4911 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضم الميم وبالعين المهملة والذال المعجمة، وفَضَالة بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة، الزهرانيُّ، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي (عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثير، بالمثلثة (عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف. وفي «الحاشية» هو يعلى بن حكيم الثَّقفي البصري، وفي بعض النُّسخ ، وقد سمَّاه يحيى بن أبي كثير في رواية معاوية بن سلام عنه، كما سيأتي في كتاب «الطلاق» [خ¦5266] .
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) وزاد في رواية معاوية المذكورة [خ¦5266] أنَّه أخبره أنَّه سمع ابن عبَّاس رضي الله عنهما (قَالَ فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ) أي إذا قال هذا عليَّ حرامٌ، أو أنت عليَّ حرامٌ يكفِّر بكسر الفاء كفارة اليمين. وفي «الحاشية» يكفِّر، بكسر الفاء لجميعهم، وعند بعضهم بفتح الفاء، وزيادة يمين، وهي رواية ابن السَّكن وحدَه حيث وقع في روايته وهو بفتح الفاء، وهذا أوضح في المراد.
وقال الحافظ العسقلاني أي إذا قال لامرأتهِ أنتِ عليَّ حرامٌ، لا تُطلَّق، وعليه كفَّارة يمينٍ، وفي رواية معاوية المذكورة إذا حرَّم امرأته ليس بشيءٍ. وعند النَّسائي وسُئل فقال ليست عليك بحرامٍ، عليك الكفَّارة عتق رقبة.
وقال ابن بطَّال عنه يلزمه كفارة الظِّهار، قال وهو قول أبي قلابة وابن جبير وهو قول أحمد. وعن الشَّافعي إذا قال لزوجته أنتِ عليَّ حرامٌ إن نوى طلاقًا كان طلاقًا، وإن نوى ظهارًا كان ظهارًا؛ لأنَّ كلًّا منهما يقتضي التَّحريم فجاز أن يُكنى عليه بالحرام، وإن نواهما معًا أو مرتَّبًا يخير، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاقٍ ولا ظهار تلزمه كفَّارة يمينٍ بنفس اللَّفظ، ولا يكون ذلك يمينًا، وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان أصحُّهما تلزمه كفَّارة يمين. والثاني أنَّه لغوٌ لا شيء فيه، ولا يترتَّب عليه شيءٌ من الأحكام، ولا تحرم عليه؛ لأنَّ الأعيان وما ألحق بها لا توصف بذلك، وكذا إذا قال لأمَته ذلك فإنَّها لا تحرم عليه، وعليه كفَّارة يمينٍ أخذًا من آية الباب.
وذكر القاضي عياض في هذه المسألة أربعة عشر قولًا
أحدها المشهور من مذهب مالك أنَّه يقع
ج 21 ص 259
به ثلاث تطليقاتٍ سواءٌ كانت مدخولًا بها أم لا، لكن المشهور لو نوى أقل من ثلاث قبل في غير المدخول بها خاصَّةً، وهو قول عليِّ بن أبي طالبٍ وزيد والحسن والحكم.
الثاني أنَّه يقع تطليقاتٌ، ولا تقبل نيَّته في المدخول بها ولا غيرها، قاله ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون.
الثالث أنَّه يقع به على المدخول بها ثلاثٌ، وعلى غيرها واحدةٌ، قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم.
الرابع أنَّه يقع به طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ سواء المدخول بها وغيرها، وهي رواية عن مالك.
الخامس أنَّها طلقةٌ واحدةٌ رجعيَّةٌ، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة المالكي.
السادس أنَّه يقع ما نوى، ولا يكون أقلَّ من طلقةٍ واحدة، قاله الزُّهري.
السابع أنَّه إن نوى واحدةً أو عددًا أو يمينًا فله ما نوى، وإلَّا فلغوٌ، قاله الثَّوري.
الثامن مثله إلَّا أنَّه إذا لم ينو شيئًا لزمه كفَّارة يمينٍ، قاله الأوزاعيُّ وأبو ثور.
التاسع مذهب الشَّافعي المذكور قبل، وهو مذهب أبي بكر وعمر وغيرهما من الصَّحابة والتَّابعين.
العاشر إن نوى الطَّلاق وقعت طلقةٌ بائنةٌ، وإن نوى ثلاثًا وقع الثَّلاث، وإن نوى اثنتين وقعت واحدة، وإن لم ينو شيئًا فيمين، قاله أبو حنيفة وأصحابه.
الحادي عشر مثل العاشر إلَّا أنَّه إذا نوى الاثنتين وقعتا، قاله زفر.
الثاني عشر أنَّه يجب كفَّارة الظِّهار، قاله إسحاق بن راهويه.
الثالث عشر هي يمينٌ يلزم فيها كفَّارة اليمين، قاله ابن عبَّاس رضي الله عنهما وبعض التَّابعين، وعنه ليس بشيءٍ.
الرابع عشر أنَّه كتحريم الماء والطَّعام، فلا يجب فيه شيءٌ أصلًا، ولا يقع به شيءٌ، بل هو لغوٌ، قاله مسروقٌ وأبو سلمة والشعبي وأصبغ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] ) الغرض من هذا القول هو الإشارة إلى سبب نزول أول هذه السُّورة، وقوله فيها {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم 2] .
وقد وقع في بعض حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه في القصَّة
ج 21 ص 260
الآتية في الباب الَّذي يليه (( فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفَّارة اليمين ) ).
وقد اختُلف في المراد بتحريمه، ففي حديث عائشة رضي الله عنها ثاني حديثي الباب [خ¦4912] أنَّ ذلك بسبب شربه صلى الله عليه وسلم العسل عند زينب بنت جحش، فإنَّ في آخره (( ولن أعودَ له وقد حلفتُ ) ). ووقع عند سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ إلى مسروق قال حلفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحفصة لا يقرب أَمَتَه، وقال هي عليَّ حرامٌ، فنزلت الكفَّارة ليمينه، وأمر أن لا يُحرِّم ما أحلَّ الله.
ووقعت هذه القصَّة أيضًا مدرجة عند ابن إسحاق في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه الآتي في الباب الذي يليه.
وأخرج الضياء في «المختارة» من مسند الهيثم بن كُليب، ثمَّ من طريق جرير بن حازم عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة (( لا تُخبري أحدًا أنَّ أم إبراهيم عليَّ حرام ) )، قال فلم يقربها حتَّى أخبرت عائشة رضي الله عنها فأنزل الله {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم 2] .
وأخرج الطَّبراني في «عشرة النساء» وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمارية بيت حفصة رضي الله عنها، فجاءت فوجدتها معه، فقالت يا رسول الله! في بيتي تفعلُ هذا معي دون نسائك ) )، فذكر نحوه.
وللطَّبراني من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( دخلتْ حفصة بيتها فوجدته يطأُ مارية فعاتبته ) )، فذكر نحوه.
وهذه طرقٌ يقوى بعضها ببعض، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشَّيئين معًا، وقد روى النَّسائي من طريق حمَّاد عن ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه هذه القصَّة مختصرة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت له أَمَةٌ يطأها فلم تزل به حفصة وعائشة رضي الله عنها حتَّى حرَّمها، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم 1] الآية.
هذا ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله «في الحرام كفَّارةٌ» ، كما سبق تقريره، وقد رواه مسلمٌ عن زهير بن حربٍ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام قال كتب إليَّ
ج 21 ص 261
يحيى بن أبي كثيرٍ أنَّه يُحدِّث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبيرٍ، فذكره.
ورواه ابن ماجه عن محمَّد بن يحيى، عن وهب بن جرير، عن هشام كذلك، فالبخاريُّ رحمه الله يحتمل أنَّه لم يطَّلع على هذه العلَّة، إذ لو اطَّلع عليها لذكرها، كذا قيل، وليس بجوابٍ كاف شاف. وقيل لعلَّ الكتابة والإخبار عنده سواء؛ لأنَّه قد صرَّح في «الجامع» بالكتابة في غير موضع.
وردَّ هذا بأن المكاتبة عنده علَّةٌ يجبُ إظهارها إذا علمها، وفي أيِّ موضعٍ ذكرها أظهرها، والأحسنُ أن يُقال إنَّه يحتمل أنَّ عنده أنَّ هشامًا لقي يحيى فحدَّثه بعد أن كان كتب له، ورواه لمعاذ بالسَّماع الثاني، ولإسماعيل بالكتاب الأول.
وذكر أبو عليٍّ أنَّ في نسخة ابن السَّكن ، وفي نسخة أبي ذرٍّ عن الحمويي عن الفربري ، قال أبو علي وهذا خطأٌ فاحشٌ، وصوابه هشام عن يحيى عن يعلى، كما رواه ابن السَّكن.