقد أخرجه البخاري في «اللباس» أيضًا [خ¦5931] ، وأخرجه مسلمٌ فيه أيضًا، وأبو داود في «الترجل» ، والترمذي في «الاستئذان» ، والنسائي في «الزينة» و «التفسير» ، وابن ماجه في «النكاح» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت