4909 - (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، أبو محمَّد الطَّلحي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) هو ابنُ عبد الرَّحمن أبو معاوية النَّحوي (عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثير، صالحٌ من أهل البصرة سكن اليمامة، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) هو ابنُ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَأَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (جَالِسٌ عِنْدَهُ) والجملة حالية (فَقَالَ أَفْتِنِي) بقطع الهمزة (فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا) أي بعد وفاة زوجها (بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً؟) هل انقضت عدَّتها بولادتها أم لا؟ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (آخِرُ الأَجَلَيْنِ) برفع آخر؛ أي عدَّتها آخر الأجلين، أو بنصبه، وهي رواية أبي ذرٍّ؛ أي تتربَّص آخر الأجلين؛ يعني أنَّها تتربَّص أربعة أشهر وعشرًا لو وضعت قبل ذلك، فإن مضت ولم تضع تتربَّص إلى أن تضعَ، وقد قال بقول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما هذا محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ونُقل عن سحنون أيضًا.
(قُلْتُ أَنَا) القائل هو أبو سلمة ( {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4] ) ووقع عند الإسماعيليِّ قيل لابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في امرأةٍ وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين ليلةٍ أيصلح أن تتزوَّج؟ قال لا إلى آخر الأجلين، قال أبو سلمة فقلت قال الله {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال إنَّما ذاك في الطَّلاق.
وهذا السِّياق أوضح لمقصود التَّرجمة، لكن البخاريَّ على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى.
وقد أخرج الطَّبري
ج 21 ص 252
وابن أبي حاتم بطرقٍ متعدِّدة إلى أبي بن كعب رضي الله عنه أنَّه قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4] المطلقة ثلاثًا أو المتوفَّى عنها زوجها، قال هي للمطلَّقة ثلاثًا وللمتوفى عنها.
وهذا المرفوع وإن كان لا يخلو شيء من أسانيده عن مقالٍ لكن كثرة طُرقه تشعر بأنَّ له أصلًا، ويعضده قصَّة سُبيعة المذكورة.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي؛ يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) أي أوافقه فيما قال، وهذا على عادة العرب إذ ليس هو ابن أخيه حقيقةً (فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنه (غُلاَمَهُ كُرَيْبًا) نصب على أنَّه عطف بيان لغلامه (إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) أي هند المخزوميَّة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (يَسْأَلُهَا) وهذا السِّياق ظاهره أنَّ أبا سلمة تلقَّى ذلك عن كريبٍ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها وهو المحفوظ، وذكر الحميديُّ في الجمع أنَّ أبا مسعود ذكره في «الأطراف» في ترجمة أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها.
قال الحميديُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الَّذي عندنا من البخاري فأرسل ابن عبَّاسٍ غلامه كريبًا لم يذكر لها اسمًا كذا قال.
وقال الحافظ العسقلاني والَّذي وقع لنا ووقفت عليه من جميع الرِّوايات في البخاري في هذا الموضع فأرسل ابن عبَّاس غلامه كريبًا إلى أمِّ سلمة، وكذا هو عند الإسماعيلي من وجهٍ آخر عن يحيى بن أبي كثير.
وقد ساقه مسلم من وجهٍ آخر فأخرجه من طريق سليمان بن يسار أنَّ أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليالٍ، فقال ابن عبَّاس عدَّتها آخر الأجلين، فقال أبو سلمة قد حلَّت، فجعلا يتنازعان فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي، فبعثوا كريبًا مولى ابن عبَّاسٍ إلى أمِّ سلمة يسألها عن ذلك، وهذه القصَّةٌ معروفةٌ لأم سلمة.
(فَقَالَتْ قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها عين مهملة (الأَسْلَمِيَّةِ) بنت الحارث الأسلمي، قيل إنَّها أول امرأةٍ أسلمت بعد صُلح الحديبية، وزوجها سعدُ بن خَوْلة، قال عروة
ج 21 ص 253
خولة من بني عامر بن لؤي، وكان من مهاجرة الحبشة وشهد بدرًا. فإن قيل قال في «الجنائز» [خ¦1295] أنَّه مات بمكة، وفي قصَّة بدرٍّ [خ¦4026] أنَّه توفي عنها، وهنا قال قتل فما الأصحُّ منها؟ فالجواب أنَّ المشهور هو الموت لا القتل، وأنَّها قالت بالقتل بناء على ظنِّها.
(وَهْيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً) وجاء بخمسة وثلاثين يومًا، وجاء بخمس وعشرين ليلة، وجاء بثلاث وعشرين ليلة، وفي رواية ، وهذا كلُّه في تفسير عبد بن حميد وابن مَردويه وابن جرير (فَخُطِبَتْ) بضم الخاء المعجمة على البناء للمفعول (فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا) السَّنَابل بفتح السين المهملة والنون بعدها ألف فموحدة فلام، جمع سنبلة، وأبو السَّنابل هو ابنُ بعكك _ بموحدة بوزن جعفر _ واسمه لُبيد، وقيل عَمرو، وقيل عبد الله، وقيل أصرم، وقيل حبَّة بالموحدة، وقيل حنَّة، بالنون، وقيل لبيد ربَّه، أسلم يوم الفتح، وكان من المؤلَّفة، وكان شاعرًا، وبقي زمانًا بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما جزمَ به ابن سعدٍ، لكن نقل الترمذيُّ عن البخاريِّ أنَّه قال لا يعلم أنَّ أبا السَّنابل عاش بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال، وعند ابن عبد البرِّ أنَّ أبا السَّنابل تزوَّج سُبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السَّنابل.
وقال العسكريُّ هذا غير أبي السَّنابل عبد الله بن عامر بن كريز القرشي. وفقه هذا الحديث أنَّ أجل المتوفَّى عنها زوجها آخر الأجلين عند ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وروي ذلك أيضًا عن عليٍّ وابن أبي ليلى، واختاره سحنون، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما رجوعه من ذلك، وقال انقضاء العدَّة بوضع الحمل، وعليه فقهاء الأمصار، وهو قول أبي هريرة وعمر وابن مسعود وأبي سلمة رضي الله عنهم.
وسببُ الخلاف تعارض الآيتين، فإنَّ كلاًّ منهما عامٌّ من وجهٍ وخاصٌّ من وجه، فقوله تعالى {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة 234] عامٌّ في المتوفَّى عنهن أزواجهنَّ، سواءٌ كنَّ حوامل أم لا، وقوله تعالى {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق 4] عامٌّ في ذوات الأحمال سواءٌ كنَّ مطلَّقاتٍ أو متوفى عنهنَّ أزواجهنَّ، فهذا هو السَّبب في اختيار من اختار أقصى الأجلين لعدم ترجيحِ أحدهما
ج 21 ص 254
على الآخر، فاقتضي أن لا يرفعَ تحريم العدَّة إلَّا بيقين، وذلك بأقصى الأجلين غير أنَّ فقهاءَ الأمصار اعتمدوا على عموم قوله {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق 4] فإنَّه مخصِّص لعموم قوله {وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة 234] ، وليس بناسخٍ؛ لأنَّه أخرج بعضَ متناولاته، وحديث سُبيعة أيضًا متأخِّر عن عدَّة الوفاة؛ لأنَّه كان بعد حجَّة الوداع، والله تعالى أعلم.