4986 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين الزُّهري العوفي، أنَّه قال (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضم العين من غير إضافة لشيء، والسَّبَّاق
ج 22 ص 18
بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة، مدني مكِّي تابعي، يكنى أبا سعيد، ذكره مسلم في الطَّبقة الأولى من التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، لكن كرَّره في (( التَّفسير ) ) [خ¦4679] و (( الأحكام ) ) [خ¦7191] و (( التَّوحيد ) ) [خ¦7425] وغيرها مطولًا ومختصرًا.
(أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيْقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم الرَّسول إليه بذلك (مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) أي عقب قتل أهل اليمامة، والمراد بأهلِ اليمامة هنا من قُتِلَ بها من الصَّحابة رضي الله عنهم في الوقعة مع مسيلمة الكذَّاب، وكان من شأنها أنَّ مسيلمة ادَّعى النُّبوة، وقوي أمرُه بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم بارتدادِ كثيرٍ من العرب، فجهَّز إليه أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد في جمعٍ كثيرٍ من الصَّحابة، فحاربُوه إلى أن خذلَه الله وقتلَه، وقُتِلَ في غضون ذلك من الصَّحابة جماعةٌ كثيرةٌ، قيل سبعمائة من القراء، وقيل أكثر.
(فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بسين مهملة ساكنة ومثناة فوقية مفتوحة بعدها، ثم حاء مهملة مفتوحة، ثم راء ثقيلة؛ أي اشتدَّ وكَثُر، وهو استفعل من الحرِّ خلاف البرد؛ لأنَّ المكروه غالبًا يضافُ إلى الحرِّ، كما أنَّ المحبوب يضافُ إلى البرد، يقولون أسخنَ الله عينَه وأقرَّ عينه.
(يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ) وقد وقع من تسمية القرَّاء الذين أراد عمرُ رضي الله عنه في رواية سفيان بن عيينة سالم مولى أبي حذيفة، ولفظه فلمَّا قُتِلَ سالمٌ مولى أبي حذيفة خَشِيَ عمرُ رضي الله عنه أن يذهبَ القرآن، فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه. وسيأتي [خ¦4999] أنَّ سالمًا أحدُ مَنْ أَمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَخْذِ القرآنِ عنه.
(وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) بلفظ المضارع، وفي رواية أبي ذرٍّ (الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ) أي في الأماكن التي يقعُ فيها القتال مع الكفار. ووقع في رواية شعيب عن الزُّهري (( في المواطن ) ). وفي رواية سفيان (( وأنا أخشى أنْ لا يلقى المسلمون زحفًا آخر إلَّا استحرَّ القتلُ بأهل القرآن ) ).
ج 22 ص 19
(فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ) بقتل حفظته، والفاء في (( فيذهب ) )للتَّعقيب. وفي رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه من الزيادة (( إلَّا أن يجمعوه ) ). وفي رواية شعيب (( قبلَ أن يقتلَ الباقون ) ). وهذا يدلُّ على أنَّ كثيرًا ممَّن قُتِلَ في وقعة اليمامة كان قد حفظَ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أنَّ مجموعَهم جَمَعَه لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ جَمَعَه، وسيأتي مزيد بيان لذلك في باب من جمع القرآن إن شاء الله تعالى [خ¦5003] .
(وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ) أي قال أبو بكر رضي الله عنه لزيد، قلت (لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتَمْلِي (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهو كلامُ من يُؤثر الاتِّباع، وينفرُ من الابتداع. وهو خطابُ أبي بكر لعمر رضي الله عنهما حكاهُ ثانيًا لزيد بن ثابت رضي الله عنه لما أرسل إليه. وفي رواية عُمَارة بن غَزيَّة (( فنفر منها أبو بكر رضي الله عنه وقال أَفْعَلُ ما لم يفعلْه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
وقال الخطَّابي وغيره يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما لم يجمع القرآن في الصُّحف لما كان يترقَّبه من ورودِ ناسخٍ لِبَعضِ أحكامه أو تلاوته، فلمَّا انقضَى نزولُه بوفاته صلى الله عليه وسلم ألهم الله الخلفاء الرَّاشدين بذلك وفاء لوعدهِ الصَّادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمَّدية زادها الله شرفًا، فكان ابتداء ذلك على يد أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه بمشورة عمر رضي الله عنه.
ويؤيده ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» بإسناد حسنٍ عن عَبْدِ خَيْرٍ قال سمعتُ عليًا رضي الله عنه يقول (( أعظمُ الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أوَّل من جمعَ كتاب الله ) ).
وأمَّا ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن ) )الحديث. فلا ينافي ذلك؛ لأن الكلام في كتابةٍ مخصوصة على صفةٍ مخصوصةٍ، وقد كان القرآن كلُّه كُتِبَ في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم،
ج 22 ص 20
لكن غير مجموع في موضع واحدٍ، ولا مرتَّب السور كما مرَّ.
وأمَّا ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق ابن سيرين قال علي رضي الله عنه (( لما مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آليتُ أن لا آخذَ عَلَيَّ ردائي إلَّا لصلاةِ جمعةٍ حتى أجمعَ القرآن فجمعه ) ). فإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا فمراده بجَمْعِه حفظه في صدره. قال والذي وقع في بعضِ طُرقه (( حتى جمعته بين اللَّوحين ) ). وهمٌ من راويه. وقال الحافظُ العسقلاني وما تقدَّم من رواية عَبْدِ خَيْرٍ، عن علي رضي الله عنه أصح، فهو المعتمدُ.
ووقع عند ابن أبي داود أيضًا بيان السبب في إشارةِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك. فأخرج من طريق الحسن (( أنَّ عمر رضي الله عنه سألَ عن آيةٍ من كتاب الله، فقيل كانت مع فلان فقُتِلَ يوم اليمامة، فقال إنَّا لله، وأمر بجمع القرآن، وكان أوَّلَ من جَمَعَه في المصحف ) ). وهذا منقطعٌ، فإن كان محفوظًا حُمِلَ على أنَّ المراد بقوله وكان أوَّلَ من جمعه؛ أي أشار بجَمْعهِ، فنُسِبَ الجَمْعُ إليه لذلك، والله تعالى أعلم.
(قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ) ردٌّ لقول أبي بكر رضي الله عنه كيف نفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإشعارٌ بأنَّ من البدعِ ما هو خَيْرٌ وحَسَنٌ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ) وقد سقط في نسخة لفظ ، وحينئذٍ يكون رأى مصدرًا منصوبًا.
(قَالَ زَيْدٌ) أي ابن ثابت (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي قال لي يا زيد (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ) أشار به إلى حدَّة نظرهِ، وبعده عن النِّساء، وضبطه وإتقانه (عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ) أشار به إلى عدم كذبهِ، وأنَّه صَدُوقٌ وفيه تمام معرفتهِ وغزارةِ علومه وشدَّة تحقيقه، وتمكنه من هذا الشأن.
(وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ) على صيغة الأمر (الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) على صيغة الأمر أيضًا.
ذكر له أربع صفات مقتضية لخصوصيته
ج 22 ص 21
بذلك كونه شابًا، فيكون أنشط لما يُطْلَبُ منه، وكونه عاقلًا فيكون أوعى له، وكونه لا يُتَّهَم فتركن النفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له، وهذه الصفات التي اجتمعت له قد توجد في غيره، لكن مفرقة.
وقال ابن بطال عن المهلب هذا يدل على أن العقلَ أصلُ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يصف زيدًا بأكثر من العقلِ، وجعله سببًا لانتمائهِ ورفع التُّهمة عنه، كذا قال، وفيه نظرٌ. ووقع في رواية سفيان بن عُيينة (( فقال أبو بكر رضي الله عنه أما إذا عزمتَ على هذا فأرسل إلى زيدِ بن ثابت فادْعه فإنَّه كان شابًا تقيًا يكتبُ الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلْ إليه فادْعه حتى يجمعَه معنا، قال زيد بن ثابت فأرسلا إليَّ فأتيتُهما فقالا لي إنا نريدُ أن نجمعَ القرآن في شيء فاجمْعه معنا ) ).
وفي رواية عمارة بن غزيَّة فقال لي أبو بكر (( إنَّ هذا قد دعاني إلى أمرٍ، وأنت كاتبُ الوحي، فإن تك معه اتبعتُكَما، وإن توافقني لا أفعل، فاقتصَّ قول عمر فنفرتُ من ذلك، فقال عمرُ كلمةً وما عليكما لو فعلتُما، قال فنظرنا فقلنا لا شيءَ والله علينا ) ).
قال ابن بطَّال إنما نفر أبو بكر رضي الله عنه أولًا ثم زيد بن ثابت ثانيًا؛ لأنَّهما لم يجدا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فعلَه فكَرِها أن يحلَّا أنفُسَهَما محلَّ من يزيد احتياطه للدِّين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا نبَّههما عمر رضي الله عنه على فائدةِ ذلك، وأنها خشية أن يتغيَّر الحال في المستقبل إذا لم يجمع القرآن فيصير إلى حالةِ الخفاء بعد الشُّهرة رَجَعا إليه. ودلَّ ذلك على أنَّ فعلَ الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تجرَّد عن القرائن، وكذا تركه لا يدلُّ على وجوبٍ ولا تحريمٍ. انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وليس ذلك من الزِّيادة على احتياط الرَّسول صلى الله عليه وسلم. قال ابنُ الباقلَّاني كان الذي فعله أبو بكر رضي الله عنه فرض كفايةٍ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن ) ). مع قوله تعالى إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
ج 22 ص 22
وَقُرْآَنَهُ [القيامة 17] ، وقوله تعالى {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [الأعلى 18] ، وقوله تعالى {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة 2] .
قال فكلُّ أمرٍ يرجع إلى إحصائهِ وحفظهِ، فهو واجبٌ على الكفاية، وكان ذلك من النَّصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامَّتهم.
(فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ) أي نقلُه (أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ) فإن قيل كيف عبَّر أولًا بقوله (( لو كلَّفوني ) )بصيغة الجمع، وأفرد في قوله ممَّا أمرني به؟
فالجواب أنه جمع باعتبار أبي بكر ومن وافقه في ذلك، وأفرد باعتبار أنه هو الآمر بذلك وحده.
ووقع في رواية شعيب، عن الزهري (( لو كلفني ) )بالإفراد أيضًا.
وإنما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه ذلك خشيةً من التقصير في إحصاء ما أُمِرَ بجَمْعِه، لكن الله تعالى يسر له ذلك تصديقًا لقوله {ولقد يسرنا القرآن للذكر} [القمر 17] .
(قُلْتُ) أي لهما (كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (هُوَ) أي جَمْعُه (وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله عنهما (فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) وقت التَّتبع؛ أي من الأشياء التي عندي وعند غيري (مِنَ الْعُسُبِ) بضم المهملتين ثم موحدة، جمع عسيب وهو جريدُ النَّخل العريض العاري عن الخوصِ كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون في الطَّرف العريض. وقيل العسيب طرفُ الجريدة العريض الذي لم ينبتْ عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف. ووقع في رواية ابن عُيينة عن ابن شهاب القصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وفي رواية شعيب من الرِّقاع والأكتاف والعسب وصدور الرِّجال.
والرقاع جمع رُقعة، وقد تكون من جِلْدٍ أو رقٍّ أو كاغدٍ.
والأكتاف جمع كتف، وهو العظمُ الذي للبعيرِ أو الشَّاة كانوا إذا جفَّ كتبوا فيه، ويروى وكسر الأكتاف. وفي رواية عمارة بن غزيَّة (( وقِطَعِ الأديم ) ). وفي رواية ابنِ أبي داود من طريق أبي داود الطَّيالسي، عن إبراهيم بن سعد (( والصُّحف ) ). وفي رواية ابنِ أبي داود أيضًا (( والأضلاع ) )،
ج 22 ص 23
وعنده أيضًا. والأقتاب جمع قتب البعير، وهو الخشبُ الذي يوضعُ على ظهر البعير ليركب عليه.
(وَاللِّخَافِ) بكسر اللام وبالخاء المعجمة وبعد الألف فاء، جمع لَخْفَة، بفتح اللام وسكون المعجمة، وهي الحَجَرُ الأبيضُ الرَّقيق. ووقع في رواية أبي داود الطَّيالسي، عن إبراهيم بن سعد (( واللُّخُف ) )بضمتين وقال في آخره (( هي الحجارة الرِّقاق ) ). وقال الخطَّابي صفائحُ الحجارة الرِّقاق. وقال الأصمعي فيها عرض ودقة.
وسيأتي للمصنَّف في (( الأحكام ) ) [خ¦7191] عن أبي ثابت أحدِ شيوخه أنَّه فسَّره بالخَزَف، بفتح المعجمة والزاي ثم فاء، وهي الآنيةُ التي تُصْنَعُ من الطِّين المَشْوِي. وعند ابنِ أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قامَ عمر رضي الله عنه فقال (( من كان يلقى من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأتِ به، وكانوا كتبوا ذلك في الصُّحف والألواح والعسب، وكان لا يقبلُ من أحد شيئًا حتى يشهدَ شهيدان ) ).
وهذا يدلُّ على أنَّ زيدًا كان لا يكتفي بمجرَّد وجدانه مكتوبًا حتى يشهدَ به من تلقاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظه، فكان يفعلُ ذلك مبالغة في الاحتياط.
وعند ابن أبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال لعمر ولزيد رضي الله عنهما (( اقعدا على باب المسجد فمَن جاءكُما بشاهدين على شيءٍ من كتاب الله فاكتباهُ ) )، ورجاله ثقاتٌ مع انقطاعه.
وكأنَّ المراد بالشَّاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غرضُهم أن لا يُكْتَبَ إلَّا من عينِ ما كُتِبَ بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لا من مجرد الحفظ.
(وَصُدُورِ الرِّجَالِ) أي الذين جمعوا القرآن وحفظوه في صُدُورهم كاملًا في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم كأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ رضي الله عنهما. والمعنى حيث لا أجد ذلك مكتوبًا، أو الواو بمعنى مع؛ أي اكتبه من المكتوب الموافقِ للمحفوظ في الصُّدور.
(حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ)
ج 22 ص 24
ووقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد (( مع خزيمة بن ثابت ) )، أخرجه أحمدُ والترمذي. ووقع في رواية شعيب عن الزُّهري، كما تقدَّم في (( سورة التوبة ) ) [خ¦4679] (( مع خزيمة الأنصاري ) ). وقد أخرجه الطَّبراني في «مسند الشاميين» من طريق أبي اليمان، عن شعيب فقال فيه (( خُزيمة بن ثابت الأنصاري ) ). وكذا أخرجه ابنُ أبي داود من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب. وقول مَنْ قال عن إبراهيم بن سعد مع أبي خُزيمة، أصح.
وقد تقدَّم ذلك في (( تفسير سورة التَّوبة ) ) [خ¦4679] ، وأنَّ الذي وُجِدَ معه آخرُ سورة التوبة غير الذي وُجِدَ معه الآية التي في الأحزاب.
فالأوَّل اخْتَلَفَ الرُّواة فيه على الزُّهري، فمِن قائلٍ مع خُزيمة، ومن قائل مع أبي خزيمة، ومِنْ شاكٍّ فيه يقول خزيمة أو أبي خزيمة. هذا وأبو خزيمة لا يُعْرَفُ اسمُه، وهو مشهورٌ بكنيته هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم، وقيل هو الحارث بن خُزيمة.
وأما خُزيمة فهو ابنُ ثابت ذو الشَّهادتين كما تقدَّم صريحًا في (( سورة الأحزاب ) ) [خ¦2807] [خ¦4784] .
وأخرج ابنُ أبي داود من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه قال (( أتى الحارث بن خُزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال أشهدُ أنِّي سمعتُهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما، فقال عمر رضي الله عنه وأنا أشهدُ لقد سمعتُهما، ثم قال لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورةً من القرآن فألحقوهما في آخرها ) ).
فهذا إن كان محفوظًا احتُمِلَ أن يكون قولُ زيد بن ثابت رضي الله عنه (( وجدتها مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره ) )؛ أي أوَّل ما كَتَبْتُ، ثمَّ جاء الحارث بن خزيمة بعد ذلك، أو أنَّ أبا خزيمة هو الحارث بن خزيمة، لا ابن أوس.
وأمَّا قول عمر رضي الله عنه لو كانت ثلاث آيات. .. إلى آخره فظاهره أنَّهم كانوا يرتبون آيات السُّور باجتهادهم، وسائر الأخبار تدلُّ على أنهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلَّا بتوقيف.
نعم، ترتيب السُّور بعضها إثر بعض كان يقع بعضُه منهم بالاجتهاد كما سيأتي في باب (( تأليف القرآن ) ) [خ¦4996] .
ج 22 ص 25
(لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ) أي مكتوبة؛ لما تقدَّم من أنَّه كان لا يكتفي بالحفظِ دون الكتابة، ولا يلزمُ من عدم وجدانه إيَّاها حينئذٍ أن لا تكون تواترت عند من يتلقَّاها من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان زيد يطلبُ التَّثبت عمَّن تلقَّاها بغير واسطة [1] .
ولعلَّه لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكرها. وفائدة التَّتبع المبالغة في الاستظهار والوقف عندما كُتِبَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي هذا ممَّا يخفى معناه ويُوْهِمُ أنَّه كان يَكْتَفِي في إثبات الآية بخبر الشَّخص الواحد، وليس كذلك؛ فقد اجتمعَ في هذه الآية زيدُ بن ثابت وأبو خزيمة وعمر رضي الله عنهم.
وحكى ابنُ التين عن الدَّاودي قال لم ينفردْ بها أبو خُزيمة، بل شاركه زيد بن ثابت، فعلى هذا ثبتت برجلين. انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّه ظنَّ أنَّ قولهم لا يثبتُ القرآن بخبر الواحد؛ أي الشَّخص الواحد، وليس كما ظنَّ، بل المراد بخبر الواحد خلاف الخبر المتواتر، فلو بلغت رواة الخبر عددًا كثيرًا، وفُقِدَ شيءٌ من شروط التَّواتر لم يخرج عن كونه خبر الواحد.
والحقَّ أنَّ المراد بالنفي نفي وجودها مكتوبة لا نفي كونها محفوظة، وقد وقعَ عند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (( فجاء خزيمة بن ثابت فقال إنِّي رأيتُكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قال وما هما؟ قال تلقَّيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] إلى آخر السورة، فقال عثمان رضي الله عنه وأنا أشهدُ فأين ترى أن تجعلهما؟ قال اختم بها آخرَ ما نزل من القرآن ) ).
ومن طريق أبي العالية أنَّهم لما جَمَعُوا القرآنَ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كان الذي يُمْلِي عليهم أبيُّ بن كعب رضي الله عنه فلمَّا انتهوا من براءة إلى قوله {لَا يَفْقَهُونَ} ظنُّوا أنَّ هذا آخر ما نزلَ منها، فقال أبيُّ بن كعب أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيتين بعدهنَّ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] إلى آخر السورة.
( {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ)
ج 22 ص 26
ولم يثبت قوله تعالى ( {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ) في رواية أبي ذرٍّ (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) أي التي جمعها زيدُ بن ثابت رضي الله عنه (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ) رضي الله عنه (حَيَاتَهُ) حتى توفَّاه الله تعالى، وفي «موطأ ابن وهب» عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال (( جمعَ أبو بكر القرآن في قراطيس، وكان سألَ زيدَ بن ثابت في ذلك، فأبى حتى استعانَ عليه بعمر رضي الله عنه ففعلَ ) ).
وعند موسى بن عقبة في «المغازي» عن ابنِ شهاب قال لمَّا أُصيبَ المسلمون باليمامةِ فزعَ أبو بكرٍ رضي الله عنه، وخاف أن يهلك من القرآن طائفة، فأقبل النَّاس بما كان معهم وعندهم، حتى جُمِعَ على عهد أبي بكر في الوَرَق، فكان أبو بكر رضي الله عنه أوَّلَ مَن جَمَعَ القرآن في الصُّحف.
وهذا كلُّه أصحُّ ممَّا وقع في رواية عمارة بن غزيَّة أنَّ زيد بن ثابت قال (( فأمرني أبو بكر فكتبت في قِطَع الأديم والعسف، فلمَّا هلك أبو بكر، وكان عمرُ كَتَبْتُ ذلك في صحيفةٍ واحدةٍ، فكانت عنده ) ). وإنما كان في الأديم والعسب أولًا قبل ذلك؛ أي قبل أن يُجْمَعَ في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثمَّ جُمِعَ في الصُّحف في عهد أبي بكر رضي الله عنه، كما دلَّت عليه الأخبار الصَّحيحة المترادفة.
(ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله عنهما؛ أي بعد عمر في خلافة عثمان رضي الله عنهما إلى أن شرعَ عثمان رضي الله عنه في كتابة المصحف، وإنما كانت عند حفصة رضي الله عنها؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه أوصى بذلك، فكانت وصيَّة عمر رضي الله عنه، فاستمرَّ ما كان عنده عندها حتى طلبه منها مَن له طَلَبُ ذلك.
وقد مضى الحديث في التفسير في آخر (( سورة براءة ) ) [خ¦4679] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.
[1] في هامش الأصل وقال الكرماني ولا يلزم أيضًا أن لا يجد مع غيره، أو الحفاظ نسوها ثم تذكروها؛ فلا يرد أن شرط القرآن كونه متواترًا؛ فكيف أثبت فيه ما لم يجده مع أحد غيره. منه.