فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 11127

439 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالتَّصغير، وفي رواية ، وهو اسمه، وعبيد لَقَبٌ غَلَب عليه، وعُرِفَ به، وهو قرشيٌّ هبَّاري كوفي (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة القرشي الكوفي (عَنْ هِشَامٍ) وفي رواية (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وهذا الإسناد بِعَينه قد تقدَّم في باب «نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض» [خ¦317] .

(أَنَّ وَلِيدَةً) أي أمَةً، والوليدة في الأصل الطفلة، وقد تطلق على الأمة وإن كانت كبيرة، وفي (( المخصص ) )إذا ولد المولود فهو وليدٌ ساعة تلده أمُّه، والأنثى وليدة، وفي (( المحكم ) )الجمع وِلْدان.

(كَانَتْ سَوْدَاءَ) أي كانت امرأة كبيرة سوداء، ولم يذكر أحد اسمها، ولا اسم الحي التي كانت لهم، ولا اسم الصبيَّة فيما رأينا (لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ) أي القبيلة منهم؛ أي كائنة لهم (فَأَعْتَقُوهَا فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ) أي الوليدة (فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ) أي لهؤلاء الحي، وروى ثابت في (( الدلائل ) )من طريق أبي معاوية، عن هشام، فزاد فيه (( أن الصبيَّة كانت عروسًا، فدخلت مُغْتَسلها ) ) (عَلَيْهَا وشَاحٌ أَحْمَرُ) والوشاح بكسر الواو وبضمها، ويقال الإشاح أيضًا _ بكسر الهمزة _، على البدل من الواو، وهو خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان، يخالف بينهما، وتتوشح به المرأة، والجمع أَوْشحة ووُشُح.

قال كُثَيِّر

~كأنَّ قَنا المُرَّانِ تحتَ خُدُودِها ظِباءُ المَلا نِيطَتْ عليها الوَشائحُ

ذكره في (( المحكم ) ).

وفي (( المخصص ) )عن الفارسي الوشاح من وسط إلى أسفل، قال ولا يكون الوشاح وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ أو وَدَعٍ.

وفي (( الجامع ) )

ج 3 ص 262

للقزاز الوشاح خرز تتوشح به المرأة. وقيل ينسج من أديم عرضًا، ويرصَّع باللؤلؤ، وتشدُّه المرأة بين عاتقها وكشحها.

وقوله (مِنْ سُيُورٍ) جمع سَير _ بفتح السين _، وهو ما يُقَدُّ من الجلد، يدلُّ على أنَّه كان من جلد، وكان عليه لؤلؤ، وقولها بعد فحسبته لحمًا، لا ينفي كونه مرصَّعًا؛ لأنَّ بياض اللؤلؤ على حمرة الجلد يُرى كاللَّحم السمين.

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَوَضَعَتْهُ) أي الوشاحَ (أَوْ وَقَعَ) الوِشاحُ (مِنْهَا) وهو شكٌّ من الرَّاوي (فَمَرَّتْ بِهِ) أي بالوشاح، وفي رواية سقط لفظة (حُدَيَّاةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية، والأصل أن يقال حدَيْأَة _ بهمزة بمفتوحة بعد الياء الساكنة _، لأنها مصغر حِدَأة كعِنَبة، لكن أبدلت الهمزة ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم أُشْبعت الفتحة، فصارت ألفًا.

والحدأة طائر معروف من الفواسق الخمس، المأذون بقتلهنَّ في الحلِّ والحرم، وقيل هي طائر يأكل الجُرْذان، والجمع حِدَأ، مقصور مهموزٌ، نصَّ عليه ثعلب، وقال ابن قتيبة جمعه حدَّان، وقال ابن سيده والحِداء _ بالمد والكسر _ جمع الحِدَاءة أيضًا، وهو نادر.

وقال ابن درستويه فيما حكاه ابن عديس من العرب من يسمِّيها أيضًا الحِدَو بكسر الحاء وفتح الدال وواو ساكنة، وقال ابن منصور في (( التهذيب ) )ومنه قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا بأس بقتلِ الحِدَوٍ، وقال ابن عديس وهي الحُدَّى مثل العُزَّى، وأهل الحجاز يقولون حُدَيَّة _ يشدِّدون الياء ولا يهمزون _، والجمع حَدَاوِي.

وعن أبي حاتم أنَّه خطَّأهم في هذا، وحكى ابن الأنباري في (( مقصوره ) )الحِداء جمع حِدِأة، وربما فتحوا الحاء، فقال حَدَأة وحَداة، والكسر أجود.

(وَهْوَ) أي الوشاح (مُلْقًى) أي مرمي، والجملة حاليَّة (فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا) سمينًا؛ لكونه من جلد أحمر، وعليه اللؤلؤ (فَخَطفَتْهُ) بكسر الطاء المهملة على اللُّغة الفصيحة، وقيل بفتحها.

(قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ) أي طلبوه، وسألوا عنه (فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ) أي الوليدة (فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ) أي الوليدة أو عائشة رضي الله عنها (فَطَفِقُوا) أي فجعلوا (يُفَتِّشُونَ) وفي رواية ، والأصل يفتشونني، فعلى هذا ضمير «قالتْ» للوليدة جزمًا.

(حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا) ضم القاف والموحدة؛ أي فرجها، وهذا إن كان من كلام عائشة، وإلا فمقتضى القياس أن تقول قُبُلي، لكنه من باب الالتفات، أو من باب

ج 3 ص 263

التَّجريد، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا، وأخبرت عنه، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في أيام الجاهلية (( قبلي ) ) [خ¦3835] ، وزاد فيه ثابت في (( الدَّلائل ) ) (( قالت فدعوت الله أن يبرئني، فجاءت الحدياة، وهم ينظرون ) ).

(قَالَتْ) أي الوليدة (وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ) أي وقت (مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ) أي الوشاح (قَالَتْ) الوليدة (فَوَقَعَ) الوشاح (بَيْنَهُمْ؛ قَالَتْ) الوليدة (فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ) مفعوله محذوف؛ أي زعمتُم أني أخذته (وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ) والضمير في «منه» يرجعُ إلى الزعم، الذي يدلُّ عليه زعمتُم، ويجوز أن يرجعَ إلى الوشاح؛ أي من أخذه (وَهُوَ ذَا هُوَ) فيه أوجه من الإعراب

الأول أن يكون هو مبتدأ، وذا خبره، وهو الثاني خبر بعد خبر.

والثاني أن يكون هو الثاني تأكيدًا للأول.

والثالث أن يكون تأكيدًا «لذا» .

والرابع أن يكون بيانًا له.

والخامس أن يكون «ذا» مبتدأ ثانيًا، وخبره «هو» الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.

والسادس أن يكون «هو» ضمير الشأن، ويكون «ذا» مع «هو» الثاني جملة.

والسابع أن يكون «ذا» منصوبًا على الاختصاص، ووقع في رواية أبي نُعيم (( وها هو ذا ) )، وفي رواية ابن خزيمة (( وهو ذا كما ترون ) ).

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَجَاءَتْ) أي الوليدة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَكَانَتْ) أي الوليدة، وفي رواية (لَهَا خِبَاءٌ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة وبالمد، خيمةٌ تكون من وبر أو صوفٍ، وهي على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، وفي (( المخصص ) )الخِباء يكون من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر.

(فِي الْمَسْجِدِ) النَّبوي (أَوْ حِفْشٌ) بكسر المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة، البيت الصَّغير القريب السَّمك، مأخوذ من الانحفاش، وهو الانضمامُ، وأصله الوعاء الَّذي تضع المرأة فيه غزلها، وجمعه حِفاش.

(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَكَانَتْ) الوليدة (تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ) بفتح المثناة الفوقية ورفع المثلثة، وأصله تتحدَّث، فحذفت إحدى التائين تخفيفًا [1] (عِنْدِي، قَالَتْ) عائشة رضي الله عنه (فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلاَّ قَالَتْ) شعرًا (وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ تعَاجِيبِ رَبِّنَا)

ج 3 ص 264

التَّعاجيب بمثناة فوقية قبل العين، جمع أعجوبة، قال الزَّركشي وابن سيده لا واحدة له من لفظه، ومعناه العجائب.

وقال الدَّماميني وكذا هو في (( الصحاح ) )، لكن لا أدري لِمَ لا يجعل جمعًا لتعجبة؟ مع أنَّه ثابت في اللُّغة، يقال عجَّبت فلانًا تعجيبًا، إذا جعلته يعجب، وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع هذا، وفي رواية .

(أَلاَ) بتخفيف اللام، حرف تنبيه (إِنَّهُ) أي يوم الوشاح؛ أي ما حدث فيه (مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي) والبيت من البحر الطويل، وأجزاؤه ثمانية، وزنه فعولن مفاعيلن أربع مرات، لكن دخل البيت المذكور القبض في الجزء الثاني، وهو حذف الخامس السَّاكن.

(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقُلْتُ لَهَا) أي للوليدة (مَا شَأْنُكِ لاَ تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلاَّ قُلْتِ هَذَا؟) أي هذا البيت (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ) المتضمِّن للقصَّة المذكورة.

ومن فوائد هذا الحديث أنَّ من لم يكن له مسكن ولا مكان، يباح له المبيت والمقيل في المسجد، رجلًا كان أو امرأة عند حصول الأمن من الفتنة.

ومنها اصطناع الخيمة وشبهها رجلًا كان أو امرأة، ومنها أنَّ السُنَّة الخروج من بلدة جَرَت فيها فتنة على الإنسان تشاؤمًا بها، وربما كان الذي جرى عليه من المحنة سببًا لخيرٍ أراده الله تعالى في غير تلك البلدة، كما جرى لهذه السوداء، أخرجتها فتنة الوشاح إلى بلاد الإسلام، ورؤية سيِّد الأنام، كما قال تعالى {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً} [النساء 97] . ومنها فضل الهجرة من دار الكفر. ومنها إجابة دعوة المظلوم، ولو كان كافرًا؛ لأنَّ في السياق أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة. والله أعلم.

[1] في هامش الأصل والمذهب السيبوي أن المحذوفة هي التاء الثانية لأن الثقل قد نشأت منها، وقيل هي الأولى لأنها الزائدة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت