فهرس الكتاب

الصفحة 7190 من 11127

4892 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عَمرو المقعد البصري،

ج 21 ص 213

قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيدٍ التَّنُّوري _ بفتح الفوقية وتشديد النون _، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو السَّختياني (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين أمُّ الهذيل الأنصاريَّة البصرية (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نسيبة بنت الحارث رضي الله عنها، وقد تقدَّم ذكرها في كتاب «الجنائز» [خ¦1253] ، كذا قال عبد الوارث عن أيُّوب، وقال سفيان بن عُيينة عن أيُّوب عن محمد بن سيرين، عن أمِّ عطيَّة أخرجه النَّسائي، فكأنَّ أيوب سمعه منهما جميعًا.

(قَالَتْ) أي أنَّها قالت (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا {أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة 12] . وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ) وهو اسمٌ من ناحت المرأةُ على الميِّت إذا ندبته، ورفعت صوتها بأن تبكي، وتعدِّد محاسنه، وتقول واكهفاه واجبلاه مثلًا، وقيل النَّوح بكاءٌ مع الصَّوت، ومنه ناحَ الحمام نوحًا، وفي رواية مسلمٍ من طريق عاصم (( عن حفصة عن أمِّ عطيَّة رضي الله عنها قالت لما نزلت هذه الآية {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة 12] كان منه النِّياحة ) ).

(فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ يَدَهَا) قيل هي أمُّ عطيَّة المذكورة، ولكنَّها أبهمتْ نفسها يدلُّ عليه ما في رواية النَّسائي (( قلت إنَّ امرأةً أسعدتني في الجاهليَّة فلا بدَّ أن أسعدها ) )، وفي رواية عاصمٍ (( فقلت يا رسول الله! إلَّا آل فلانٍ، فإنَّهم كانوا أسعدوني في الجاهليَّة فلا بدَّ أن أسعدَهم ) ).

(فَقَالَتْ أَسْعَدَتْنِي فُلاَنَةُ) قال الخطابيُّ يُقال أسعدتِ المرأة صاحبتها إذا قامت في نياحةٍ معها تراسلها في نياحتها، وهو خاصٌّ بهذا المعنى، ولا يستعمل إلَّا في البكاءِ والمساعدة عليه، وأمَّا المساعدة فهي عامَّةٌ في جميع الأمور، ويقال إنَّ أصل المساعدة وضع الرَّجل يده على ساعد صاحبه عند التَّعاون.

(أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم فلانة (فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا) يعني أنَّه سكت ولم يرد عليها بشيءٍ (فَانْطَلَقَتْ) من عنده (وَرَجَعَتْ) إليه صلى الله عليه وسلم (فَبَايَعَهَا) وفي رواية النَّسائي (( قال اذهبي فأسعديها، قالت فذهبتُ فأسعدتها [1] ،

ج 21 ص 214

ثمَّ جئت فبايعت )) ، وهو معنى قولها «فانطلقت ورجعت» ؛ يعني انطلقت وأسعدت تلك المرأة الَّتي أسعدتها هي، ثمَّ رجعت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعند مسلمٍ (( أنَّ أمَّ عطيَّة قالت إلَّا آل فلان فإنَّهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بدَّ لي من أن أسعدَهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَّا آل فلان ) )، وفيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رخَّص لأمِّ عطيَّة في إسعادِ تلك المرأة أو آل فلان.

وقال النَّوويُّ هذا محمولٌ على التَّرخيص لأمِّ عطيَّة خاصَّةً، ولا يحلُّ النِّياحة لها ولغيرها في غير ذلك، كما هو ظاهر الحديث، وللشَّارع أن يخصَّ من العموم من شاء بما شاء، انتهى.

كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ تحليل شيءٍ من المحرَّمات لا يختصُّ بشخصٍ دون شخصٍ إلَّا أن يدَّعي أنَّ التي ساعدتها لم تكن أسلمت. وفيه بعدٌ على أنَّها لا تختصُّ أمُّ عطيَّة بذلك، فقد أخرج ابنُ مردويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه قال لما أخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النِّساء فبايَعَهن {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة 12] الآية، قالت خولة بنت حكيم يا رسول الله! كان أبي وأخي ماتا في الجاهليَّة، وإنَّ فلانةً أسعدتني وقد مات أخوها، الحديث.

وأخرج الترمذيُّ من طريق شهر بن حوشب عن أمِّ سلمة الأنصاريَّة وهي أسماءُ بنت يزيد، قالت قلت يا رسول الله! إنَّ بني فلانٍ أسعدُوني على عمِّي، ولا بدَّ من قضائهم، فأبى قالت فراجعتُه مرارًا فأذن لي، ثمَّ لم أنح بعد.

وأخرج أحمدُ والطَّبري [2] من طريق مصعب بن نوح قال أدركتُ عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فأخذ علينا ولا تنحنَ، فقالت عجوزٌ يا نبيَّ الله إنَّ ناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنَّهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريدُ أن أسعدَهم، قال (( اذهبي وكافئيهم ) )، قالت فانطلقتُ فكافأتهم، ثمَّ إنَّها أتت فبايعته، فظهرَ أنَّ لا خصوصيَّة لأمِّ عطيَّة بذلك.

فبهذه الأحاديث استدلَّ بعض المالكيَّة على جواز النِّياحة، وأنَّ المحرم منها ما كان معها شيءٌ من أفعال الجاهليَّة من شقِّ جيبٍ وخمشِ خدٍّ ونحو ذلك، والصَّواب أنَّ النِّياحة حرامٌ مطلقًا، وهو مذهب العلماء كافَّةً كما قال القاضي عياض.

وقد تقدم في «الجنائز» [خ¦1291 قبل] النَّقل عن غير هذا المالكي أيضًا أنَّ النِّياحة ليست

ج 21 ص 215

بحرامٍ، وهو شاذٌّ مردودٌ.

وقد أبداه القرطبيُّ احتمالًا وردَّه بالأحاديث الواردة في الوعيد على النِّياحة، وهو دالٌّ على شدَّة التَّحريم لكن لا يمتنع أن يكون النَّهي ورد أولًا بكراهيَّة التَّنزيه، ثمَّ لمَّا تمت مبايعة النِّساء وقع التَّحريم، فيكون الإذن الَّذي وقع لمن ذُكِر في الحالة الأولى لبيان الجواز، ثمَّ وقع التَّحريم فورد حينئذٍ الوعيد الشَّديد في أحاديث كثيرة.

منها حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ عند أبي يعلى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( النَّائحة إن لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة عليها سربالٌ من قطران، ودرعٌ من جرب ) ).

هذا وقد لخَّص القرطبي بقيَّة الأقوال في ذلك منها دعوى أنَّ ذلك قبل تحريم النِّياحة وقال هو فاسدٌ لمساق حديث أمِّ عطيَّة هذا، ولولا أنَّ أمَّ عطيَّة فهمت التَّحريم لما استثنت.

ويؤيِّده أيضًا أنَّ أمَّ عطيَّة صرَّحت بأنَّها من العصيان في المعروف، وهذا وصف المحرم، فليتأمَّل.

ومنها أنَّ قوله «إلَّا آل فلانٍ» ليس فيه نصٌّ على أنَّها تساعدهم بالنِّياحة، بل قد تساعدهم باللِّقاء والبكاء الَّذي لا نياحة معه، قال وهذا أشبه ممَّا قبله.

قال الحافظ العسقلانيُّ بل ردَّ عليه ورود التَّصريح بالنِّياحة، ويردُّ عليه أيضًا أنَّ اللِّقاء والبكاء المجرَّد لم يدخل في النَّهي، كما تقدَّم في «الجنائز» [خ¦1303] تقريره، ولو وقع الاقتصار عليه لم يحتج إلى تأخير المبايعة حتَّى تفعله.

ومنها أنَّه يحتمل أن يكون أعاد «إلَّا آل فلانٍ» على سبيل الإنكار، كما قال لمن استأذن عليه، فقال له (( من ذا؟ ) )فقال أنا، قال (( أنا أنا ) )، فأعاد عليه كلامه منكرًا عليه قوله أنا، ويردُّ عليه ما يردُّ على الأوَّل، فتأمَّل.

وأحسن الأجوبة وأقربها إلى الصَّواب ما سبق من أنَّ النَّهي ورد أوَّلًا للتَّنزيه، ثمَّ وقع التَّحريم بعد تمام مبايعة النِّساء، والله تعالى أعلم.

[1] كذا في العمدة، وفي النسائي والفتح والقسطلاني (فساعدتها) .

[2] في هامش الأصل في نسخة والطبراني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت