فهرس الكتاب

الصفحة 7387 من 11127

4987 - 4988 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل المِنْقَرِي التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ سعد، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) أي الزُّهري، وهذا الإسناد إلى ابن شهاب هو الذي قبله بعينه؛ أعاده إشارةً إلى أنهما حديثان لابن شهاب في قصَّتين مختلفتين، وإن اتَّفقتا في كتابة القرآن وجَمْعِه.

ج 22 ص 27

ولابن شهابٍ قصَّة أخرى عن خارجة بن زيد في آخر هذا الحديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦4988] .

(أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ) واسم اليمان حُسَيل، بمهملتين مصغرًا، وقيل حِسْل، بكسر ثم سكون العبسي، بالموحدة، حليف الأنصار (قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) المدينة في خلافته (وَكَانَ) عثمان رضي الله عنه (يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ) أي يغزي ويجهز أهل الشام (فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ) بكسر الهمزة _ عند الأكثر، وبه جزم الجَوَاليقي _ وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد النون تحتية أُخرى مخففة، وقد تثقَّل، قاله ياقوت. وقال ابنُ قُرْقُول بالتخفيف لا غير. وقال ابنُ السمعاني بفتح الهمزة، وحَكَى ضَمَّ الهمزة وغَلِطَ، وإنما المضموم همزتها أرمية، والنسبة إليها أرموي، وهي بلدة أخرى من بلاد أذربيجان، وأما أرمينية فهي مدينة عظيمة تشتمل على بلاد كثيرة، وهي من ناحية الشمال.

قال ابنُ السَّمعاني هي من جهة بلاد الروم يُضْرَبُ بحسنها وطيب هوائها، وكثرةِ مائها وشجرها المثلُ، سمِّيت بكون الأرمن فيها، وهي أمَّة كالروم. وقيل سمِّيت بأرمون بن ليطي بن يومن بن يافث بن نوح عليه السلام. وقال الرشاطي افتتحت سنة أربع وعشرين في خلافة عثمان رضي الله عنه على يد سلمان بن ربيعة الباهلي. قال وأهلُها بنو أَرمي بن أَرم بن سَام بن نوح عليه السلام.

(وَأَذْرَبِيجَانَ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون. وفي «معجم ياقوت» وفتح قوم الذال وأسكنوا الراء، ومد آخرون الهمزة مع ذلك. وعن المهلَّب بمدِّ الهمزة وسكون الذال، فيلتقي ساكنان وكسر الراء ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون. وقال أبو الفرج ألفها مقصورة، وذالها ساكنة، كذلك قرأته على أبي منصور، ويغلط من يمده، وفي المبتدِئين مَن يُقَدِّم الياءَ أختَ الواو على الباء الموحدة، وهو جهل.

وفي «النوادر» لابن الأعرابي العرب تقوله بقصر الهمزة، وكذا ذكره صاحب «تثقيف اللسان» ، ولكن كسر الهمزة.

ج 22 ص 28

قال الحافظ العسقلاني والذي ذكرته؛ يعني الوجه الأول في ضبطها هو الأشهر، وقد تُمَدُّ الهمزةُ وقد تُكْسَرُ الهمزة، وقد تُحْذَفُ، وقد تُفْتَحُ الموحدة، وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى، حكاه البحتري، وأنكره الجواليقي [1] .

ويؤكده أنهم نسبوا إليها ماء آذري بالمد اقتصارًا على الركن الأول، كما قالوا في النسبة إلى بعلبك بعلي. وقال الكرماني الأشهرُ عند العجم آذربيجان، بالمدِّ وبالألف بين الموحدة والتحتانية. وقال ابنُ الأعرابي اجتمعت فيها خمس موانع من الصَّرف العجمة، والتعريف، والتأنيث، والتركيب، ولحاق الألف والنون.

وهي إقليم واسع من نواحي العراق، ومن مشهور مدنها تبريز، وهي تلي أرمينية من جهة غربيها، واتَّفق غزوهما في سنةٍ واحدة، واجتمع في غزو كلٍّ منهما أهل الشام وأهل العراق، كما سيأتي. قيل هو صقعٌ جليلٌ ومملكة عظيمةٌ، وفيه خيراتٌ واسعةٌ وفواكه جمَّة لا يحتاج السَّالك فيها إلى حمل إناء للماء لأجل أنَّ الماء جارٍ تحت أقدامه أين توجَّه وأهلها صباح الوجوه حمرها، ولهم لغة يُقَال لها الأزدية لا يفهمها غيرُهم، وفي أهلها لينٌ وحسنُ معاملة، إلَّا أنَّ البخلَ يغلبُ على طباعهم، وهي بلادُ فتن وحرب ما خلت قطُّ من فتنة، فلذلك أكثر مدنها خراب.

(مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَني . ووقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد (( وكان يُغازي أهل الشام في فَرْج أهل أرمينية وأذربيجان مع أهلِ العراق ) ). وقال ابنُ أبي داود الفرج الثَّغر.

وفي رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه (( أنَّ حذيفة قدم على عثمان رضي الله عنه وكان يغزو مع أهل العراق وأهل الشام ) ). وفي رواية يونس بن يزيد (( اجتمع لغزو أذربيجان أهل الشام وأهل العراق ) ).

والحاصل أنَّ عثمان رضي الله عنه أَمَرَ أهلَ الشَّام أن يجتمعوا مع أهل العراق في غزوهما وفتحهما، وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان بن ربيعة الباهليِّ، وأمير أهل الشَّام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفِهْري، وكان حذيفة رضي الله عنه مِنْ جُمْلَةِ مَنْ غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق.

وكانت هذه القصة في سنة خمس وعشرين في السنة الثالثة أو الثانية

ج 22 ص 29

من خلافة عثمان رضي الله عنه.

وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال (( خطبَ عثمان رضي الله عنه فقال يا أيُّها النَّاس إنما قُبِضَ نبيُّكم منذ خمس عشرة سنة، وقد اختلفتُم في القراءة ) ). الحديث في جمع القرآن.

وكانت خلافة عثمان رضي الله عنه بعد قتل عمر، وكان قَتْلُ عمر رضي الله عنه في أواخر ذي الحجَّة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، بعد وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة إلَّا ثلاثة أشهر.

فإن كان قوله خمس عشرة سنة محفوظًا؛ أي كاملة، فيكون ذلك بعد مضي سنتين وثلاثة أشهر من خلافته، فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرين، أو أوائل سنة خمس وعشرين.

وهو الوقت الذي ذكر أهل «التاريخ» أنَّ أرمينية فتحت فيه، وذلك في أوَّل ولاية الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط على الكوفة من قبل عثمان رضي الله عنه.

وقد ذكر أهلُ «التاريخ» أنَّ أذربيجان فُتِحَتْ أولًا في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أنْفَذَ المغيرةَ بنَ شعبةَ الثقفيَّ واليًا على الكوفة، ومعه كان كتابٌ إلى حذيفة بن اليمان بولاية أذربيجان، فوردَ عليه الكتاب، فسار منها إلى نهاوند في جيشٍ كثيفٍ، فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا، ثمَّ إنَّ المرزبان صالح حذيفة على ثمانمائة ألف درهم على أن لا يَقْتُلَ منهم أحدًا ولا يسبيهُ ولا يهدمَ بيت نار.

ثم عزلَ عمرُ رضي الله عنه حذيفةَ، وولَّى عتبة بن فرقد على أذربيجان، ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه الوليد بن عقبة على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان فنقضوا، فغزاهُم الوليد بن عقبة سنة خمس وعشرين، وكان حذيفة من جُمْلَة مَن غزا معه، والله تعالى أعلم.

(فَأَفْزَعَ) من الإفزاع (حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ) وفي رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه (( فيتنازعون في القرآن حتى سَمِعَ حذيفةُ من اختلافهم ما ذعره ) ). وفي رواية يونس (( فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كادَ يكون منهم فتنة ) ).

(فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ) المحمدية(قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا

ج 22 ص 30

فِي الْكِتَابِ)أي القرآن (اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) في التوراة والإنجيل. وفي رواية عمارة بن غزيَّة (( أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين أدركَ النَّاس، قال وما ذاك؟ قال غزوت فَرْج أرمينية، فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبيِّ بن كعب رضي الله عنه، ويأتون بما لم يسمعْ أهلُ العراق، وإذا أهلُ العراق يقرؤون بقراءة عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه، فيأتون بما لم يسمع أهل الشَّام، فيكفِّر بعضُهم بعضًا ) ).

وأخرج ابن أبي داود أيضًا من طريق يزيد بن معاوية النَّخعي قال (( إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقةٍ فيها حذيفة، فسمع رجلًا يقول قراءة عبد الله بن مسعود، وسمع آخر يقول قراءة أبي موسى الأشعري، فغَضِبَ، ثمَّ قام فحمدَ الله وأثنى عليه ثمَّ قال هكذا كان من قَبْلَكُم اختلفوا، والله لأركننَّ إلى أمير المؤمنين ) ). ومن طريق أخرى عنه (( أنَّ اثنين اختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة 196] ، وقرأ هذا وأتموا الحج والعمرة للبيت، فغضبَ حذيفة واحمرَّت عيناه ) ).

ومن طريق أبي الشَّعْثاء قال قال حذيفة (( يقول أهلُ الكوفة قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة قراءة أبي موسى، والله لئن قدمتُ على أمير المؤمنين لآمرنَّه أن يجعلَها قراءةً واحدةً ) ). ومن طريق أخرى (( أنَّ ابن مسعود قال لحذيفة بلغني عنك كذا وكذا، قال نعم، كرهتُ أن يقال قراءة فلان، وقراءة فلان، فيختلفون كما اختلفَ أهلُ الكتاب ) ).

وهذه القصَّة لحذيفة، الظَّاهر أنَّها كانت متقدِّمة على القصَّة التي وقعت في القراءة، فكأنَّه لما رأى الاختلاف أيضًا بين أهل الشام وأهل العراق اشتدَّ خوفُه، فرَكِبَ إلى عثمان رضي الله عنه، وصادفَ أن عثمان أيضًا كان وقع له نحو ذلك، فأخرج ابنُ أبي داود أيضًا من طريق أبي قلابة قال لمَّا كان في خلافةِ عثمان جعلَ المعلِّم يعلِّم قراءة

ج 22 ص 31

الرجل، والمعلم يعلِّم قراءة الرجل، فجعلَ الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفعَ ذلك إلى المعلِّمين حتى كفَّر بعضُهم بعضًا، فبلغَ ذلك عثمان فخطب فقال (( أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشدُّ اختلافًا ) ).

فكأنَّه، والله أعلم، لما جاءه حذيفة وأعلمَه باختلاف أهل الأمصار تحقَّق عنده ما ظنَّه من ذلك. وفي رواية مصعب بن سعد فقال عثمان رضي الله عنه (( تمترون في القرآن تقولون قراءة أُبي، قراءة عبد الله، ويقول الرجل والله ما تقيمُ قراءتك ) ). ومن طريق محمد بن سيرين قال كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبهِ كفرتَ بما تقول، فرُفِعَ ذلك إلى عثمان رضي الله عنه فتعاظم ذلك في نفسه.

وعند ابن أبي داود أيضًا من رواية بكير بن الأشج أنَّ ناسًا بالعراق يُسْأَلُ أحدُهم عن الآية الأئمة، فإذا قرأها قال إلَّا أنِّي أكفرُ بهذه، فَفَشا ذلك في الناس فَكُلِّمَ عثمانُ رضي الله عنه في ذلك، وكان هذا سببًا لجَمْعِ عثمانَ القرآنَ في المُصحف.

(فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ) بنت عمر رضي الله عنهم (أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ) التي كان أبو بكر رضي الله عنه أمر وبدأ بجمعها (نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ) رضي الله عنهما. وفي رواية يونس بن يزيد واستخرج الصَّحيفة التي كان أبو بكرٍ وزيد رضي الله عنهما جمعاها، فنسخَ منها مصاحف فبعثَ بها إلى الآفاق.

والفرق بين الصُّحف والمصحف أنَّ الصُّحف هي الأوراقُ المجرَّدة التي جُمِعَ فيها القرآنُ في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وكانت سورًا مفرَّقة كل سورة مرتَّبة بآياتها على حدةٍ، لكن لم يرتب بعضُها إثر بعضٍ، فلما نسخت ورتِّب بعضها إثر بعضٍ صارت مصحفًا في عهد عثمان رضي الله عنه.

وقد جاء عن عثمان رضي الله عنه أنَّه إنما فعل ذلك بعد أن استشارَ الصَّحابة رضي الله عنهم، وروى ابن أبي داود بإسناد صحيحٍ من طريق سويد بن غفلة قال قال علي رضي الله عنه (( لا تقولوا في عثمان إلَّا خيرًا فوالله ما فعلَ الذي

ج 22 ص 32

فعل في المصاحف، إلَّا عن مَلَأٍ منَّا، قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أنَّ بعضهم يقول إنَّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يكادُ يكون كفرًا؟ قلنا فما ترى؟ قال أرى أن نَجْمَعَ الناسَ على مُصْحَفٍ واحدٍ، فلا يكون فرقة ولا اختلاف، قلنا فنِعْمَ ما رأيتَ )) .

(فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ) الأموي (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا) أي الصحف (فِي الْمَصَاحِفِ) وفي كتاب «المصاحف» لابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين قال جمع عثمانُ رضي الله عنه اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وأرسل إلى الربعة [2] التي في بيت عمر قال فحدَّثني كثيرُ بن أفلح، وكان ممَّن يكتب قال وكانوا إذا اختلفوا في الشَّيء أخَّروه، قال ابنُ سيرين أظنُّه ليكتبوهُ على العرضةِ الأخيرة.

وفي رواية مصعب بن سعد فقال عثمان رضي الله عنه من أكتب الناس؟ قالوا كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدُ بن ثابت، قال فأي النَّاس أعرب؟ وفي رواية أفصح؛ قالوا سعيد بن العاص، قال عثمان رضي الله عنه فليمل سعيد وليكتب زيد.

ومن طريق سعيد بن عبد العزيز أنَّ عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميَّة؛ لأنَّه كان أشبَههم لهجةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقُتِلَ أبوه العاص يوم بدرٍ مُشركًا، ومات جدُّه سعيدُ بن العاص قَبْلَ بَدْرٍ مشركًا.

وقد أدرك سعيدُ بن العاص هذا من حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، قاله ابنُ سعد. وعدُّوه لذلك في الصَّحابة، وحديثُه عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما في «صحيح مسلم» . واستعملَه عثمان رضي الله عنه على الكوفة، ومعاوية على المدينة، وكان من أجواد قريش وحُلَمَائها. وكان معاوية رضي الله عنه يقول لكلِّ قومٍ كريمٌ، وكريمُنا سعيد. وكانت وفاته بالمدينة سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين.

ووقع في رواية عمارة بن غزيَّة أبان بن سعيد بن العاص، بدل سعيد. قال الخطيبُ وهمَ عُمَارة في ذلك؛ لأنَّ أبان قتل بالشَّام

ج 22 ص 33

في خلافة عمر رضي الله عنه، ولا مَدخل له في هذه القصَّة، والذي أقامه عثمان رضي الله عنه في ذلك هو سعيدُ بن العاص ابن أخي أبان المذكور. انتهى.

ووقع عند ابن أبي داود من تسمية بقية من كَتَبَ أو أَمْلَى مفرَّقًا جماعة منهم مالك بن أبي عامر جدُّ مالك بن أنس، من رواية أبي قلابة عنه. ومنهم كثير بن أفلح، كما تقدَّم، ومنهم أُبي بن كعب، كما مرَّ، ومنهم أنس بن مالك، وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم. وقد وقع ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مجمَّع عن ابن شهاب في أصل حديث الباب.

قال الحافظ العسقلاني فهؤلاء تسعةٌ عرفنا تسميتَهم من الاثني عشر. وقد أخرج ابنُ أبي داود من طريق عبد الله بن مَعْقِل وجابر بن سَمُرة قال قال عمرُ بن الخطاب [3] رضي الله عنه (( لا يُمْلِيَنَّ أحدٌ في مصاحِفِنا إلَّا غلمان قريش وثقيف ) ).

وليس في الذين سمَّيناهم أحد من ثقيف، بل كلُّهم إمَّا قرشِي أو أنصاري، وكأنَّ ابتداءَ الأمرِ كان لزيدٍ وسَعيدٍ؛ للمعنى المذكور فيهما في رواية مُصْعَب، ثمَّ احتاجوا إلى من يساعد في الكتابة بحسبِ الحاجة إلى عددِ المصاحف التي تُرْسَلُ إلى الآفاق، فأضافوا إلى زيد مَن ذُكِرَ، ثمَّ استظهروا بأبيِّ بن كعب في الإملاء.

وقد شقَّ على ابن مسعود رضي الله عنه صَرْفَه عن كتابة المُصْحَف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهابٍ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عنه قال ابن شهاب فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود (( أنَّ عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخَ المصاحف، وقال يا معشرَ المسلمين أُعْزَلُ عن نَسْخِ كتابة المصاحف، ويتولَّاه رجلٌ والله لقد أسلمتُ وإنَّه لفي صُلب رجلٍ كافرٍ ) ). يريد زيد بن ثابت.

وأخرج ابن أبي داود من طريق خمير بن مالك، بالخاء المعجمة مصغرًا سمعت ابنَ مسعود رضي الله عنه يقول (( لقد أخذتُ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدَ بن ثابت أصبى من الصِّبيان ) ).

ج 22 ص 34

ومن طريق أبي وائل، عن ابنِ مسعود رضي الله عنه (( بضعًا وسبعين سورة ) ). ومن طريق زرِّ بن حُبيش عنه مثله (( وإن لزيد بن ثابت ذؤابتين ) ).

والعذر لعثمان رضي الله عنه في ذلك أنَّه فعلَه بالمدينة، وعبد الله رضي الله عنه بالكوفة، ولم يؤخِّر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسلَ إليه ويحضر، أيضًا فإنَّ عثمان رضي الله عنه إنما أرادَ نَسْخَ الصُّحف التي كانت جُمِعَتْ في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وأن يجعلها مصحفًا واحدًا، وكان الذي نَسَخَ ذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه هو زيدُ بن ثابت كما تقدم؛ لكونه كان كاتبَ الوحي، وكانت له في ذلك أولوية ليست لغيره.

وقد أخرج الترمذي في آخر الحديث المذكور عن ابن شهابٍ قال بلغني أنَّه كَرِهَ ذلك من مَقَالةِ عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه رجالٌ من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم.

(وَقَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ) وهم سعيد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث؛ لأنَّ سعيد أموي، وعبد الله أسدي، وعبد الرحمن مخزومي، وكلها من بطون قريش (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ) أي في عربيَّته (فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ) أي معظمه (بِلِسَانِهِمْ) أي بلغتهم (فَفَعَلُوا) ذلك كما أمرهم. وفي رواية شعيب (( في عربيَّة من عربية القرآن ) )، بدل قوله في شيءٍ من القرآن. وزاد الترمذيُّ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد في حديث الباب قال ابنُ شهاب فاختلفوا يومئذٍ في التَّابوت والتَّابوه، فقال القرشيون التَّابوت، فإنه نزل بلسان قريش. وهذه الزيادة أدرجها إبراهيمُ بن إسماعيل بن مجمَّع في روايته عن ابنِ شهابٍ في حديث زيد بنِ ثابت. قال الخطيبُ وإنما رواها ابنُ شهاب مرسلة.

(حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) رضي الله عنها، فكانت عندها حتى توفيت. زاد أبو عبيد وابن أبي داود من طريق شعيب

ج 22 ص 35

عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال كان مروان يرسل إلى حفصة؛ يعني حين كان أمير المدينة من جهة معاوية رضي الله عنه يسألها الصُّحف التي كُتِبَ منها القرآن، فتأبى أن تُعطيه. قال سالم فلمَّا توفِّيت حفصة ورجعنا من دَفْنِها أرسلَ مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ليرسلنَّ إليه تلك الصُّحف، فأرسلَ بها إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأمرَ بها مروان فشُقَّتْ، وقال إنما فعلتُ هذا؛ لأني خشيتُ إن طالَ بالناس زمان أن يرتابَ في شأن هذه الصُّحف مرتابٌ. ووقع في رواية أبي عبيد فمزِّقت. قال أبو عبيد لم يُسْمَعْ أن مروان مزَّق الصُّحف إلَّا في هذه الرواية.

قال الحافظُ العسقلاني قد أخرجه من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهابٍ نحوه، وفيه فلمَّا كان مروان أميرَ المدينة أرسلَ إلى حفصة يسألها الصُّحف فمنعتْه إيَّاها. قال فحدَّثني سالم بن عبد الله قال لما توفِّيت حفصةُ، فذكره، وقال فيه فشقَّقها وحرَّقها. ووقعتْ هذه الزيادة في رواية عمارة بن غزيَّة باختصار، لكن أدرجها أيضًا في حديث زيد بن ثابت، وقال فيه فغسلها غسلًا.

وعند ابن أبي داود من رواية مالك، عن ابن شهابٍ، عن سالم وخارجة أنَّ أبا بكر رضي الله عنه لما جَمَعَ القرآن سأل زيد بن ثابت النَّظر في ذلك، فذكر الحديث مختصرًا إلى أن قال فأرسلَ عثمان إلى حفصة رضي الله عنهما فطلبها فأبت حتى عاهدَها ليردها إليها، فنسخَ منها، ثمَّ ردَّها فلم تزلْ عندها حتى أرسل مروان فأَخَذَها فحرَّقها.

ويُجْمَعُ بأنَّه صنع بالصُّحف جميع ذلك من تشقيقٍ، ثم غسل، ثم تحريق. ويحتملُ أن يكون بالخاء المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها، والله تعالى أعلم.

(وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ) أي ناحية، ويُجْمَعُ على آفاق (بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) وفي رواية شعيب فأرسل إلى كلِّ جندٍ من أجناد المسلمين بمصحف. واختلف في عدد المصاحف التي أَرْسَلَ بها عثمان رضي الله عنه

ج 22 ص 36

إلى الآفاق، فالمشهورُ أنَّها خمسةٌ أرسل أربعةً، وأمسك واحدًا.

وقال أبو عمرو الدَّاني في «المقنع» أكثر العلماء أنَّها أربعة؛ أرسل واحدًا إلى الكوفة، وآخرُ إلى البصرة، وآخرُ إلى الشَّام، وتركَ واحدًا عنده.

وقال ابنُ أبي داود سمعتُ أبا حاتم السِّجستاني يقول كَتَبَ سبعةَ مصاحف إلى مكَّة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحَبَسَ بالمدينة واحدًا.

وأخرج أيضًا ابن أبي داود في كتاب «المصاحف» من طريق حمزة الزَّيات قال أرسلَ عثمان رضي الله عنه أربعةَ مصاحف وبعثَ منها إلى الكوفة بمصحف فوقعَ عند رجلٍ من مُرَادٍ، فبَقِيَ حتى كتبتُ مُصحفي منه.

وأخرج أيضًا بإسناد صحيحٍ إلى إبراهيم النَّخعي قال قال لي رجل من أهل الشَّام مصحفنا ومصحفُ أهل البصرة أضبطُ من مصحف أهل الكوفة، قلت لم؟ قال لأنَّ عثمان رضي الله عنه بعث إلى الكوفة لما بلغَه من اختلافهم بمصحف قبل أن يُعْرَضَ وبقي مصحفنا ومصحف أهل البصرة حتى عُرِضَا.

(وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ) أي سوى المصحف الذي استكتبَه، والمصاحف التي نُقِلَتْ منه، وسوى الصُّحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها وردَّها إليها (مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ) بضم الميم أو كسرها، (أَنْ يُحَرَّقَ) بفتح المهملة وتشديد الراء. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُسْتَملي بسكون الحاء المهملة وتخفيف الراء، وذلك للمبالغة في إذهابها، وسدًا لمادة الاختلاف. وقال الحافظُ العسقلاني في رواية الأكثر بالخاء المعجمة. وفي رواية المروزي بالمهملة، ورواه الأَصيلي بالوجهين، قال والمعجمة أثبت. وفي رواية الإسماعيلي (( أن يُمْحَى أو يُحْرَق ) ). وقد وقع في رواية شعيب عند ابن أبي داود والطَّبراني وغيرهما (( وأمرهم أن يحرقوا كلَّ مُصحف يخالفُ المصحف الذي أرسل به ) ). قال فذلك زمان حرقت المصاحف بالعراقِ بالنَّار. وفي رواية سويد بن غَفَلة عن عليٍّ رضي الله عنه قال (( لا تقولوا لعثمان في إحراقِ المصاحف إلَّا خيرًا ) ). وفي رواية بكيرِ بن الأشج (( فأمر بجمعِ المصاحف فأحرقَها، ثم بثَّ في الأجنادِ التي كتب ) ).

ومن طريق مصعب بن سعد

ج 22 ص 37

قال (( أدركتُ الناس متوافرين حين حرقَ عثمان رضي الله عنه المصاحف فأعجبَهم ذلك، أو قال لم يُنْكِرْ ذلك منهم أحدٌ ) ).

وفي رواية أبي قلابة (( فلمَّا فرغَ عثمان رضي الله عنه من الصُّحف كَتَبَ إلى أهل الأمصار إني قد صنعتُ كذا وكذا، ومحوتُ ما عندي فامْحُوا ما عندكم ) )، والمحو أعمُّ من أن يكون بالغسلِ أو التَّحريق. وأكثر الرِّوايات صريح في التَّحريق فهو الذي وقع. ويحتملُ وقوع كلٍّ منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيءٍ من ذلك.

وقد جزمَ القاضي عياض بأنَّهم غسلوها بالماء ثمَّ أحرقوها مبالغةً في إذهابها. قال ابنُ بطَّال في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنَّار، وأنَّ ذلك إكرام لها، وصونٌ عن وطئها بالأقدام. وقد أخرج عبد الرَّزَّاق من طريق طاوس أنَّه كان يحرق الرسائل التي فيها البسملة إذا اجتمعت. وكذا فعل عروة، وكرهه إبراهيم.

وقال ابنُ عطيَّة الرواية بالحاء المهملة أصح، وهذا الحكمُ هو الذي وقع في ذلك الوقت، وأمَّا الآن فالغَسْلُ أولى؛ لما دعتْ الحاجة إلى إزالتهِ خشية أن يقعَ لأحدٍ توهم أنَّ فيها ما يخالفُ المصحف الذي استقرَّ عليه الأمر. وقالت الحنفيَّة إنَّ المصحف إذا بلي بحيث لا يُنْتَفَعُ به يُدْفَنُ في مكانٍ طاهر بعيدٍ عن وطئِ الناس بالأقدام.

واستُدِلَّ بتحريق عثمان رضي الله عنه المصحف على القائلين بقدم الحروفِ والأصوات؛ لأنَّه لا يلزم من كون كلام الله تعالى قديمًا أن تكون الأسطر المكتوبة في الأوراق قديمة، ولو كانت هي عينُ كلام الله تعالى لم يستجز الصَّحابة إحراقَها، والله تعالى أعلم. وقال الكرمانُّي فإن قلت كيف جازَ إحراق القرآن؟ قلت المحروقُ هو القرآن المنسوخ والمختلط بغيره من التفسير، أو بلغة قريش، أو القراءات الشَّاذة، وفائدته أن لا يقعَ اختلاف فيه. انتهى.

وفي «شرح السنة» في هذا الحديث البيان الواضح أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدَّفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتِّفاق منهم من غير أن يقدِّموا شيئًا أو يؤخِّروه، بل كتبوهُ في المصاحف على التَّرتيب المكتوب في اللَّوح المحفوظ بتوقيف جبريل عليه السلام على ذلك، وإعلامه عند نزول كلِّ آيةٍ بموضعها وأين تُكْتَبُ.

وقال عبد الرحمن السُّلمي كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين

ج 22 ص 38

والأنصار رضي الله عنهم واحدةٌ، وهي التي قرأها صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام مرَّتين في العام الذي قُبِضَ فيه، وكان زيدٌ شَهِدَ العرضَة الأخيرة، وكان يقرئُ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمدَه الصِّدِّيق رضي الله عنه في جَمْعِه، وولَّاه عثمان رضي الله عنه كتْبةَ المَصاحف.

وقال ابن التِّين السَّفَاقسي الفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان رضي الله عنهما أنَّ جِمْعَ أبي بكر كان لخشية أن يذهبَ من القرآن شيء بذهاب حَمَلَته؛ لأنَّه لم يكن مجموعًا في موضع واحدٍ فجمعه في صحائف مرتِّبًا لآيات سوره على ما وقفَهم عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وجَمْعَ عثمانَ كان لما كَثُرَ الاختلاف في وُجُوه القراءات حين قرؤوه بلغاتهم على اتِّساع اللُّغات، فأدى ذلك إلى تخطئةِ بعضِهم بعضًا، فخشيَ من تفاقُم الأمر في ذلك، فنسخَ تلك الصُّحف في مصحفٍ واحدٍ مرتبًا لسورهِ، كما سيأتي في باب (( تأليفِ القرآن ) ) [خ¦4996] .

واقتصرَ من سائر اللُّغات على لغةِ قريش محتجًا بأنَّه نزل بلغتهم، وإن كان قد وُسِّعَ في قراءتهِ بلغةِ غيرهم رَفْعًا للحَرَجِ والمشقَّة في ابتداء الأمر، فرأى أنَّ الحاجة إلى ذلك انتفتْ فاقتصرَ عليها.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري بالإسناد السابق (وَأَخْبَرَنِي) بالواو والإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أنَّه (سَمِعَ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ) أي في زمن عثمان رضي الله عنه (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا) أي طلبناها (فَوَجَدْنَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ) ذي الشَّهادتين، وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي وُجِدَ معه آخرُ التَّوبة على قول ( {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ) كذا في اليونينية بالميم، وفي نسخة بضم الصاد من غير ميم.

وقد تقدَّمت هذه القصَّة موصولة

ج 22 ص 39

مفردةً في (( الجهاد ) ) [خ¦2807] ، وفي (( تفسير سورة الأحزاب ) ) [خ¦4784] .

قال الحافظُ العسقلاني وظاهرُ حديث زيد بن ثابت هذا أنَّه فقد آية الأحزاب من الصُّحف التي كان نسخَها في خلافةِ أبي بكر رضي الله عنه حتى وجدَها مع خُزيمة بن ثابت. ووقعَ في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع عن ابنِ شهاب أنَّ فَقْدَه إيَّاها إنما كان في خلافةِ عمر رضي الله عنه، وهو وهم منه. والصَّحيح ما في «الصحيح» ، وأنَّ الذي فقدَه في خلافة أبي بكر رضي الله عنه الآيتان من آخر براءة، وأمَّا التي في الأحزاب فَفَقَدَها لما كَتَبَ المصحف في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقد جزمَ ابنُ كثير بما وقع في رواية ابن مجمع، وليس كذلك. انتهى فليُتَأمل.

وقال الكِرمانيُّ كيف ألحقها بالمصحف وشرط القرآن التواتر؟ وأجاب بأنَّه كانت متواترةً عندهم مسموعةً لهم من في رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وسورتُها وموضعُها معلومةٌ لهم، ففَقَدوا كتابَتَها.

فإن قلت لما كان القرآن متواترًا فما هذا التَّتبع والنَّظر في العسب؟

قلت الاستظهارُ؛ ولاسيَّما وقد كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم هل فيها قراءةٌ غيرُ قراءته من وجوهها أم لا؟

[1] في هامش الأصل قال أبو إسحاق البحتري الفصيح أذربيجان، وقال الجواليقي الهمزة في أولها أصلية؛ لأن أذر مضموم إليه الآخر.

[2] في هامش الأصل الربعة صندوق أجزاء المصحف.

[3] في هامش الأصل فيه نظر، والصواب والله أعلم قال عثمان بن عفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت