4900 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَاني _ بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة _ قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعي، وهو جدُّ إسرائيل (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ولإسرائيل فيه إسنادٌ آخر، أخرجه الترمذيُّ والحاكم من طريقه عن السُّدي، عن أبي سعدٍ الأزديِّ عن زيد بن أرقم، وسيأتي بعد بابين [خ¦4903] من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق تصريحه بسماعهِ له من زيد.
(قَالَ كُنْتُ فِي غَزَاةٍ) زاد بعد بابٍ [خ¦4901] من وجهٍ آخر عن إسرائيل (( مع عمِّي ) )، وهذه الغزوةُ هي
ج 21 ص 228
غزوة تبوكٍ كما وقع في رواية محمَّد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النَّسائي، ويؤيِّده قوله في رواية زهير الآتية [خ¦4903] إن شاء الله تعالى (( في سفرٍ أصاب النَّاس فيه شدَّة ) ).
وأخرج عبد بن حُميد بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ مرسلًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتَّى يصلِّي فيه، فلمَّا كان غزوة تبوك نزل منزلًا، فقال عبد الله بن أبيٍّ، فذكر القصَّة، والَّذي عليه أهل المغازي أنَّها غزوة بني المصطلق.
وسيأتي قريبًا في حديث أبي هريرة [1] رضي الله عنه ما يؤيِّده. وعند ابن عائذٍ وأخرجه الحاكم في «الإكليل» من طريقه، ثمَّ من طريق أبي الأسود عن عروة أنَّ القول الآتي ذكره صدر من عبد الله بن أبيٍّ بعد أن قفلوا.
وذكر أبو الفرج أنَّها المريسيع سنة خمس، وقيل ستٌّ، وقال موسى سنة أربع.
(فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ) هو ابنُ سلول رأس المنافقين، وسلول غير منصرفٍ؛ لأنَّه اسم أمِّ عبد الله، ويُروى ، والابن الثَّاني صفةٌ لعبد الله فهو بالنصب.
(يَقُولُ {لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} ) من المهاجرين ( {حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون 7] ) أي يتفرَّقوا (مِنْ حَوْلِهِ) هو كلام عبد الله بن أبيٍّ، ولم يقصد الرَّاوي بسياقه التِّلاوة.
قال الحافظ العسقلاني وغلط بعض الشُّرَّاح فقال هذا وقع في قراءة ابن مسعودٍ رضي الله عنه وليس في المصاحف المتَّفق عليها، فيكون على سبيل البيان من ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال ولا يلزم من كون عبد الله بن أبيٍّ قالها أن ينزلَ القرآن بحكاية جميع كلامه.
وقال العيني أراد ببعض الشُّرَّاح صاحب «التلويح» ، ولكنَّه لم يقل هكذا وإنَّما قال قوله (( {حَتَّى يَنْفَضُّوا} مِن حولِه ) )بكسر الميم وجر اللام، كذا هو في السَّبعة، قال النَّووي وقُرئ في الشاذ (( من حولَه ) )بالفتح هذا الذي ذكره صاحب «التلويح» ، نعم قوله كذا هو في السَّبعة، فيه نظرٌ.
( {وَلَئِنْ رَجِعْنَا} ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني والأوَّل أولى، وبعد الواو محذوفٌ تقديره وسمعته يقول، ووقع في الباب الذي بعده [خ¦4901] (( وقال لئن رجعنا ) )وهو يؤيِّد ذلك، وفي رواية محمَّد بن كعب عن زيد بعد باب [خ¦4902] «وقال أيضًا لئن رجعنا» ( {مِنْ عِنْدِهِ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ ( {لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا} )
ج 21 ص 229
يريد نفسه ( {الأَذَلَّ} [المنافقون 8] ) يريد النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وسيأتي في حديث جابرٍ رضي الله عنه [خ¦4905] سبب قول عبد الله بن أبيٍّ ذلك، قال زيد بن أرقم
(فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي _ أَوْ لِعُمَرَ _) كذا بالشَّكِّ، وفي سائر الروايات الآتية بلا شكٍّ، وكذا عند التِّرمذي من طريق أبي سعيدٍ الأزديِّ عن زيد، ووقع عند الطَّبرانيِّ وابن مردويه أنَّ المراد بعمِّه سعد بن عبادة، وليس عمُّه حقيقةً، وإنَّما هو سيِّدُ قومه الخزرج، وعمُّ زيد بن أرقم الحقيقيِّ ثابت بن قيسٍ له صحبةٌ، وعمُّهُ زوج أمِّه عبد الله بن رواحة خزرجيٌّ أيضًا.
وفي كلام الكرماني أنَّه عبد الله بن رواحة وهو عمُّه المجازي؛ لأنَّه كان في حجره وأنَّهما من أولاد كعب الخزرجي، وقال الغسَّاني الصَّواب عمِّي لا عمر على ما رواه الجماعة.
ووقع في «مغازي أبي الأسود» عن عروة أنَّ مثل ذلك وقع لأوس بن أرقم، فذكره لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. فلعلَّ هذا هو سبب الشَّكِّ في ذكر عمر رضي الله عنه.
وجزم الحاكم في «الإكليل» أنَّ هذه الرِّواية وهمٌ، والصَّواب زيد بن أرقم، ولكنَّه لا يمتنع تعدُّد المخبر بذلك عن عبد الله بن أبيٍّ إلَّا أنَّ القصَّة مشهورةٌ لزيد بن أرقم، وسيأتي من حديث أنسٍ رضي الله عنه [خ¦4906] ما يشهد لذلك.
(فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي ذكره عمِّي، وكذا في الرواية الَّتي بعد هذه، ووقع في رواية ابن أبي ليلى عن زيدٍ (( فأخبرت به النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )وكذا في مرسل قتادة، والتَّوفيق بينهما أنَّه يحمل على أنَّه أرسل أوَّلًا ثمَّ أخبر به بنفسه.
وقال الحافظ العسقلاني فكأنَّه أطلق الإخبار مجازًا، لكن في مرسل الحسن عند عبد الرَّزَّاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لعلَّك أخطأ سمعك، لعلَّك اشتبه عليك ) ).
فعلى هذا لعلَّه أرسل بذلك أوَّلًا على لسان عمِّه، ثمَّ حضر هو فأخبر. انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنَّ ما ذكره بالاحتمال هو المتعيِّن لقوله (فَدَعَانِي) صلى الله عليه وسلم (فَحَدَّثْتُهُ) بذلك (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ) فسألهم عن ذلك (فَحَلَفُوا مَا قَالُوا)
ج 21 ص 230
أي فحلفوا بالله ما قالوا ذلك، وفي رواية زهيرٍ (( فأجهد يمينه ) )، والمراد به عبد الله بن أبيٍّ، وجمع باعتبار من معه، ووقع في رواية أبي الأسود عن عروة (( فبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبيٍّ فسأله، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئًا ) ).
(فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالتشديد، وفي رواية زهيرٍ (( فقالوا كذب زيدٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ) )، وهذا بالتَّخفيف، و «رسولَ الله» بالنصب على المفعولية. وفي رواية ابن أبي ليلى عن زيد عند النَّسائي (( فجعل الناس يقولون إنَّ زيدًا حدَّث رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالكذب ) ).
(وَصَدَّقَهُ) أي عبد الله بن أبي، وفي الرِّواية التي بعدها (( فصدَّقهم ) )، وقد مضى توجيهها.
(فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ) يعني في الزَّمن الماضي، وفي رواية زهيرٍ (( فوقع في نفسي شدَّةٌ ) )، وفي رواية أبي سعدٍ الأزديِّ عن زيد (( فوقع عليَّ من الهمِّ ما لم يقعْ على أحدٍ ) )، وفي رواية محمَّد بن كعب (( فرجعت إلى المنزل فنمت ) )، زاد التِّرمذي في رواية (( فنمت كئيبًا حزينًا ) )، وفي رواية ابن أبي ليلى (( حتَّى جلست في البيت مخافة إذا رآني النَّاس أن يقولوا كذبت ) ).
(فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ) بتشديد الذال (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ؟) من مقته مقتًا، إذا أبغضه بغضًا؛ أي ما قصدت منتهيًا إليه؛ أي ما حملك عليه، وفي رواية محمَّد بن كعب (( فلامني الأنصار ) )، وعند النَّسائي من طريقه (( ولامني قومي ) ) (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية محمَّد بن كعبٍ (( فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )أي الوحي، وفي رواية زهيرٍ (( حتَّى أنزل الله ) )، وفي رواية أبي الأسود عن عروة (( فبينما هم يسيرون أبصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه فنزلت ) )، وفي رواية أبي سعدٍ عن زيد قال (( فبينما أنا أسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من الهمِّ، أتاني فعرك بأذني وضحكَ في وجهي، فلحقني أبو بكرٍ رضي الله عنه فسألني، فقلت له، فقال أبشر، ثمَّ لحقني عمر رضي الله عنه مثل ذلك، فلمَّا أصبحنا قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين ) ).
ج 21 ص 231
( {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون 1] ) زاد آدم بن أبي إياس [خ¦4901] (( إلى قوله {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} إلى قوله {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون 8] ) )وهو يبيِّن أن رواية محمد بن كعب مختصرة حيث اقتصر فيها على قوله ونزل {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} حتَّى بلغَ {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون 8] .
(فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ) أي ما أنزل الله عليه من ذلك (فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ) وفي مرسل الحسن (( فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأذن الغلام، فقال وفَت أذنك يا غلام مرَّتين ) )، وزاد زهيرٌ في روايته (( فدعاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم ليستغفرَ لهم ) )، وسيأتي شرحه بعد ثلاثة أبواب [خ¦4903] .
وفي الحديث من الفوائد ترك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات لئلَّا ينفر أتباعهم، والاقتصار على معاتباتهم، وقبول أعذارهم، وتصديقِ أيمانهم، وإن كانت القرائن تُرشدُ إلى خلاف ذلك لما في ذلك من التَّأنيس والتَّأليف.
وفيه جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يُعدُّ نميمةً مذمومةً إلَّا إن قصد بذلك الإفساد المطلق، وأمَّا إذا كانت فيه مصلحةٌ تُرَجَّح على المفسدة فلا.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في التوبة، والتِّرمذي في التفسير، وكذا النَّسائي فيه.
[1] في الفتح (جابر) وهو الموافق للأحاديث [خ¦4905]