4910 - (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي (وَأَبُو النُّعْمَانِ) هو محمد بنُ الفضل المعروف بعارم، وكلاهما من شيوخ البخاريِّ، لكن ذكره الحميديُّ وغيره في التَّعليق، وأغفله المزي في «الأطراف» مع ثبوته هنا في جميع النُّسخ. وقد وصله الطَّبراني في «المعجم الكبير» عن عليِّ بن عبد العزيز، عن أبي النُّعمان بلفظه. وعن يوسف القاضي عن سليمان بن حرب. ووصله البيهقيُّ من طريق يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب، قالا (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم الجهضمي (عَنْ أَيُّوبَ) هو السَّختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين، أنَّه (قَالَ كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ) بفتح اللام، والمشهور بإسكانها، واقتصرَ ابن التِّين على الأول (فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريُّ المدني الكوفي.
(وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ) تقدَّم في «تفسير البقرة» [خ¦4532] عن حبان عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين قال جلست إلى مجلسٍ فيه عُظْمٌ من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى (فَذَكَرَ) وفي رواية أبي ذرٍّ ؛ أي أصحابه، وفي نسخة زيادة (آخِرَ الأَجَلَيْنِ) أي ذكروا له الحامل تضع بعد وفاة زوجها (فَحَدَّثْتُ) أي أنا (بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) الأسلميَّة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون المثناة الفوقية؛ أي ابن مسعود، وساق الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن حمَّاد بن زيدٍ بهذا الإسناد قصَّة سُبيعة بتمامها، وكذا صنع أبو نُعيم (قَالَ) أي ابن سيرين (فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ) ويروى بنون بدل اللام، بضاد معجمة وميم مثقلة وزاي. قال ابن التِّين كذا في أكثر النسخ، ومعناه أشار إليَّ أن اسكت، يقال ضمز الرَّجل إذا عضَّ على شفتيه. وفي رواية أبي ذرٍّ بتخفيف الميم. وقال ابن الأثير أيضًا بالضاد والزاي من ضمز إذا سكت.
ج 21 ص 255
وفي رواية القابسي بالراء مع التخفيف وبنون وتحتية. وفي رواية أبي الهيثم بالراء أيضًا لكن مع التشديد، يقال ضَمَّر سكت، وضمره غيره أسكته. وفي رواية الأصيلي بنون بعد الميم المشددة، ويروى بكسر الميم مخففة.
قال صاحب «التلويح» هكذا في نسخة سماعنا بالنون، وقال القاضي عياض وليس له معنى معروف في كلام العرب، وأشبهها رواية أبي الهيثم، وكذا وقع عند الكُشميهني، ونقل أيضًا عن أبي عبد الملك أنَّها بالراء المهملة بمعنى انقبض، ويروى ، فإن صحَّت فمعناه من تغميض عينيه له على السُّكوت، وهي رواية ابن السَّكن.
قال الحافظُ العسقلاني ولعلَّها فغمز _ بغين معجمة بدل الضاد _، أو فغمص _ بصاد مهملة في آخره _؛ أي عابه، ولعلَّ الرِّواية المنسوبة إلى ابن السَّكن كذلك، انتهى.
وقال أيضًا الَّذي يُفهم من سياق الكلام أنَّه أنكر عليه مقالته من غير أن يواجهه بذلك بدليل قوله «ففطنت له» ، وقولهِ «فاستحيا» .
(قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين (فَفَطِنْتُ لَهُ) بكسر الطاء ويفتح؛ أي لإنكاره (فَقُلْتُ إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ) وفي رواية هشام عن ابن سيرين عند عبد بن حميد (( إنِّي لحريصٌ على الكذب ) ) (إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) هذا يُشعر بأنَّ هذه القصَّة وقعت له وعبد الله بن عتبة حيٌّ (فَاسْتَحْيَا) أي ممَّا صدر عنه من الإشارة على الإنكار علي (وَقَالَ) ابن أبي ليلى (لَكِن عَمَّهُ) بتخفيف النون، يريد به عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه (لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ) ويُروى بدون اللام، قال الحافظ العسقلاني كذا نَقل عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، والمشهور عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه خلاف ما نقله ابن أبي ليلى، فلعلَّه كان يقول ذلك ثمَّ رجع، أو وهم النَّاقل عنه.
(فَلَقِيتُ) بكسر القاف (أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ) الهَمْداني الكوفي التَّابعي، وفي رواية ابن عوف (( مالك بن عامر أو مالك بن عوف ) )بالشَّكِّ، ويقال عمرو بن أبي جندب، وهو مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه، مات في ولاية مصعب بن الزُّبير على الكوفة، والقائل «فلقيت» هو ابنُ سيرين، كأنَّه استغرب ما نقله ابن أبي ليلى عن ابن مسعودٍ، فاستثبت فيه من غيره. ووقع في رواية هشام عن ابن سيرين (( فلم أدر ما قول ابن مسعود رضي الله عنه فسكت، فلمَّا قمت لقيت أبا عطية ) ).
(فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك تثبيتًا (فَذَهَبَ) أي أبو عطية (يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ) مثل ما حدَّثني
ج 21 ص 256
عبد الله بن عتبة عنها (فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه (فِيهَا شَيْئًا؟) أراد استخراج ما عنده في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه دون غيره لما وقع من التَّوقُّف عنده فيما أخبره به ابن أبي ليلى (فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (فَقَالَ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) أي طول العدَّة بالحمل إذا زادت مدته على مدَّة الأشهر، وقد يمتدُّ ذلك حتَّى يجاوز تسعة أشهر إلى أربع سنين (وَلاَ تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ؟) وفي رواية الحارث بن عمير عند أبي نعيم (( ولا تجعلون لها ) )وهي أوجه، وتحملُ الأولى على المشاكلة؛ أي إذا جعلتم التَّغليظ عليها فاجعلوا لها الرُّخصة؛ أي التَّسهيل إذا وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشرة أخذًا بما دلَّت عليه سورة الطلاق.
وفي رواية أبي نعيمٍ من طريق الحارث بن عمير عن أيوب (( فقال أبو عطيَّة ذكر ذلك عند ابن مسعودٍ رضي الله عنه فقال أرأيتم لو مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع حملها كانت قد حلَّت؟ قالوا لا، قال فتجعلون عليها التَّغليظ ) )، الحديث.
(لَنَزَلَتْ) اللام تأكيد لقسم محذوف، ووقع في رواية الحارث بن عمير بيانه، ولفظه (( فوالله لقد نزلت ) ) (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى) أي سورة الطَّلاق بعد سورة البقرة ( {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4] ) والمراد بعض كل فمن البقرة قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] ، ومن الطَّلاق قوله تعالى {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4] .
ومراد ابن مسعودٍ رضي الله عنه إن كان هناك نسخٌ فالمتأخر هو النَّاسخ، وإلَّا فالتَّحقيق أنَّ لا نسخ هناك، بل عموم آية البقرة مخصوصٌ بآية الطَّلاق، وقد أخرج أبو داود وابن أبي حاتم من طريق مسروقٍ بلغ ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ عليًّا رضي الله عنه يقول تعتدُّ آخر الأجلين فقال من شاء لاعنته أنَّ التي في النِّساء القصرى أُنزلت بعد سورة البقرة، ثمَّ قرأ وَأُولَاتُ
ج 21 ص 257
الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق 4] ، وعُرِف بهذا مراده بسورة النساء القصرى، وفيه جواز وصف السُّورة بذلك.
وحكى ابن التِّين عن الدَّاودي قال لا أدري قوله «القصرى» محفوظًا، ولا يُقال في سور القرآن قصرى ولا صغرى، وإنَّما يُقال قصيرة، انتهى.
قال الحافظ العسقلاني وهو ردٌّ للأخبار الثَّابتة بلا مستندٍ، والقصر والطُّول أمرٌ نسبيٌّ، وقد ورد في «صفة الصَّلاة» [خ¦764] قول زيد بن ثابت طولى الطُّوليين، وأراد بذلك سورة الأعراف.